السنكسار الرهباني المخلّصي

للبحث عن الاسم المطلوب، إضغط ctr f

للبحث عن الاسم المطلوب،
إضغط على الثلاث نقاط في أعلى الصفحة واختر
Find in page
الأب الياس صالح

        وُلد الياس في صغبين، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١ تشرين الثاني سنة ١٨٩١ وسيم كاهنًا في ١٥ آب ١٨٩٥، خدم النفوس في الإسكندريّة وبيت لحم ودمشق ومعليا وصفد. ثمّ انتقل إلى خدمة النفوس في أبرشيّة صور بعد سنة ١٩١٤، فعرفته دردغيا ويارون ثمّ انتقل إلى معرة الشام. عاد إلى دير المخلّص فقضى مدّة يسهر على الأملاك في مزرعة بعانوب وقد أحسن التدبير فيها. توفّي على أثر نوبة قلبيّة في يارون سنة ١٩٢٩، كان فاضل السيرة، غيورًا على النفوس ولطيف المعشر.

الأب باسيليوس شحادة

        هو شكري بن مخول شحادة، وُلد في الفرزل سنة ١٨٧٠ ودخل الرهبانيّة وأبرز نذوره الرهبانيّة في ١ تشرين الثاني ١٨٩١ ودُعي باسيليوس وبدأ الخدمة قبل أن يصبح كاهنًا لِما كان فيه من دلائل الغيرة والإدارة. فقد عُيّن ناظرًا للطلاّب الإكليريكيّين في مدرسة العامر. سيم كاهنًا سنة ١٨٩٩ وبقي في المدرسة معلّمًا محبوبًا وغيورًا. ومنذ سنة ١٩٠٧ بدأ يتقلّد في الرهبانيّة الوظائف كالمدبّريّة سنة ١٩١٠ ونيابة رئاسة المدرسة ورئاستها سنة ١٩٠٧ و١٩١٠ ورئاسة دير رشميّا سنة ١٩١٣ فعمل في هذا الدير بنشاط وجدّ لإصلاح الأرزاق والتكثير من غروس الزيتون فيه. سنة ١٩١٦ عُيّن نائبًا بطريركيًّا على أبرشيّة صيدا المترمّلة بوفاة راعيها المطران باسيليوس حجّار، فأحسن القيام بالمهمّة وأحبّه أبناء الأبرشيّة خصوصًا أهالي صيدا وبقي في هذه المهمّة طيلة الحرب. انتخب أبًا عامًّا سنة ١٩١٩ فكان حازم التدبير، فطنًا، مخلصًا أشدّ الإخلاص للرهبانيّة ومن مآثره المشكورة في رئاسته العامّة الأولى وفاء الديون التي رزحت تحت ثقلها الرهبانيّة بسبب الحرب الكبرى الأولى، وكانت عشرة آلاف ليرة ذهبًا، فتوفّق الأب شحادة ببيع مزرعة الحجاجيّة بمبلغ كبير لأحد أفراد آل عيد، ثمّ وصول طريق السيارات من صيدا إلى دير المخلّص رغم معارضة أهالي جون بسبب حرش النقبة، ثمّ تقرير الابتداء الرسميّ للرهبانيّة بعد السنّ الخامسة عشرة، ثمّ تنظيم فرع الإخوة المساعدين وترميم مقام سيّدة الوعرة بمساعدة المطران إكليمنضوس معلوف الماليّة، وأخيرًا إصلاح دير الابتداء. وتجدّدت له الرئاسة العامّة سنة ١٩٢٢ فتابع المسيرة عاملاً بجدّ وإخلاص لخير الرهبانيّة، إنّما حزن قلبه وتفطّر أثناء رئاسته العامّة الثانية لإقرار الزيارة الرسوليّة على الرهبانيّة في أوّل شباط ١٩٢٤، وكان وصول الزوار الرسوليّين وهم: المطران مكسيموس صائغ متروبوليت صور والأب انسلموس لاسالس البندكتي والأب وانيس اللعازريّ، إلى دير المخلّص في ٦ أيار ١٩٢٤، عيد القدّيس أيّوب الصدّيق الكثير الجهاد. سنة ١٩٢٥ انتخب رئيسًا على دير عين الجوزة ورافق إلى رومة الأب العامّ يوسف يواكيم ولمّا رجع مرّ في الإسكندريّة والقاهرة وحيفا وبيروت وزار الآباء فيها. وفي ١٧ كانون الثاني ١٩٢٦ عاد إلى دير عين الجوزة وكانت الحركة الدرزيّة قد شملت البقاع فتعذّب كثيرًا بسببها وذاق حرّها وقرّها. في أيام رئاسته على دير الجوزة قام هيكل رخاميّ جميل على نفقة الأب ميخائيل مقصود وتزيّنت الكنيسة بأيقونات بديعة من تصوير الراهب المقدسيّ سبيريدون، وذلك بمساعدة الآباء المخلّصيّين الذين كانوا لا يرفضون طلبًا للأب شحادة. ولمّا أمرت الزيارة الرسوليّة بأن يشارك السيّد رزق الله نور من صور في إدارة واستثمار أملاك دير عين الجوزة احتجّ واستعفى من الرئاسة فعُيّن وكيلاً للرهبانيّة سنة ١٩٣٣ ورئيسًا في حيفا، وفي أيامه هناك بُنيت الوكالة الكبيرة فيها سنة ١٩٣٦. أحسّ بمرض في معدته فتوجّه إلى بيروت للمعالجة ثمّ رجع إلى العامر بعد أن يئس الأطباء من شفائه، فكان مثالاً للصبر الجميل والمحبّة للرهبانيّة والاحترام للسلطة. توفّي في السنة ذاتها وأُقيم له مأتم حافل، أبّنه فيه بكلام مؤثـّر جدًّا المطران غريغوريوس حجّار أمير البلاغة وسيّد الخطباء، وكذلك أبّنه الأب إكليمنضوس بردويل. وكان الأسى والحزن مخيّمَين على الجميع لفقدان كاهن وراهب اشتهر بحصافته ورصانته وتقواه وإخلاصه الشديد للرهبانيّة.

الأب بشارة غفري

        وُلد بشارة في صيدا في منتصف شهر أيلول ١٨٦٦، أبرو نذوره الرهبانيّة في ١ تشرين الثاني ١٨٩١ وسيم كاهنًا في ١٥ آب ١٨٩٥، بدأ الخدمة في القاهرة حيث خدم الرعيّة وعلّم في المدرسة البطريركية، سنة ١٩٠١ أُسندت إليه وكالة رومة فاهتمّ بتدبير مصالح الرهبانيّة بغيرة ونشاط وفطنة، وأغنى كنيسة الدير والمدرسة بالتقادم والأواني الكنسيّة. وامتاز في رومة بسياسته وإدارته وعطفه على تلامذة الرهبانيّة الذين كانوا يدرسون في جامعاتها، وقد ساعد السادة البطاركة والأساقفة في كلّ ما يحتاجون إليه في الدوائر الرومانيّة، وكان نعم العون والدليل لكلّ الشرقيّين القاصدين رومة وخاصّة من الرهبان المخلّصيّين. وقد سعى وهو في رومة لإرسال الأب استفانوس يواكيم إلى لوفان لدرس علم الزراعة وهو الذي كان يقوم بنفقاته كلّها. ترك رومة سنة ١٩٣٠ فأتى إلى الشرق وألحّ عليه المطران مكسيموس الصائغ فذهب إلى خدمة بلدة قانا، ثمّ انتقل إلى طنطا وبذل فيهما النشاط والغيرة كعادته إلى أن أحسّ بوطأة المرض فعاد إلى الدير سنة ١٩٤٠، وبقي رغم أمراضه الشديدة بشوشًا مسلّيًا أخوته بنكاته وروحه الطيّبة. توفّي سنة ١٩٤٣ وأُقيم له مأتم ترأّسه المطرانان نيقولاوس نبعة مطران صيدا ومكسيموس الصائغ مطران بيروت الذي أبّنه مشيدًا بمحبّته وغيرته على النفوس وأخلاقه الرهبانيّة والكهنوتيّة العالية.

الأب نقولا برشا

        وُلد في صيدا سنة ١٨٦٦، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٧ نيسان ١٨٩٢، وسيم كاهنًا في ٦ كانون الأوّل ١٨٩٤، خدم أوّلاً في مدينة صيدا كوكيل وكرئيس رهبانيّ، وكوكيل بطريركيّ على أملاك عبرا. ثمّ عُيّن نائبًا عامًّا للمطران باسيليوس حجّار في صيدا. نفاه الأتراك إلى بعلبك أثناء الحرب العالميّة الكبرى الأولى لصداقته مع الدولة الفرنسيّة. في آخر حياته خدم بلدة مشغرة فأصلح كنيستها وأسّس مدرسة للبنات بإدارة راهبات القلبَين الأقدسَين. توفّي سنة ١٩٣٢ في مشغرة بعد أن صدمَته سيّارة وكسرت رجله لمّا كان متوجّهًا إلى ريّاق لمصالحة بعض المتخاصمين. إمتاز بسياسته المحنّكة وغيرته على مصالح الطائفة وبجرأته في الدفاع عن الحقّ. فقد حارب الماسونيّة. ومرّة داس شعائرها بأقدامه في مشغرة عندما أرادت هذه الجمعيّة السريّة أن تجنّز حسب طقسها أحد أبنائها التائبين بعد الجنّاز الكنسيّ. كان كريم اليد أيضًا، طيّب الأخلاق، بشوشًا، غيورًا جدًّا في خدمة النفوس، شديد المحافظة على تمارينه الروحيّة وخصوصًا الصلاة الفرضيّة.

الأب بطرس يواكيم

        وُلد يوسف في قيتولي، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٣ تشرين الأوّل ١٨٩٢ وسيم كاهنًا في ١٤ أيلول ١٨٩٩، قضى أكثر أيام شبابه في إدارة المدارس والتعليم فيها فنراه على التوالي في المدرسة البطريركيّة في بيروت وفي الشام سنة ١٩٠٠ وفي مدرسة الفرير في الإسكندريّة ١٩٠١ ومديرًا عامًّا لجميع مدارس أبرشيّة عكّا سنة ١٩٠٦، ثمّ رئيسًا للمدرسة الوطنيّة في حيفا. خدم النفوس سنة ١٩١٩ في خربة قنافار في البقاع وفيها أسّس مدرسة داخليّة اشتهرت كثيرًا فعيّنه سنة ١٩٢٢ المطران كيرلّس مغبغب رئيسًا لميتم الفرزل. وفي سنة ١٩٢٦ خدم النفوس في بلدة عيتنيت. سنة ١٩٣٢ بدأ خدمة الرهبانيّة، فكان وكيلاً على أملاك الرهبانيّة في زحلة ورئيسًا بالوقت نفسه على دير عين الجوزة. وتجدّدت له الوظيفتان سنة ١٩٣٧. سنة ١٩٤٣ انتخب رئيسًا لدير رشميّا ومنها انتقل إلى مطرانيّة الروم الكاثوليك في زحلة حيث توفّي فجأة سنة ١٩٥٠. له مجموعة من الشعر مخطوطة وكتاب مطبوع في الصرف والنحو باللغة العربيّة.

الأب سمعان جمّال

        وُلد خليل بن يوسف الجمّال في الهلاليّة قرب صيدا، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٩ شباط ١٨٩٤ وسيم كاهنًا سنة ١٩٠١ وعُرف بالأب سمعان القدّيس. لم يخدم النفوس في الرعايا بسبب ضعف صحّته وطبعه المريض، قضى حياته كلّها في العامر وفي الأديار الرهبانيّة يعمل قلانس للرهبان وكان ماهرًا في هذا العمل. توفّي في دير رشميّا سنة ١٩٢٩ إذ وقع في البئر الذي في الدير المذكور، وقد ثبت بالتحقيق أنّه هو الذي ألقى بنفسه في البئر بسبب خلل في دماغه. وقد استغلّ البعض هذا الحادث للطعن والتعرّض لبعض رجال الإكليروس، إنّما التقارير الطبيّة وشهادة سكّان رشميّا فضحت بطل مزاعمهم.

الأب ميخائيل ناهض

        هو نعمة ناهض، وُلد في الميّة وميّة قرب صيدا، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٥ حزيران ١٨٩٤ وسيم كاهنًا في ١٥ آب ١٨٩٩، عُيّن سنة ١٩١١ معلّمًا للمبتدئين مرّتين ثمّ وكيلاً للرهبانيّة في زحلة. أمّا خدمته الكبرى فكانت للنفوس في عكّا وصور وزحلة وكرخا وقانا وشفاعمرو وكفركنة وأخيرًا رجع إلى صور سنة ١٩٤٠، سنة ١٩٤٥ عاد إلى العامر بسبب الشيخوخة والصمم الذي ثقل عليه، وعاش مواظبًا على التمارين الروحيّة، هادئ الطبع، ملازمًا غرفته، مسجّلاً حوادث الرهبانيّة والأيّام. ولا يزال ما كتبه محفوظًا في المكتبة المخلّصيّة. عجز ثمّ رقد بالربّ في دير المخلّص سنة ١٩٦٤.

الأب بطرس صوفيا

        وُلد جرجس في صغبين (البقاع)، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٥ حزيران سنة ١٨٩٤ وسيم كاهنًا في ١٠ أيلول ١٨٩٩، خدم النفوس أوّلاً في جديدة مرجعيون حتّى سنة ١٩٠٨، وفي مجمع ١٩١٠ انتخب مدبّرًا للرهبانيّة ثمّ عُيّن رئيسًا في زحلة ونائبًا عامًّا في مرجعيون سنة ١٩٢٥، وكذلك انتخب مدبّرًا في الرهبانيّة سنة ١٩١٦، هو الذي بنى كنيسة برّ الياس ورمّم كنيسة القدّيسة تقلا في زحلة وأصلح كنيسة مار الياس وانطش المعلقة. في سنة ١٩١٩ انتخب وكيلاً ورئيسًا رهبانيًّا في زحلة. في مجمع ١٩٣٤ عُيّن رئيسًا لدير عمّيق، فنشط في إصلاحه، وفي مجمع ١٩٤٣ عُيّن رئيسًا لدير المزيرعة ولكن ما عتم أن أُعيد إلى مرجعيون كنائب عامّ للمطران نيقولاوس نبعة المدبّر البطريركي على أبرشيّة بانياس المترمّلة. ولمّا انتخب المطران لاونديوس كلزي أسقفًا على مرجعيون استعفى وسكن في بلدته خربة قنافار حيث خدم النفوس إلى أن توفّي فيها سنة ١٩٥١، وقد أُثير الجدل حول ما تركه من مال بعد موته بسبب أن توفّي بين أهله وذويه. كان مهيب الطلعة سياسيًّا محنّكًا، لطيف المعشر وكريم اليد.

الأب يوسف فرنسيس

        وُلد ناصيف في معلولا وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٥ حزيران ١٨٩٢ وأُرسل إلى الاسكندريّة وهو لا يزال شمّاسًا لأنّه كان رخيم الصوت، وارتقى إلى درجة الكهنوت في ٢٦ تشرين الأوّل ١٨٩٨ بعد رجوعه من الاسكندريّة. خدم النفوس في صور وحيفا والقدس الشريف ودمشق حيث كان وكيلاً أيضًا للرهبانيّة. وفي مجمع سنة ١٩٠٧ تقلّد الوكالة العامّة مع الأب خليل الحايك. ونراه بعدئذٍ يتقلّب كثيرًا في رئاسة الأديار لمّا عهد به من صفات حسنة وكرم وإدارة نشيطة. يُذكر عنه أنّه بين ١٩١٠-١٩١٩، وهو رئيس دير عين الجوزة بنى كنيسة في الدير المذكور على اسم القدّيسة تقلا، وحسّن أرزاقه تحسينًا يُذكر فيشكر، وحفر فيه النبعة الفوقا والتحتا بمساعدة رجل يونانيّ اسمه جورج، ماهر في هذه الأعمال، فتفجّرتا ضعف ما كانتا عليه. وفي سنة ١٩١٩ عُيّن رئيسًا لدير المزيرعة، ثمّ في سنة ١٩٢٥ عُيّن رئيسًا لدير معلولا فأصلح فيه كثيرًا بعد أن نهبه الدروز في ثورتهم وامتاز هذا الكاهن طيلة حياته بلين العريكة والتقوى والصلاح والغيرة ولأجلها أحبّه واحترمه الجميع. واشتهر أيضًا بكرمه وحسن إدارته وأمانته في الخدمة والوظائف الرهبانيّة. بقي رئيسًا لدير معلولا إلى سنة ١٩٣١ التي فيها ابتلي بفالج دماغيّ نُقل على إثره إلى دمشق ثمّ إلى بيروت فدير المخلّص حيث توفّي سنة ١٩٣٢.

الأب استفانوس أبو خليل

        وُلد في كفرحونة، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٥ تشرين الأوّل ١٨٩٤ وسيم كاهنًا في ٤ تشرين الثاني ١٨٩٩، خدم في الفرزل ثمّ في مصر ثمّ في عيتنيت. سنة ١٩٠٧ أُرسل إلى صور ثمّ رجع إلى الدير وبقي فيه طيلة الحرب الكونيّة الأولى. بعد الاحتلال ذهب إلى حيفا للخدمة ثمّ عاد إلى دير المخلّص ووكلت إليه السلطة الاهتمام برعيّة مجدلونا. توفّي سنة ١٩٣٠ على إثر وقوعه عن ظهر الفرس وهو راجع من مجدلونا.

الأب ميخائيل سرحال

        وُلد يوسف في رشميّا سنة ١٨٦١، ولمّا هرب من البيت ليدخل إلى الدير هرع أهله ثلاث مرّات وأرجعوه إلى رشميّا، لكنّه بقي مصرًّا على انتحال الحياة الرهبانيّة. أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٥ تشرين الأوّل ١٨٩٤ ثمّ سيم كاهنًا سنة ١٨٩٩. خدم أوّلاً في مشغرة كمعلّم وكرئيس في المدرسة ثمّ ككاهن للرعيّة، فامتاز بنشاطه وتقواه وأدبه الجمّ، وبقي في مشغرة ٩ سنوات ولمّا نُقل منها أسف الأهلون لذهاب كاهن تحلّى بالغيرة والنشاط والمحبّة لجميع الناس دون تمييز بين الطوائف وبعد قضاء مدّة من الزمن في دير رشميّا انتقل إلى حيفا وطلب من المطران غريغوريوس الحجّار أن يخصّصه فقط لخدمة الرعيّة، فكان له ما أراد، فأخذ يهتمّ بالأخويّات، وينظّم قوانينها ويهتمّ بالمرضى والمسجونين والفقراء ويزور الرعيّة مرّتين في السنة. فأُصيب عند خدمته للمرضى بحمّى الملاريا وثقلت وطأتها عليه ولمّا شعر بالخطر كتب وصيّته وهي عنوان لفضيلته وتقواه ولروحه الرهبانيّ العالي. وما لبث أن توفّي في ١٥ نيسان ١٩١٦ فذُرفت دموع كثيرة على كاهن بارّ ومثاليّ. وقد كتب الأب بولس منذر زميله في الخدمة في حيفا حياته. وقد أكّد أنّ جثّته وُجدت مرّتين محفوظة تمامًا وذلك لمّا نُقلت رفاته إلى كاتدرائيّة مار الياس في حيفا وفي المرّة الثانية لمّا توفّي الأب أغابيوس مصري، فقد فُتح القبر من جديد فإذا بجثمان الأب ميخائيل سرحال كامل كما كان يوم الوفاة. إنّ الله عجيب في قدّيسيه.

الأب أثناسيوس بوّاب

        وُلد في دمشق ثمّ أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٢ تمّوز ١٨٩٤ وسيم كاهنًا في ٦ كانون الأوّل ١٨٩٩، أقام مدّة في صيدا كاهنًا للرعيّة ثمّ طلبه البطريرك بطرس الجريجيري ليكون كاتم سرّه لِما كان يمتاز به من متانة الإنشاء في اللغة العربيّة ورونق الخطّ. بقي أيضًا كاتمًا للسرّ في عهد البطريرك كيرلّس جحا. وكان شاعرًا مجيدًا وكاهنًا ممتازًا بالتقوى والفضيلة وسلامة النيّة. توفّي في مصر سنة ١٩١٨.

المطران غريغوريوس حجّار

هو بشارة بن جرجس الحجار وزينة نعمة الحدّاد، وُلد في روم قضاء جزين في ٢٠ آذار ١٨٧٥، كان أبوه من قيتولي قضاء جزين، لكنّه توطّن في روم بسبب الشغل وفيها اقترن بشريكة حياته. وإذ مات والده وهو صغير اعتنت والدته بتربيته وكانت ذكيّة الفؤاد عذبة الصوت تبتكر الكلام لصياغة المراثي والنوح على الأموات. ذهب بشارة أوّلاً إلى مدرسة الصلاحيّة في القدس لكنّه عاد ودخل إكليريكيّة العامر سنة ١٨٨٤ بسبب وجود قريبه الأب الياس حجار الرئيس العامّ آنئذ. وفي أوائل سنة ١٨٩١ ترك المدرسة وذهب مع شاب مصريّ من آل حجّار أغراه بالسفر إلى مصر لإنشاء مجلّة علميّة أدبيّة ومكث هناك مدّة من الزمان. ولمّا مرّ الأب الياس حجّار في مصر بعد رجوعه من رومة أتى به من جديد إلى الدير. وبعد سنة أبرز بشارة نذوره الرهبانيّة في ٢٢ تموز ١٨٩٤ وسيم كاهنًا في صيدا في ٤ كانون الثاني ١٨٩٧ عن يد المطران باسيليوس حجّار. ثمّ عُيّن في الإكليريكيّة المخلّصيّة فدرّس عِلم الطبيعيّات والفلسفة والتاريخ والشعر والخطابة. إلاّ أنّ صيت علمه وفضيلته ذاع في الأقطار البعيدة. فبعد سنتين من سيامته توفّي المطران أثناسيوس الصبّاغ مطران عكّا فأجمع الشعب على طلب الأب جبرائيل حجار مطرانًا وهو لم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره. وبعد تردّد وممانعة عيّنه البطريرك بطرس الجريجيري نائبًا بطريركيًّا على الأبرشيّة العكّاوية. فتعلّق به الشعب بعد أن خبروا منزلته الرفيعة لدى الحكام وغيرته على النفوس ونفوذه وقد ظهر ذلك كلّه في حادث خلاف حصل بين الشباب الوطنيّين والألمان. وقد قبض على أكثر من مئة وخمسين شابًا من العرب وسيقوا إلى بيروت على أثر هذا الحادث. وتدخّل الأب حجار وخلّصهم. أخيرًا سيم أسقفًا في ٢٤ آذار ١٩٠١ وراح يتفانى في رعاية شعبه فشاد الكنائس وأسّس المدارس وبنى مسكان للكهنة حتّى أصبحت أبرشيّة عكّا ورشة عمار، كما تشهد الكنائس التي شيّدت في شفاعمرو وعبلين ويافا الناصرة والرينة وكفركنة وطرعان وسيرين ومعلول والناصرة وطبريّة وصفد والجش وكفرياسيف والبعنة وفسوطه وعسفيا والبصة والمغار والدامون وكما تشهد المدارس الكثيرة وأشهرها مدرسة حيفا. وامتدّ نشاطه إلى شرقيّ الأردن وكان تابعًا لأبرشيّة عكّا، فبنى كنائس وبيوتًا للكهنة في الحصن واربد وجرش وعجلون وغيرها من المدن والقرى. وتوقّف نشاط المطران حجّار لمّا أبعده الأتراك عن أبرشيّته مدّة الحرب الكونيّة الأولى وحكموا عليه مع كثير من الكهنة بالإعدام، فلبث طيلة الحرب في مصر، وبعد الحرب عاد يعمل ويعلّم حتّى أضحت أبرشيّة عكّا زينة الأبرشيّات.
عدا ذلك فقد ساعد المطران غريغوريوس الفقير وعطف على اليتيم وجاهد كثيرًا في سبيل وطنه الثاني فلسطين لمّا أقرّ الانتداب الانكليزيّ فيها. وكانت له مواقف جريئة ومشهورة، ودافع خصوصًا عن القضيّة الفلسطينيّة فتجشّم لأجلها أتعاب أسفار شاسعة، وكان دومًا لكلامه الوقع البليغ لدى الحكام والسياسيّين. وقد أُقيم بمناسبة مرور مئة سنة على مولده سنة ١٩٧٦ مهرجان كبير في روم خطب فيه كثيرون من الفلسطينيّين واللبنانيّين وأشادوا بموقفه الصريح من القضيّة الفلسطينيّة التي سبق فكشف عن المقدّمات التي تنذر بالعاصفة. ولذلك لقّب بحقّ "مطران العرب". وكان واعظًا قديرًا وخطيبًا ساحرًا شهد له الملك حسين الأوّل ملك الحجاز وسعد زغلول بأنّه أبلغ خطيب سمعاه في حياتهما. وقد حفظت بعض خطبه الشهيرة كرثائه للبطريرك بطرس الجريجيري وللمطران باسيليوس حجّار وعظته يوم خميس الجسد في زحلة وغيرها من الخطب والمواعظ. أمّا أشهر خطبه فهي الخطاب الذي ألقاه في حضرة الملك حسين الأوّل وخطابه عن الوطن، وكلّها تشهد على بلاغته وحسن سبكه للغة العربيّة الفصحى.
وقد احتلّ مركز الصدارة في الطائفة الملكيّة الكاثوليكيّة وفي فلسطين. وقد وقف في المحافل الدوليّة فأغدقت عليه الإنعامات والإحسانات والألقاب بسبب حسن سياسته ونفوذه. وقد مثّل الطائفة في مؤتمرات دوليّة قربانيّة في لورد ودوبلان وبودابست وغيرها وارتبط بسببها بصداقات خالدة مع أعاظم الرجال. وفي هذه الحياة النشيطة لم ينس أمه الرهبانيّة المخلّصيّة فكان يتردّد على العامر ويلقي من وقت إلى آخر عظات الرياضة الكبرى ويمدّ المشاريع بالمال والعطف كما عمل لمّا بني الدورتوار الكبير وممشى الآباء في المدرسة المخلّصيّة، وهو الذي بنى على نفقته هيكلين فخمين في كنيسة المدرسة وكنيسة دير الراهبات المخلّصيّات وقد تبرع أيضًا مع الأساقفة أفثيميوس يواكيم ونيقولاوس نبعة وإكليمنضوس معلوف بكميّة من المال لتجهيز البناء الجديد في المدرسة. وأجمل تعبير عن عواطفه نحو أمّه الرهبانيّة هذه الأبيات التي كتبها بخط يده على صورته وقد أرسلها إلى العامر:
يا خير أم قد نمانا فضلهـــــــــــا ذي صورة ابن ذاكر لك عارف
لو كان يمكن أن يصوّر ما اختفى لرأيت روضًا من جمال عواطفيّ
رقد بالربّ في ٣٠ تشرين الأوّل ١٩٤٠ في حادث سيارة بعد أن خلّص في القدس بعض العرب ممّن حكم عليهم الإنكليز بالإعدام. فكان لِمنعاه رنّة حزن شديد في كلّ الأوساط التي خبرته من ألمع رجالات الطائفة والرهبانيّة وأشهر خطباء الكنيسة والعرب. وقد قيلت فيه أشعار كثيرة وجميلة لو جمعت لألّفت ديوانًا ضخمًا. ومن أجمل ما قيل فيه هذه الأبيات لخليل بك مطران شاعر الأقطار العربيّة، وهي:
بورك في خلقك المليــح يا أشبه الخلق بالمسيــــــح
وفي ذكاء له شعــــــاع يبدو على وجهك الصبيح
وفي خصال متمّمـــات بالخلق الطاهر الصريــــح
وفي تناه بلا تبــــــــــاه ذودًا عن المبدأ الصحيــح
وحين وفاته كتب خليل بك مطران، من مصر، قصيدة هذا مطلعها:
يا ناعيًا فاجأ الربوعـــــــا أجزعت من لم يكن جزوعا
كفى فؤادي ما في فؤادي لا تصف الحادث الفظيعــا
أمّا الأب نقولا أبو هنا، شاعر دير المخلّص، فكتب قصيدة طويلة نذكر بعض أبياتها:
قم يا خطيب الحقّ كنئنا وقـــــــــل فصل الخطاب فأنت أبلغ قائــل
لمح المسيح به بأجمل شكلـــــــــــــه إذ كان خير مماثل ومشاكــــــل
يا قائدًا عقد اللواء لبأســــــــــــــه تقتحم الميدان غير مزايــــــــــل
في خدمة الوطن المفدى منيــــــــــة لك من هوى مأهوله والآهــــل
في الشرق والغرب ذكراك والثنــــا صنوان عند أعاظم وأفاضـــــل
حفلت حياتك بالمآثر والتقــــــــــى عملاً وقولاً من جليل فاضـــــل
يا ظبي اسرائيل جدلك الــــــــردى اسفي على الظبي الجديل الذابل
يا كوكب السارين في حلك الدجى اسفي على القمر الجميل الذابل
يا سيّدًا بخل الزمان بمثلـــــــــــــــه اسفي على الحبر الجليل العامــل
أمضى شهادته بختم دمائــــــــــــــه ومضى إلى الأجر العظيم الطائل
نور عن الدنيا تضاءل وانطفـــــــــأ هو في سماه ليس بالمتضائــــــــل

الأب يوسف سابا

        هو مارون سابا، وُلد في مراح كيوان قرب قيتولي في أواسط أيلول سنة ١٨٧٤ ولمّا دخل الرهبانيّة أُرسل سنة ١٨٨٤ إلى مدرسة الصلاحيّة في القدس لينهي علومه الكنسيّة فيها، فأتمّها بنجاح، ولمّا عاد أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٣ أيلول ١٨٩٤، وسيم كاهنًا في ١٦ تموز ١٨٩٦. عُيّن في المدرسة المخلّصيّة ليعلّم فيها فبقي حتّى سنة ١٩٠٥ التي فيها انتخب كاتمًا للسرّ عند الأب العامّ استفانوس صقر، وكلّف أيضًا بالاهتمام بالمحاسبة في الدير فكان أمينًا ودقيقًا في كلّ أعماله. إصطحبه الأب العامّ جبرائيل نبعة معه في رحلته إلى رومة بمناسبة اليوبيل المئويّ الخامس عشر للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم واليوبيل الكهنوتيّ الذهبيّ لقداسة البابا بيوس العاشر، وذلك كان سنة ١٩٠٨، وبتدبير إلهيّ سمح الرئيس العامّ للأب سابا أن يعرّج على مصر وهكذا نجا من الموت لأنّ الحكومة التركية كانت قد حكمت عليه بالموت غيابيًّا لأنّه محبّذ لفرنسة، فمكث في القاهرة يعلّم في المدرسة البطريركيّة ومدرسة البيزنسون. سنة ١٩١٩ رجع إلى دير المخلّص ففرح الجمهور بقدومه وعاد إلى العمل. انتخب مدبّرًا في عدّة مجامع متقطّعة، وقام بوظيفة كاتم أسرار الرهبانيّة مدّة طويلة، وأشرف على الحسابات الرهبانيّة بدقّة وإخلاص، وفي هذه المهمّات المختلفة كان الرجل الأمين والمخلص والعامل بالخفاء. كان يجيد اللغة الانكليزيّة والفرنسيّة والإيطاليّة ولذلك كان يراسل ابنة الكاتب الفرنسيّ الشهير هنري بوردو ويعطيها المعلومات الوافية عن الليدي ستانهوب، ممّا أتاح لوالدها إصدار روايته المعروفة:La Sorcière de Joun  وكان أيضًا يُتقن عِلم اللاهوت الأدبيّ والليتورجيا، ولهذا السبب وقع عليه الاختيار ليكون في لجنة فحص المتقدّمين إلى الدرجات المقدّسة. ومع علمه الوافر كان بسيط القلب، صافي السريرة، تقيًّا، حسن المعاشرة يحبّه الجميع. أصابته نوبة قلبيّة سنة ١٩٤٢ أودت بحياته. كان من الرجال البررة الذين عملوا بصمت لمصلحة الرهبانيّة.

الأب نقولا سابا

        هو شقيق الأب يوسف سابا، وُلد في قيتولي، بعد إبرازه النذور الرهبانيّة في ٦ تشرين الأوّل ١٨٩٥ أُرسل إلى رومة للتخصّص فنال لقب ملفان في اللاهوت، وسيم كاهنًا في رومة سنة ١٩٠٤، ويُذكر أنّه قام برتبة شمّاس في حفلة تتويج البابا القدّيس بيوس العاشر. ولمّا رجع إلى الشرق علّم في المدرسة المخلّصيّة علم اللاهوت إلى سنة ١٩٠٧ التي فيها انتُخب معلّمًا للمبتدئين ثمّ عُيّن كاهنًا للرعيّة ووكيلاً للرهبانيّة في شبرا وبقي فيها إلى سنة ١٩٢٥، نُقل من مصر إلى عكّا نائبًا عامًّا فكان في خدمته هذه غيورًا على النفوس، كثير اللطف بشوشًا نحو الجميع، أمينًا ومدقّقًا في أعماله، كريم اليد ورحومًا نحو الفقراء، وذا نفوذ كبير عند المسلمين. توفّي فجأة سنة ١٩٣٠ فعمّ الحزن الأبرشيّة العكّاوية كلّها وبكَته الصحف والجرائد، وقد عبّر عن الفراغ العظيم الذي أحدثه موت الأب نقولا سابا، المطران غريغوريوس حجّار في تأبينه البليغ له يوم وفاته، وكذلك عبّر عن حزن الرهبانيّة المفجوعة الأب نقولا أبو هنا في تأبينه له بالمناسبة نفسها.

الأب أنطون خواجا

        وُلد شكري الخوري الخواجا في جرجوع وأبرز نذوره الرهبانيّة في ١٥ كانون الأوّل ١٨٩٥ وسيم كاهنًا في ٢٢ كانون الثاني ١٩٠١ وخدم سنين كثيرة في دير القمر وصيدا وكفرحونة ثمّ في جرجوع حيث بقي تسع عشرة سنة متواصلة. ثمّ عُيّن وكيلاً في دير المخلّص سنة ١٩٢٨ وبعد سنة رجع إلى كفرحونة ١٩٢٩، وبعد ثلاث سنين عاد إلى جرجوع لموافقة مناخها لمزاجه، وقد اشتدّ الضغط عليه ومرض في معدته. ثمّ عاد إلى دير المخلّص حيث رقد بالربّ سنة ١٩٣٧، كان رخيم الصوت، لطيف المعشر، وهو الذي كان يذهب إبّان الحرب الكبرى إلى جهات جبل عامل والحولة لجلب المؤونة للدير العامر.

الأب غريغوريوس أبو سمرا

        وُلد خليل في دير القمر، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٥ كانون الأوّل ١٨٩٥ وسيم كاهنًا في ١٤ أيلول ١٨٩٩، خدم النفوس أوّلاً في صور ثمّ في عكّا ومنها انتقل إلى أبرشيّة طرابلس فخدم النفوس مدّة إحدى عشرة سنة في بلدة منيارة حيث أشرف على بناء كنيسة كبيرة فيها وهناك اشتهر بغيرته وحسن استقباله ومساعدته للمطران يوسف دوماني في تأسيس أبرشيّة طرابلس الجديدة. انتخب سنة ١٩١٣ رئيسًا لدير المزيرعة وبقي في هذه الرئاسة مدّة مجمعين، وقد حمى الدير واللاجئين إليه من ظلم الأتراك وهجمات اللصوص والثوار طيلة الحرب الكبرى العالميّة الأولى وبعدها أُرسل سنة ١٩٢٠ إلى خدمة النفوس في معاصر الشوف ثمّ في المختارة وهناك كسب اعتبار واحترام الستّ نظيرة جنبلاط والدة كمال جنبلاط وعموم الدروز لكرم أخلاقه ورجولته وشجاعته. رئس دير معلولا سنة ١٩٣٤ فسعى إلى تحسينه وإصلاح أراضيه والتنقيب عن الآثار القديمة التي في باطن المغاور الجميلة الأثريّة المجاورة للدير. وقد عثر صدفة على ينبوع ماء غزير متدفّق ولا يزال يتدفّق في فجّ الروم الكاثوليك، وكان بمثابة أثر عظيم للبلدة. وقد حفظ المعلوليّون لهذا الكاهن ذكرا طيّبًا لمروءته وكرمه. ومرّة إذ كان في العامر سنة ١٩٣٧ عثرت رجله على أحد الأدراج فانكسرت ورغم المعالجة لم يشف تمامًا ورغم ذلك تابع عمله في دير معلولا إلى أن عاد نهائيًّا إلى العامر سنة ١٩٥٩ ولبث فيه شيخًا جليلاً فاضلاً كثير المطالعة مواظبًا على الصلاة والوعظ والكتابة توفّي سنة ١٩٦٤، له في المكتبة المخلّصيّة مخطوطات كثيرة هي سلسلة مواعظ ومحاضرات ويوميّات خاصّة وعامّة.

الأب فيليبّوس قسّيس

        سليم جرجس قسّيس من معلّقة زحلة، أبرز نذوره الرهبانيّة في 15 كانون الأوّل سنة ١٨٩٥، ودُعي اسمه ديمتريوس، وارتسم شمّاسًا إنجيليًّا في دير القمر في 20 تمّوز سنة 1899 من يد سيادة المطران باسيليوس حجّار، وقسًّا من يد سيادته في ١٠ أيلول سنة ١٨٩٩ في دير القمر ودُعي فيلبُّس، وبعد سيامته خدم مدّة في دير القمر ثمّ أُرسل الى الفرزل حيث قضى أربع سنين، ثمّ نُقل إلى أبرشيّة عكّا: صفد العليا وشفاعمرو حيث قضى ستّ سنين، وكانت خدمته حسنة جدًّا واستسار بكلّ غيرة ونشاط ورزانة، وكان سيادة المطران غريغوريوس حجّار خصوصًا يعتبره اعتبارًا كبيرًا ويعتمد عليه في كثير من الأمور ثمّ تعيّن رئيسًا لدير رشميّا ثلاثة مجامع متواليّة فاكتسب ثقة الأهلين واعتبارهم ومحبتهم, وفي مجمع سنة 1913 انتخب مدبّرًا ثالثًا للرهبانيّة. وفي مجمع سنة 1922 تعيّن وكيلاً للرهبانيّة في صيدا. وفي مجمع سنة 1919 تعيّن رئيسًا لدير رشميا مجمع ثالث له وتجدّدت له هذه الوظيفة سنة 1925 لرئاسة دير عمّيق. وسنة 1928 أُرسل الى خدمة النفوس في حاصبيّا، وهنالك كسب أيضًا قلوب الأهلين جميعًا ولاسيّما الدروز. وسنة 1929 مرض بالريّة وثقل عليه المرض فنقله حضرة الأب الجليل الأرشمندريت بطرس صوفيّا الى بيروت ليتطبّب فلم ينجح فيه الدواء فمات رحمه الله في 13 آب سنة 1929 في المستشفى الفرنساوي مأسوفًا عليه من الجميع ونقلت جثّته ضمن تابوت الى الدير في ذلك المساء عينه. وكان رحمه الله رزينًا في كلّ حركاته، أديبًا بشوشًا نديمًا، وكان حديثه مرتّبًا يلذّ لجميع السامعين.

الأب أثناسيوس شعيا

        وُلد في دير القمر، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٠ تموز ١٨٩٩ وسيم كاهنًا في خربة قنافار في ١٠ أيار ١٨٩٩، خدم النفوس في مشغرة والفرزل وبطمة وكفرحونة وصيدا وحيفا وجزين. بقي في الدير مدّة طويلة لأنّه كان ماهرًا في الشغل اليدويّ وطبّ الأسنان. سنة ١٩٠٧ عُيّن وكيلاً في بسري فأصعد إليها الماء من النهر ممّا سبّب خلافًا مع أهالي صيدا، سنة ١٩٢٥ عُيّن وكيلاً للرهبانيّة في زحلة مع خدمته للرعيّة في الفرزل. سنة ١٩٣٢ ابتلي بالفالج فأُدخل المستشفى في بيروت حيث توفّي سنة ١٩٣٢، كان بديهي الخاطر، ظريف النكتة، خفيف الظلّ، لطيف المعشر وكريمًا.

الأب ملاتيوس خوري

        وُلد في دير القمر، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٠ تمّوز ١٨٩٦ وسيم كاهنًا سنة ١٨٩٩ في ١٤ أيلول. خدم النفوس أوّلاً في بطمة ومعاصر الشوف ثمّ عُيّن سنة ١٩٠١ نائبًا أسقفيًّا ورئيسًا رهبانيًّا في دير القمر، وبقي في تلك الوظيفة إلى سنة ١٩٢٢ التي فيها انتُخب رئيسًا لدير رشميّا فحسّن الأرزاق واشتهر بلطف معاملته وكرمه وحسن ضيافته. سنة ١٩٣٤ انتُخب أخوه الأب بولس خوري عوضًا عنه رئيسًا إلى دير رشميّا. فذهب غاضبًا إلى جب جنّين لخدمة الرعيّة فيها. استرضاه أخوه وعاد به إلى دير رشميّا. وفيه مرض وتوفّي سنة ١٩٤١.

الأب فلابيانوس زهّار

        وُلد في صيدا، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٠ تموز ١٨٩٩ ثمّ سيم كاهنًا في ٢٢ تشرين الأوّل من السنة نفسها. مارس التعليم في المدرسة المخلّصيّة ومدرسة دير القمر. سنة ١٩٠٧ عُيّن رئيسًا لمدرسة صور، سنة ١٩١٣ انتخب معلّمًا للمبتدئين، ثمّ نراه كاهنًا للرعيّة في مرجعيون ووكيل الرهبانيّة وكاهن الرعيّة في زحلة ثمّ نائبًا أسقفيًّا بدير القمر. سنة ١٩٢٢ ذهب بأمر الطاعة ليخدم رعيّة بوسطن فسعى لشراء كنيسة للطائفة وبيت للكاهن ونجح في مسعاه وكسب اعتبار واحترام الجميع لوداعة أخلاقه وجزيل تقواه. انتقل لفترة من الزمن بسبب خلاف إلى رعيّة لورنس لكنّه عاد إلى رعيّته التي كانت تحبّه. مرض بالفالج في ١ كانون الأوّل ١٩٤٥ فأسرع في طلب الأب أفثيميوس سابا ليكون مساعده في الخدمة وقد تحقّقت رغبته فيما بعد. وفي ١١ منه توفّي فأُقيم له جنّاز حافل أبّنه فيه مطران اللاتين في بوسطن وأشاد بإخلاصه في الخدمة وبفضائله الكهنوتيّة الممتازة.

الأب ميخائيل جمّال

        وُلد في جون، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٠ تموز ١٨٩٨ ثمّ سيم كاهنًا في ١ تشرين الأوّل ١٨٩٩، انتخب معلّمًا للمبتدئين ثمّ خدم النفوس في الشام مع أخيه الأب أغناطيوس، لكنّه ما لبث أن عاد إلى الدير لانتشار الهواء الأصفر في دمشق، ولبث يعلّم في المدرسة المخلّصيّة. سنة ١٩٠٥ أُرسل إلى عكّا ثمّ إلى حيفا فعلّم في مدرستها الأسقفيّة اللغة العربيّة مدّة طويلة من الزمن ومنها انتقل إلى القاهرة رئيسًا لخورص الكاتدرائيّة لأنّ صوته كان رخيمًا جدًّا، وفيها أتقن عِلم البصلتيكا. نُقل إلى الإسكندريّة مرشدًا للتلامذة ومعلّمًا للغة العربيّة في مدرسة الفرير وقضى هناك إحدى عشرة سنة كانت مليئة بالغيرة والتقوى. ثمّ نُقل إلى القاهرة وإلى طنطا فخدم فيهما بتفان وغيرة. انتخب وكيلاً للرهبانيّة في شبرا سنة ١٩٢٨ ثمّ في صيدا سنة ١٩٣٠ فكان الخادم الأمين للرهبانيّة. ومن مآثره مجموعة طوابع بريديّة ثمينة كمّلها بعده الأب أثناسيوس جامد. هذا الكاهن حيثما خدم كان مثالاً للشعب بتقواه ولهذا كسب قلوب الجميع. توفّي في صيدا سنة ١٩٣٢ على أثر اشتداد مرض السكّريّ عليه ومرض في معدته. دُفن في دير المخلّص.

الأب بوليكربوس وردة

        وُلد في بيروت في ٦ آب ١٨٧٧ من أبوَين دمشقيَّين ثمّ ذهب وسكن مع أهله في دمشق. أتى إلى الدير وفيه أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٢ نيسان ١٩٠٠ وسيم كاهنًا في ٢ نيسان ١٩٠٥ وحالاً تقلّد الوكالة العامّة، ثمّ أُرسل إلى دمشق سنة ١٩٠٧ فخدم هناك معلّمًا في المدرسة البطريركيّة ثمّ خادمًا لرعيّة الميدان ووكيلاً للرهبانيّة، ولا يزال سجلّ الأملاك المخلّصيّة في دمشق بخطّه محفوظًا في مكتبة المخطوطات المخلّصيّة وقد عثر عليه الأب فايز فريجات في الشام. من الشام انتقل إلى هليوبوليس في مصر كخادم للنفوس، وفي كلّ هذه الأحوال والأماكن كان حسن السلوك، طيّب القلب، كريم اليد، جميل الخلق بشوشًا، محبًّا لإخوته. سنة ١٩١٧-١٩٢٠ كان وكيل الرهبانيّة في بيروت ثمّ سنة ١٩٢٢ عاد إلى الشام، سنة ١٩٢٤ ذهب إلى أميركا بأمر من البطريرك ديمتريوس قاضي دون سواه، وخدم في رعيّة وستر ماس بغيرة ونشاط، وهو الذي أسّس فيها كنيسة وبنى بيتًا للكاهن، ولم ينسَ أمّه الرهبانيّة قط بل كان يرسل لها من حين إلى آخر ما يتوفّر لديه من الأموال، وهو الذي ساعد الأب يوسف بهيت رئيس المبتدئين سنة ١٩٥٢ لمدّ قساطل مياه المقيصبة إلى دير السيّدة. وكان في رعيّة وستر ماس شيخًا فاضلاً واشتهر بأنّه كان معرّف الكهنة والراهبات في تلك المدينة، محبوبًا لدى الجميع. توفّي سنة ١٩٥٥ ودُفن في دير ميثون، في المقبرة التي ساهم في تشييدها ونصب تمثال المخلّص في وسطها.

الأب استفانوس ايذونيذي

        هو من القسطنطينيّة أصلاً، أتى إلى دير المخلّص وأبرز نذوره الرهبانيّة في ١٢ نيسان ١٩٠٠ ثمّ سيم كاهنًا في ١٥ آب ١٩٠٣، وأخذ في تعليم اللغة اليونانيّة مدّة أربع سنوات في مدرسة دير المخلّص، وكان بارعًا فيها، ملمًّا بأصولها لأنّها لغته الأصليّة، إنّما كان يشعر بأوجاع كثيرة بسبب مرض العصبيّ الذي ألمّ به، وهذا عطّل خدمته وبلبل حياته. عُيّن لخدمة النفوس في كفرقطرة سنة ١٩٠٧، لكنّه تركها سنة ١٩١١ وسافر إلى القسطنطينيّة وما لبث أن عاد تائبًا إلى الخدمة في كفرقطرة. ولمّا اشتدّ المرض عليه عاد إلى العامر وفيه رقد بالربّ سنة ١٩٢٤، بدأ بترجمة الأرجوزة إلى اليونانيّة ولكنّه لم يتمّها ولم ينشرها.

المطران أغابيوس نعّوم أبو رجيلي

        وُلد في وادي الدير في ١ آب ١٨٨٢، وبعد إبرازه النذور البسيطة أُرسل إلى رومة ليدرس في جامعاتها فنال شهادة الملفنة في الفلسفة ثمّ عاد بعدها إلى البلاد لتوعّك صحّته، وبعد أن تعافى رجع إلى رومة فأكمل دروسه اللاهوتيّة. سيم كاهنًا في لبنان في ٨ أيلول ١٩٠٧ وبقي في المدرسة المخلّصيّة يعلّم اللاهوت الأدبيّ والنظريّ حتّى سنة ١٩٠٩ التي فيها أُرسل إلى أبرشيّة عكّا فخدم النفوس في عكّا ثمّ في حيفا، مهتمًّا بالمدارس وراعيًا للنفوس بغيرة وباذلاً نشاطًا لا يتيح له الراحة إلاّ متى لجأ إلى السرير مساءً. أثناء الحرب الكبرى الأولى ذاق الضرب والهوان وسجن ثلاث مرّات، إذ اتُّهم بالتعاون مع الفرنسيّين. وترصّده الأتراك بعد خروجه من السجن وأصدروا بحقّه أمرًا للمثول لدى المجلس العرفيّ في القدس، لكنّ وساطة صديقه القنصل الألمانيّ في حيفا خلّصَته فهرّبه الأب إغناطيوس جمّال ليلاً إلى لبنان فأتى وسكن في دير المزيرعة. وقد وصف ذلك كلّه في يوميّاته المحفوظة في المكتبة المخلّصيّة. بعد الهدنة رجع إلى عكّا وزاد نشاطًا وغيرة والناس كلّهم في عوز وضيق. وإذ رأى المطران غريغوريوس حجّار الصفات التي يتحلّى بها الأب نعّوم انتدبَه سنة ١٩٢٢ نائبًا عامًّا للأبرشيّة وكذلك عيّنَته الرهبانيّة رئيسًا للآباء المخلّصيّين في أبرشيّة عكّا. فجاهد الجهاد الحسن في عمله الواسع الممتدّ إلى بلاد شرقي الأردن فخلّص كثيرين وساعد في فتح رسالات جديدة في شرقي الأردن، وفضّ مشاكل مختلفة. وكان في كلّ هذا الساعد الأيمن ورجل الثقة للمطران غريغوريوس حجّار. وفي ٧ تشرين الأوّل ١٩٢٥ انتُخب مدبّرًا ووكيلاً عامًّا ورغم هذه الوظائف باشر تعليم اللاهوت الأدبيّ في الإكليريكيّة المخلّصيّة. وكان وديعًا متواضعًا، لطيف المعشر. في ١٠ آب ١٩٢٧ عيّنته الزيارة الرسوليّة رئيسًا عامًّا وجدّدت له الرئاسة في ٩ كانون الأوّل ١٩٢٨ فامتاز في هذه الفترة باهتمام شديد بمصالح الرهبانيّة ورعاية أبنائها ومحبّته للسلام والوفاق .وكثرت المشاريع في عهده فقد عمّت الكهرباء الدير والمدرسة وأُحضرت آلات عصريّة لمكابس الزيت ووُسّعَت قاعات الإكليريكيّة وبوشر في بناء الأجنحة الجديدة في المدرسة. هكذا خطّت الرهبانيّة في أيّامه قدمًا في سبيل الرقيّ والنجاح والعمران. وفي سنة ١٩٣٣ انتُخب مطرانًا على أبرشيّة صور ولبث يسوس النفوس حتّى سنة ١٩٦٥ التي استقال فيها. ثمّ عاش في سرجبال حيث أقاربه وأنسباؤه. كان هذا الحبر أبًا عطوفًا للشعب، يساعد المحتاجين ويفتح قلبه ويده للصيّادين الذين كثيرًا ما كانوا يعانون من الضيق والعوز. واشتهر بأنّه كان شديد الاهتمام بالنفوس لا يرتاح إلاّ متى تأمّنت الخدمة الروحيّة وارتاح الناس في معيشتهم. إنّما أمراضه الكثيرة حبسَته عن الظهور والدعاية، وكان يعيش في الدار الأسقفيّة كراهب في نسك وتقشّف وصلاة. وفي ١ أيّار ١٩٦٧ انتقلت نفسه إلى الأخدار السماويّة فأُقيم له جنّاز حافل في كاتدرائيّة صيدا ترأّسه البطريرك مكسيموس الرابع ثمّ نقل جثمانه، كما أوصى هو نفسه ليُدفن في معبد القدّيس أنطونيوس البدواني في دير المخلّص مع سائر الأساقفة المخلّصيّين البررة.

الأب يوسف قندلفت

        وُلد في صيدا. أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٣ كانون الثاني ١٩٠١ وسيم كاهنًا في ٣ تشرين الأوّل ١٩٠٣، خدم النفوس على التوالي في أبرشيّة عكّا وقد طلبه إليها المطران غريغوريوس حجّار الذي كان قد تعرّف عليه جيّدًا في الإكليريكيّة المخلّصيّة. ثمّ أُرسل إلى الشام فكان الكاهن النشيط والمتفاني، ومنها انتقل إلى قيتولي ومغدوشة. ولمّا عرف المطران باسيليوس حجّار غيرته وتقواه طلبه ليساعد في مدرسة الفرير في صيدا. انتخب وكيلاً للرهبانيّة في صيدا سنة ١٩١٧ ثمّ نائبًا عامًّا فيها وكاهنًا للرعيّة وامتاز في هذه الخدم بغيرته وكرمه وحسن ضيافته وتواضعه. سنة ١٩٢٢ أُرسل لخدمة النفوس في كنيسة القدّيس جاورجيوس في نيويورك خلفًا للأب إبراهيم بشواتي المخلّصيّ ولبث في هذه المدينة ثمانية أشهر، إلاّ أنّ الأب برنردوس غصن الشويريّ سعى كثيرًا وبوسائط مختلفة حتّى أقنع الأب قندلفت بالانتقال إلى برمنغهام ألاباما وحلّ هو محلّه في نيويورك. فمكث الأب يوسف في مدينة برمنغهام سنتين ثمّ انتقل لأسباب صحيّة سنة ١٩٢٧ إلى ملووكي ويسكنسين خلفًا للأب بطرس نحّاس. وفي هذه المدينة جاهد كثيرًا حتّى وفى عن الكنيسة ديونها وكانت تبلغ ١٥٠٠٠ ألف دولار وأصلحها وأنشأ بيتًا للكاهن. وقد ترك هناك ذكرًا طيّبًا لغيرته وكرمه وتقواه. وأثناء إقامة الأب قندلفت في أميركا أرسل إلى الدير والمدرسة إسعافات ماليّة كثيرة. وفي سنة ١٩٣٠ أخذ على نفسه نفقة بناء مصيف في دير المزيرعة للطلاّب الإكليريكيّين وترميم الدير وأرسل أوّل دفعة ٣٠٠٠ دولارًا. عاد من أميركا سنة ١٩٣٤ فعُيّن وكيلاً للرهبانيّة وكاهن رعيّة في صيدا ثمّ رئيسًا لدير معلولا سنة ١٩٣٨ ثمّ وكيلاً للرهبانيّة في الشام سنة ١٩٤٣، خدم النفوس بعدها في كفرحونة ثمّ نُقل سنة ١٩٤٩ رئيسًا لدير عين الجوزة، لكنّه لم يلبث في الدير المذكور إلاّ سنة واحدة عاد بعدها إلى كفرحونة. ولمّا شاخ عاد فسكن في العامر وقضى باقي عمره في الصلاة ومحبّة أخوته الرهبان وخدمتهم. اشتدّت عليه أمراض ، الشيخوخة فنُقل إلى دير يسوع الملك حيث فاضت روحه الطاهرة سنة ١٩٥٧ اشتهر هذا الكاهن بتجرّده عن المال وتقشّفه وفضيلته الراسخة وتقواه العميقة التي كان يعبّر عنها بمظاهر مؤثّرة إنّما اشتهر خصوصًا بمحبّته لأمّه الرهبانيّة التي لم يتأخّر يومًا عن مدّ يد المساعدة السخيّة لها.

الشمّاس الياس سيدة

        هو خليل إبراهيم سيدة، وُلد في معرة الشام وأبرز نذوره الرهبانيّة في ١٣ كانون الثاني ١٩٠١ وسيم شمّاسًا إنجيليًّا في ٢٥ آذار ١٩١٤ وبقي طيلة حياته في هذه الرتبة. قام بخدمات كثيرة منها الاهتمام بالكنيسة في دير المخلّص مدّة من الزمن، ثمّ عمل في الأرض فغرس أشجار التين، ولا يزال البعض منها في جوار الدير، وأصلح الكروم. خدم في دير رشميّا سنة ١٩٠٤، وفي دير معلولا سنة ١٩١٠ ثمّ في دير المزيرعة وبعانوب ودير رشميّا من جديد. أصابه مرض القلب فلازم الدير منذ ١٩٣٢ إنّما ظلّ يهتمّ بغرس أشجار التين وكروم العنب في جوار الدير، ويطلب مساعدة الأخوة الشباب لذلك، وسنة ١٩٤٥ اشتدّ عليه المرض فتوفّي بميتة صالحة في دير المخلّص. وكان هادئ الطبع، صالح السيرة.

الأب بشارة ثلج

        وُلد في المحتقرة قرب دير المخلّص، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢ آب ١٩٠٢ ثمّ سيم كاهنًا في ٢٥ آذار في الناصرة سنة ١٩٠٥، خدم النفوس في الناصرة وطبريّة وعكّا ويافا وكفركنا ثمّ عاد إلى لبنان، فخدم النفوس في كفرفالوس، الصالحيّة والمختارة. وأثناء الاضطرابات التي حدثت سنة ١٩٢٠ في جبل عامل، ذاق العذاب والهوان لمّا اقتداه الثوّار إلى جهات كوكبا وهم يضربونه ويهينوه، ولولا عناية المخلّص به لكان ذبح. ثمّ عُيّن في أبرشيّة زحلة فخدم في الفرزل وتربل وأبلح وبرّ الياس سنة ١٩٣٠، ثمّ أُرسل إلى مونتريال (كندا) سنة ١٩٣٢ كمساعد للأب سمعان نصر، وبعد أن عجز عن الخدمة قضى مدّة طويلة في دير ميثون ثمّ رجع إلى العامر سنة ١٩٦٢ فعاش بسلام محبًّا للجميع، وكان هادئًا وديعًا فاضلاً إلى أن رقد بالربّ بهدوء، وسلام سنة ١٩٦٤.

الأب يوحنّا حرفوش

        هو من إبل السقي، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢ آب ١٩٠٢ وسيم كاهنًا في ٢ نيسان ١٩٠٥، علّم مدّة في مدرسة المخلّص ثمّ أُرسل سنة ١٩٠٧ إلى أبرشيّة مرجعيون فخدم في حاصبيّا وجديدة مرجعيون وراشيا. أثناء الثورة الدرزيّة انتقل إلى أبرشيّة عكّا للخدمة فلبث مدّة في شفاعمرو وكان كاتمًا للسرّ مدّة من الزمن للمطران غريغوريوس حجّار، ثمّ رجع إلى خدمة النفوس في حاصبيّا وراشيّا. كان فصيح اللسان حسن الإنشاء له بعض مخطوطات في مكتبة دير المخلّص. اعتزل الخدمة في آخر حياته وسكن في إبل السقي وفيها توفّي سنة ١٩٥٧ ودُفن بعد مأتم حافل اشترك فيه جمهور كبير من الشعب من أهالي بلدته والجوار لمّا كان للأب حرفوش من احترام وتقدير لدى الجميع.

الأب باسيليوس خرياطي

        هو بطرس بن الياس مخول خرياطيّ من المحتقرة قرب دير المخلص وفريدة أيّوب من قتالي قضاء جزين، وُلد في المحتقرة في ١٤ شباط ١٨٨٢، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢ آب ١٩٠٢ وسيم كاهنًا في ٢ نيسان ١٩٠٥، عُيّن في أبرشيّة عكّا فمارس التعليم على التوالي في مدرسة الفرير في حيفا والمدرسة الأسقفيّة في عكّا وشفاعمرو وحيفا. سنة ١٩٢٠ انتخب رئيسًا لمدرسة دير القمر الطائفيّة ومنها انتقل سنة ١٩٣٤ إلى المعاصر (الشوف) ومنها رجع رئيسًا للمدرسة الأسقفيّة في صيدا. سنة ١٩٤٢ عُيّن نائبًا أسقفيًّا في دير القمر ولمّا مرض رجع إلى العامر ليرتاح فشفي من مرضه. أُرسل من جديد إلى حيفا وهناك انتابته الأمراض فرجع إلى صيدا للمعالجة ومكث فيها إلى أن نقل إلى مصحّ ضهر الباشق وفيه رقد بالربّ ودُفن سنة ١٩٤٩.

الأب إكليمنضوس خرياطي

        هو اسكندر بن سمعان يوسف خرياطي، وُلد في جون في ٢٥ أيار ١٨٨٤، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٦ تموز ١٩٠٣ وسيم كاهنًا في ٢ نيسان ١٩٠٥، خدم النفوس في عكّا وفي مدرسة الفرير في الناصرة، ثمّ في المدرسة المخلّصيّة، انتقل بعدها إلى الإسكندريّة. وسنة ١٩١٠ ذهب إلى زحلة معلّمًا في المدرسة الأسقفيّة ومنها سافر إلى البرازيل حيث توفّي سنة ١٩٣٤.

الأب سمعان قنواتي

        وُلد في عكّا، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٦ تمّوز ١٩٠٣ وسيم كاهنًا في ٢٥ نيسان ١٩٠٥، أُرسل إلى الأبرشيّة العكّاوية بعد سيامته الكهنوتيّة وفيها قضى أكثر أيّامه، فنراه في حيفا وعكّا والجش وقانا الجليل. ولمّا شبّت نيران الحرب الكبرى الأولى عثر الأتراك بين أوراقه على كتاب توصية يخصّ أحد الفارّين من الخدمة العسكريّة فأُمسك وقِيد إلى المجلس العسكريّ حيث أُهين جدًّا وضُرب ثمّ نُفي إلى سيواس وهناك ذاق العذاب والهوان، وقد أثـّر هذا كلّه على دماغه. بعد الحرب خدم في فلسطين أيضًا وأخيرًا رجع إلى العامر فتنقّل بين دير المخلّص ودير عميق إلى أن توفّي سنة ١٩٥٠ في دير عمّيق.

المطران أثناسيوس خرياطي

        هو خليل ابن أسعد الخرياطي الشهير في فنّ البناء والهندسة ونظله جبران الخوري. وُلد في جون في ٢٠ كانون الثاني ١٨٨٣ وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٦ تمّوز ١٩٠٣ وأُرسل بعدها إلى رومة فنال سنة ١٩٠٦ شهادة الملفنة في الفلسفة واللاهوت والحقّ القانونيّ وسيم كاهنًا في أيلول ١٩١٠، وفي نفس السنة تسلّم رئاسة المدرسة المخلّصيّة فبقي فيها تسع سنوات أجرى خلالها إصلاحات كثيرة تناولت التهذيب والتعليم، وقد سنّ قوانين خاصّة بالمدرسة، وكان يعتني بالمرضى بنفسه ويعلّم اللاهوت الأدبيّ والفلسفة والعلوم الطبيعيّة والهندسة، فنجحت الإكليريكيّة نجاحًا باهرًا، ثمّ انتُخب مدبّرًا في مجمع ١٩١٩، وعُيّن نائبًا لأبرشيّة صيدا سنة ١٩١٩، رُقّي بعدها إلى الدرجة الأسقفيّة على كرسيّ صيدا في ١٤ آذار ١٩٢٠ فبذل في أبرشيّته نشاطًا واسعًا، فعزّز المدرسة وبنى لها محلاّت للإيجار، وعامل الكهنة خدمة المذابح برفق وكرم. وقام خلاف طويل وشديد بين المطران أثناسيوس والرئيس العامّ الأب باسيليوس شحادة، واشتدّ فتحوّل إلى خلاف بين الرهبانيّة من جهة والبطريرك ديمتريوس قاضي والمطران أثناسيوس خرياطي من جهة أخرى. وعلى إثر هذا الخلاف تقرّرت الزيارة الرسوليّة على الرهبانيّة سنة ١٩٢٤ بعد أن كاد يتمّ توحيد الرهبانيّات الملكيّات الثلاث على إثر صدور قرار رسوليّ بذلك. وحدث أن توفّيت في جون في ٢٤ كانون الثاني ١٩٣١ أوجيني ابنة المرحوم أندراوس نبعة، فاضطرّ المطران أن يحضر الجنّاز رغم ما كان يشعر به من مرض، وأراد أن يعظ بعد الإنجيل، فأخذ يلغو ثمّ جلس على الكرسي تعبًا وصمت وفَقَدَ الوعي، فنُقل إلى بيت الكاهن القريب من الكنيسة حيث فاضت روحه. وأقيم له مأتم مؤثـّر في صيدا اشترك فيه جميع أبناء الأبرشيّة وبحقّ قال أحد وجهاء صيدا: "حينما ابتدأ المطران خرياطي يفيد الأبرشيّة ويُحسن التصرّف، بعد أن تدرّب في الحياة قد مات، فيا للخسارة". فقد كان حبرًا غيورًا جدًّا على النفوس، يعمل باجتهاد لخير الأبرشيّة ويخطّط لمشاريع عظيمة ومنها تأسيس رهبانيّة نسائيّة مرسلة.

الأب بولس خوري

        وُلد في دير القمر، أبرز نذوره الرهبانيّة البسيطة في ٢٦ تمّوز ١٩٠٣، وسيم كاهنًا في ٢ نيسان ١٩٠٥، خدم أوّلاً في صيدا ثمّ في دير القمر. عُيّن مناظرًا في المدرسة البطريركيّة في بيروت سنة ١٩٠٧، ثمّ في المدرسة المخلّصيّة حتّى سنة ١٩١٣، بعدها أُرسل إلى حيفا فكان هناك خادمًا للرعيّة ورئيسًا للمدرسة الأسقفيّة إلى سنة ١٩٢٥، وفي هذه السنة نفسها أُرسل إلى الاسكندريّة لخدمة النفوس والاهتمام بأملاك الرهبانيّة. وقد ساهم مع الآباء المخلّصيّين الخادمين في الاسكندريّة في إرسال مجموعات كبيرة وثمينة من الكتب إلى المكتبة المخلّصيّة في دير المخلّص ومنها مجموعة مجلّة الضياء كاملة. في سنة ١٩٣٤ انتُخب رئيسًا لدير رشميّا وجُدّدت له الرئاسة عليه. وساءت صحّته فعاد إلى الدير يستعدّ لملاقاة ربّه، فسكن في العامر وفي المدرسة وفي دير الراهبات حيث وافته المنية سنة ١٩٥١.

الأب يوسف صابونجي

        هو من صور ومن تلامذة القدّيسة حنّة في القدس، سيم كاهنًا باسم كرسي مدينة صور ثمّ دخل الرهبانيّة بإذن خاصّ من الكرسيّ الرسوليّ فأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٥ آذار ١٩٠٤ وفيها تقلّد رئاسة الإكليريكيّة المخلّصيّة، فعمل على تنظيمها وتنشيط العلوم فيها. انتخب مدبّرًا في مجمع ١٩٠٧ و ١٩١٠ فعمل بكلّ إخلاص ونزاهة في خدمة الرهبانيّة التي وكلت إليه سنة ١٩١٠ دعوى ماء خربة بسري ضدّ أهالي صيدا فذهب إلى الأستانة، ومكث فيها سنة حتّى نال حقوق الرهبانيّة كاملة. وكذلك اصطحبه سنة ١٩٠٨ الأب العامّ جبرائيل نبعة إلى رومة لحضور احتفالات مرور خمسة عشر قرنًا لوفاة القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم، وعمل مع الرئيس العامّ لتعزيز مواقف الرهبانيّة وأخيرًا اصطحب الرئيس العامّ نبعة إلى مجمع عين تراز الطائفيّ سنة ١٩٠٩، وفي هذه الأثناء لم يكفّ عن تحصيل العلوم فنال الملفنة في الفلسفة واللاهوت في رومة. سنة ١٩١٤ ذهب إلى لورد لحضور المؤتمر القربانيّ الدوليّ، فاضطرّ إلى البقاء هناك بسبب الحرب وبسبب ارتباطه في مشكلة دينيّة تخصّ إحدى المتهوسات ودفاعه عنها. بعد الحرب رجع ليكون مدبّرًا سنة ١٩١٩، ثمّ نائبًا عامًّا في أبرشيّة مرجعيون سنة ١٩٢٢، ثمّ انتقل أستاذًا في مدرسة دير المخلّص سنة ١٩٢٨، سنة ١٩٣٢ عُيّن نائبًا عامًّا لأبرشيّة صيدا ومكث فيها إلى أن توفّي سنة ١٩٥٣، كان فيلسوفًا وقد ترجم لطلاّبه الإكليريكيّين كتاب الفلسفة للمؤلّف دي فارج وترجمته محفوظة في مكتبة المخطوطات، وهو قويّ الحجّة وفصيح اللسان.

الأب أثناسيوس جامد

        وُلد جرجس في زحلة في ٢٣ نيسان ١٨٨٣، ولمّا دخل الدير أرسلَته الرهبانيّة إلى مدرسة القدّيسة حنّة الصلاحيّة لتلقّي العلوم اللاهوتيّة، ولمّا رجع من القدس أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٨ نيسان ١٩٠٤ ثمّ سيم كاهنًا في ٢ نيسان سنة ١٩٠٥، وبدأ بممارسة التعليم في المدرسة المخلّصيّة ثمّ في المدرسة الأسقفيّة في صور سنة ١٩٠٧ وفي مدرسة باب المصلّى في الشام ١٩٠٨ وفي المدرسة البطريركيّة فيها سنة ١٩١٠، وفي المدرسة الشرقيّة بزحلة سنة ١٩١١ وفي المدرسة الأسقفيّة في مشغرة سنة ١٩١٢، وفي زحلة سنة ١٩١٣، ثمّ خدم النفوس أيضًا في أبلح سنة ١٩١٧ ثمّ في قبّ الياس سنة ١٩٢٠ والمعاصر ١٩٢١ وزحلة ١٩٢٥ وفي معاصر الشوف مرّة ثانية ١٩٣٠، ولمّا شعر بمرض في قلبه أتى إلى العامر سنة ١٩٣٠ ناحل الجسم، خفيف الظلّ، يتابع الحياة الجمهوريّة قدر استطاعته. كان يحبّ الاهتمام بالطوابع البريديّة وكان لديه مجموعة ضخمة وثمينة جدًّا ازدادت قيمة بعد أن ضُمَّت إليها مجموعة أخرى للأب ميخائيل جمّال. توفّي فجأة في دير المخلّص سنة ١٩٤٧ على إثر نوبة قلبيّة.

الأب باسيليوس رزق الله

        وُلد في معلولا وكان أرثوذكسيًّا ومن أسرة كهنوتيّة معروفة. اعتنق الإيمان الكاثوليكيّ بتحريض الأب استفان صقر وأتى إلى دير المخلّص فنذر نذوره الرهبانيّة الاحتفاليّة في ٩ نيسان ١٩٠٤. وسيم كاهنًا في عاليه عن يد البطريرك كيرلّس الثامن في ٣٠ أيلول ١٩٠٦، قضى سنة معلّمًا في المدرسة البطريركية في بيروت قبل كهنوته وبعده ثمّ خدم في راشيّا الفخّار وقيتولي ومنها انتقل إلى صيدا حيث لازم المطران باسيليوس حجّار. وفي سنة ١٩١٩ ذهب إلى معلولا ولبث فيها إلى سنة ١٩٣٠، وعاد إلى الدير سنة ١٩٣٠ فأُرسل إلى زحلة رئيسًا لمدرسة المطران، وإلى شرقيّ الأردن خادمًا للنفوس. وفي سنة ١٩٣٢ خدم في كفرقطرة حتّى ١٩٣٦ وفيها أحسّ بوطأة المرض فنُقل إلى بيروت حيث توفّي سنة ١٩٣٦ ونُقل إلى دير المخلّص. وله قصائد مناسبات كثيرة وخصوصًا في مديح المطران باسيليوس حجّار.

الأب إيليّا الجاويش

        وُلد في دير القمر ودخل الدير كبيرًا. كان متزوّجًا لكنّه بعد وفاة زوجته اعتنق الحياة الرهبانيّة. أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٠ نيسان ١٩٠٤ ثمّ سيم شمّاسًا إنجيليًّا وانتخب كاتمًا لأسرار الأب العامّ استفانوس صقر مدّة من الزمن ثمّ أُرسل إلى عكّا للتعليم. وفي الناصرة سيم كاهنًا في تشرين الثاني سنة ١٩١١ وخدم النفوس في بلدة كفركنا وصفد العليا في فلسطين. أصابته حمّى التيفوس فتوفّي في صفد بسببها سنة ١٩١٦، كان بارعًا في الكتابة، متضلّعًا في المحاماة، بليغ الكلام وفصيح اللسان.

الأب سمعان نصر

        هو سمعان بن حنّا شبلي نصر وحنّة خرياطي، وُلد في المحتقرة قرب دير المخلّص في ٨ أيلول ١٨٨٦، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٩ حزيران ١٩٠٥ وسيم كاهنًا في ٧ نيسان ١٩٠٧، علّم في المدرسة المخلّصيّة ثمّ خدم النفوس في حيفا. وفي تشرين الأوّل ١٩١١ أُرسل إلى مونتريال كندا لخدمة النفوس، فكان غيورًا على رعيّته، فأجمع الكلّ على محبّته واحترامه. اشترى للطائفة في مدينة مونتريال كنيسة جميلة كانت أجمل الكنائس الملكيّة في المهجر ولكنّها احترقت على يد مجرم أثيم، فلم تهن عزيمة الأب نصر بل سعى فأصلحها حتّى أصبحت أجمل ممّا كانت عليه. يذكر أنّ رئيس أساقفة مونتريال كان يزوره في كلّ أسبوع ويعترف له لِما امتاز به هذا الكاهن من وقار الفضيلة والمحبّة. ولذلك قدّم له أيضًا أحد المحسنين بيتًا جميلاً واسعًا على شاطئ بحيرة في الجبال القريبة إلى مونتريال ليكون مصيفًا للكهنة الخادمين في كنيسة المخلّص كان الأب نصر يبذل لمساعدة أمّه الرهبانيّة المال الوفير، فهو الذي جلب للمدرسة المخلّصيّة الآلات الموسيقيّة وتبرّع لعمل كراسي الخورص في كنيسة المدرسة من خشب الجوز وقام بنفقات بناء جناح الآباء الغربيّ في المدرسة. وقد كتب للرئيس العامّ بهذا الخصوص: "إنّي فضّلت خير المدرسة وازدهارها على صحّتي الضعيفة جدًّا التي وضعتها تحت رحمة المخلّص ووالدته القدّيسة لأنّي كنت مدّخرًا هذا المبلغ حتّى أصرفه على صحّتي هذه السنة في الوطن الحبيب". هذا عدا إسعافات حسنة القداديس التي لم ينقطع سيلها منه، كما تشهد بذلك رسائله الكثيرة المحفوظة في المكتبة المخلّصيّة. سنة ١٩٣٨ عاد إلى الوطن ليستريح من جهاده الطويل وليستشفي من مرض السكّريّ الذي ألمّ به. لكن قبيل اندلاع الحرب العالميّة الثانية عاد إلى مركزه، لكنّ المركب اصطدم في الميناء فنزل بالأب نصر صدمة شديدة فدخل المستشفى للمعالجة ولكن دون جدوى، فتوفّي سنة ١٩٣٩ وكانت وفاته خسارة كبيرة للرهبانيّة وللجالية الملكيّة في كندا. فقد غاب كاهن امتاز بفضيلته وحسن إدارته ومحبّته للرهبانيّة. وقد صدرت بمناسبة يوبيله الكهنوتيّ الفضيّ نشرة خاصّة.

الأب أغابيوس مصري

        وُلد في دمشق، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٣ تموز ١٩٠٥ وسيم كاهنًا في ٢٢ نيسان ١٩٠٧، خدم النفوس أوّلاً في منيارة من أبرشيّة طرابلس صحبة الأب غريغوريوس أبو سمرا ثمّ أُرسل إلى الشام ومنها ذهب سنة ١٩١٩ إلى السنغال ولمّا عاد خدم في عكّا وصفد وفيها أُصيب بالتيفوس فتوفّي ودُفن في حيفا سنة ١٩٢٥.

الأب إكليمنضوس سلمان

        وُلد في الشام وهو شقيق للمطران بولس سلمان مطران شرقيّ الأردن. أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٣ تموز ١٩٠٥ وسيم كاهنًا سنة ١٩٠٧ في ٢٨ نيسان. خدم أوّلاً في الشام كاهنًا للرعيّة ثمّ معلّمًا في مدرسة الآباء اللعازريّين ثمّ في مشغرة وفي شتورا عند السيّدة سلمى بولاد المحسنة الكبيرة. سنة ١٩٢٠ ذهب لخدمة الطائفة الملكيّة في ديترويت فنشط في العمل والغيرة حتّى أسّس رعيّة قانونيّة مع كنيسة وبيت للكاهن. وقد أبدى غيرة ونشاطًا فأحبّه الشعب وتعلّق به. وعلى أثر خلاف بين أبناء الطائفة، بين السوريّين واللبنانيّين في ديترويت، انتقل إلى خدمة رعيّة لوس أنجلوس وعمل فيها كما عمل في ديترويت إذ أرسى أُسس كنيسة قانونيّة. إلاّ أنّ مرض السكريّ أنهك قواه فتوفّي سنة ١٩٥١ وهو لم يبلغ بعد الخامسة والستين من عمره. وقد ترك في وصيّته كلّ ما يملك لأمه الرهبانيّة التي ما نسيها قط إذ أنّه كان يمدّها من وقت إلى آخر بالمساعدات، وهو الذي تبرّع للأب يوسف بهيت بالمال اللازم لحفر عين المقيصبة ومدّها إلى دير السيّدة سنة ١٩٥٢، وقد عرف هذا الأب بالغيرة والنشاط ولطف المعشر.

المطران أفثيميوس يواكيم

        هو ابن جرجي يواكيم من قيتولي، أبرز نذوره البسيطة في ١٦ حزيران ١٩٠١ ثمّ أُرسل إلى رومة سنة ١٩٠٣ وهناك بسبب نباهته واجتهاده حصل على شهادة الملفنة في الفلسفة سنة ١٩٠٨، ونذر نذوره الاحتفاليّة في ٩ تمّوز ١٩٠٥ وحصل خلاف في مدرسة القدّيس أثناسيوس على إثر زيارة رهبانيّة اتّهم الأخ يواكيم بتسبيبها. فترك المدرسة وسكن في الوكالة المخلّصيّة يتابع دروسه اللاهوتيّة، فحصل على شهادة الملفنة أيضًا في اللاهوت. وفي أثناء دراسته تعلّم فنّ التصوير ونجح فيه. ثمّ عادت الأمور إلى مجاريها وأُعيد إليه الاعتبار والاحترام فسيم كاهنًا في مدرسة القدّيس أثناسيوس باحتفال كبير سنة ١٩١٢، ثمّ رجع إلى العامر فأخذ في التعليم واشتهر بدروسه في اللاهوت النظريّ والأدبيّ التي لا تزال محفوظة في المكتبة المخلّصيّة. سنة ١٩١٧ عُيّن كاتمًا لأسرار الرئاسة العامّة ومنها انتقل سنة ١٩١٩ إلى حيفا ليكون وكيل الرهبانيّة فيها وكاتمًا لأسرار المطران غريغوريوس حجّار فأحسن القيام بالمهمّات أحسن قيام. سنة ١٩٢٢ انتُخب رئيسًا للمدرسة المخلّصيّة وفي سنة ١٩٢٥ عُيّن رئيسًا عامًّا. وبعد سنة فقط أي في سنة ١٩٢٦ انتُخب أسقفًا على أبرشيّة زحلة. وبدأ منذئذٍ في البناء الروحيّ والماديّ لهذه الأبرشيّة الواسعة الأطراف. يُذكر عنه أنّه نظّم الأوقاف ودبّر ريعًا ثابتًا يدرّ أموالاً طائلة للأبرشيّة. ثمّ توجّه إلى أميركا لحضور المؤتمر القربانيّ الدوليّ في بونس أيرس وهناك حرّك النخوة الزحليّة فألّب الهمم وجمع أموالاً استطاع بها أن يشيّد مستشفى تلّ شيحا المشهور وبيت العجزة قربه وظلّ إلى آخر حياته يشرف عليهما ويدبّر لهما الإحسان. ثمّ سعى فبنى وأعلى تمثالاً للعذراء مريم في مشارف زحلة يشرف على البقاع كلّه، وكان برهانًا على تقواه وحسن تدبيره وإدارته. ونذكر هنا أنّه قد حصل خلاف بين الطوائف المسيحيّة الكاثوليكيّة على ملكيّة الأرض التي قام عليها تمثال العذراء وعلى المزار والكنيسة التي فيه، لكنّ المطران أفثيميوس وقف وقفة صامدة وبرهَن على أنّ طائفة الروم الكاثوليك هي التي أسّسَت وتبرّعت وأشادت هذا التمثال، ولها الحقّ الأوحد فيه. ثمّ بدأ ببناء مؤسّسة لرعاية الأيتام والمعاقين لكن صدمَته صعوبات جمّة ماليّة بعد أن قامت وارتفعت وبسببها أوقف المطران أفثيميوس هذا المشروع ثمّ أُلغي تمامًا في عهد خلفه المطران يوحنّا بسّول. كان هذا الأسقف حريصًا على المال يوفّره للبناء وكان يعيش بتقشّف فكان راهبًا حقًّا رغم أنّه أسقف. اشتهر ببلاغته وتعمّقه الروحيّ واللاهوتيّ، وكانت رسائله السنويّة آيات في البيان واللغة المنتظمة والروحانيّة العميقة الجذور. كان أيضًا خطيبًا يسحر الألباب وهو الذي كُلّف بتأبين البطريرك مكسيموس الصائغ. اعتزل الأسقفيّة وعاش في آخر أيّامه في زحلة في المستشفى الذي بناه، صابرًا على الألم، مستعدًّا لملاقاة ربّه، ورقد بالربّ في ١٩ أيّار ١٩٧٢، وأُقيم له جنّاز حافل أبّنه فيه البطريرك مكسيموس حكيم مشيدًا بفضيلته وفضله وعمله الخيّر في سبيل الأبرشيّة الزحليّة. وقد شهد البطريرك وكلّ مَن عرفه أنّه كان رجلاً بالغ التقوى واضح الرؤيا، كثير التقشّف، غيورًا على مصلحة النفوس أوّلاً، عاملاً بإخلاص قبل كلّ شيء لبناء ملكوت الله على الأرض.

الأب استفانوس يواكيم

        هو بطرس بن يوسف يواكيم وزهرة نعمة، وُلد في الورديّة قرب كفرحونة في ٤ آب ١٨٨٦ وأتى إلى الدير سنة ١٨٩٩ فاهتمّ به وبتعليمه مدير الدروس آنئذ الأب جبرائيل حجّار. فنجح في علومه ثمّ أبرز نذوره البسيطة سنة ١٩٠٢، وفي سنة ١٩٠٥ أُرسل إلى رومة لإتمام دروسه. ولمّا أراد توديع الرئيس العامّ الأب استفانوس صقر طلب منه أن يكون اسمه منذ ذلك الحين استفانوس. في رومة نال شهادة الدكتوره في الفلسفة والإجازة في اللاهوت. وأبرز نذوره الاحتفاليّة في رومة سنة ١٩٠٦ أمام وكيل الرهبانيّة الأب بشارة غفري. ثمّ عاد إلى الشرق وسيم كاهنًا في ٢٩ حزيران ١٩١٢، ثمّ أرسله الأب العامّ جبرائيل نبعة سنة ١٩١٤ إلى جامعة لوفان بلجيكا لدرس العلوم الزراعيّة لأنّه كان يريد أن يجعل الأب استفانوس قطبًا للأعمال الزراعيّة والهندسيّة في الرهبانيّة. فذهب الأب استفانوس إلى بلجيكا وقضى فيها سنتين، لكن لمّا اندلعت الحرب الكبرى الأولى عاد إلى رومة وسكن في الوكالة وكان يدرّس اللغة العربيّة والحساب في مدرسة للآباء اليسوعيّين. وفي تلك الأثناء اتهمه الألمان بالجاسوسيّة لكنّه خلّص نفسه بأجوبته الزآيّة. بعد انتهاء الحرب رجع إلى لبنان ومكث سنة في الدير عاد بعدها إلى لوفان فنال شهادة مهندس زراعيّ مع أكبر الثناء سنة ١٩٢٠، ثمّ بدأ حياة عمل ونشاط فأصلح أرض مزرعة الورديّة وبنى فيها بيوتًا للشركاء واهتمّ بأغراس الزيتون في العامر وبشجر التوت أقبية الزيت وأقنية مزرعة الداوديّة والزعرورة والمطحنة المجاورة لدير السيّدة، وقد شقّ لها قناة في عمق الجبل. ثمّ اهتمّ بمشروع الدجاج في دير المخلّص ولم يكن معروفًا في لبنان بعد، وبمشروع الخنازير ورتّب قاعات درس فسيحة في المدرسة وبنى الطابقين العلويّين فيها بأسلوب فنيّ جميل. وفي الدير الرئاسيّ بنى الطابق الشرقيّ الكبير ثمّ أشرف على البناء الجديد في دير الراهبات المخلّصيّات. بالاختصار كان مسؤولاً مدّة تزيد عن خمس وعشرين سنة عن كلّ المشاريع الإنشائيّة والزراعيّة في الرهبانيّة، في زحلة وحيفا وبيروت ودير عين الجوزة ودير المزيرعة وغيرها، وتحت إشرافه بُنيت الوكالة المخلّصيّة الجديدة في كلّ من حيفا وبيروت. برهن في خلال أعماله كلّها عن غيرة وقادة وإخلاص رائع وتجرّد سام ودراية وسداد رأي جعلت من الأب يواكيم رجل الثقّة ومحطّ آمال الرهبانيّة. لذلك انتخب أسقفًا فرفض، وانتخب مدبّرًا في مجمع ١٩٢٦ ثمّ عيّنه البطريرك كيرلّس مغبغب الزائر الرسوليّ على الرهبانيّة نائبًا عامًّا فيها بعد انتخاب الأب العامّ أغابيوس نعوم أسقفًا على صور، وكذلك انتخب مدبّرًا في مجمع ١٩٣٤ لمّا توفّي الأب يوسف سابا، وفي مجمع ١٩٤٣، في آخر أيامه تراكمت عليه الأمراض وفقدان البصر بسبب اشتداد مرض السكّريّ عليه، فطلب لمّا ثقلت حالته أن يقتبل سرّ مسحة المرضى في الكنيسة بحضور الرئيس العامّ والرهبان فأعطى خير مثال لمواجهة الموت المحتّم. توفّي في دير المخلّص سنة ١٩٤٧ مأسوفًا على ذكائه الفريد وروحه الرهبانيّ الساميّ الذي تميّز بروح التجرّد والفقر والطفولة المقدّسة وغيرته في سبيل الرهبانيّة وازدهارها ونجاحها. دُفن خارج الدير بسبب قرار يقضي بإصلاح الكمنتير، لكنّه نُقل إلى الدير سنة ١٩٤٩ قبل إصلاح الكمنتير كما هو الآن.

الأب غريغوريوس غفلة

        وُلد سليم حبيب غفلة في ٢٥ كانون الثاني ١٨٨٥ في دير القمر ثمّ دخل الدير وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢ كانون الثاني ١٩٠٦ ودُعي غريغوريوس ثمّ سيم كاهنًا في ٧ نيسان ١٩٠٧، خدم في أوائل حياته الكهنوتيّة في دير القمر بلدته وجوارها، ثمّ انتقل إلى زحلة وإلى وعلّقة زحلة وإلى مشغرة وإلى الشام في رعيّة القورشي، وإلى كفرحونة حيث بقي طيلة الحرب الكبرى الأولى. بعد الاحتلال أُرسل إلى أبرشيّة عكّا فخدم في حيفا. ثمّ في سنة ١٩٣٠ نُقل إلى القاهرة كوكيل للرهبانيّة وخادم للنفوس في شبرا، إلاّ أنّ مناخ مصر لم يوافقه فعاد إلى الدير سنة ١٩٤١ فخدم النفوس في صيدا وفي حيفا في كنيسة القدّيس غريغوريوس في حيّ الجمال. وفي حيفا أصابه سنة ١٩٤٤ فالج نصفيّ فجيء به إلى الدير للراحة والمعالجة، وكانت تهتمّ به أخته الراهبة كاترينا وابنة شقيقته الأخت إيريني عسّاف. توفّي سنة ١٩٤٨ في دير المخلّص وعُرف بأخلاقه الرضيّة الدمثة ومعشره اللطيف الجذّاب وقد امتزجت هذه الصفات الإنسانيّة بحياة كهنوتيّة ورهبانيّة ملؤها الاعتدال والاتّزان.

الأب فيليمون الشامي

        هو عزيز ابن خليل الشامي، وُلد في بيروت في ٢٥ شباط ١٨٨٥، إنّما أصل عائلته من دير القمر التي نزح منها أهله بعد حوادث سنة الستين. دخل الدير وأبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢ كانون الثاني ١٩٠٦ وسيم كاهنًا في ٧ نيسان ١٩٠٧، خدم النفوس في عكّا وشفاعمرو وحيفا، وأثناء الحرب الكبرى الأولى سكن في بيروت وسنة ١٩٢٠ سافر إلى المكسيك لزيارة ذويه وخصوصًا أخيه نجيب الذي احتلّ مركزا مرموقًا في الجالية اللبنانيّة. وألحّ عليه أبناء الطائفة للروم الكاثوليك ليرعى شؤونهم فلبث في مكسيكو خادمًا للرعيّة فأصلح شؤونها ودبّر أمورها وحصل على كنيسة جميلة للطائفة وعلى بيت للكاهن. فأحبّته الرعيّة والجالية لغيرته وتقواه ومحبّته. وقد قام يهذه الخدم رغم أمراضه، فقد عانى هذا الأب كثيرًا في صحته، وقد أُجريت له عمليّة الزائدة وعمليّة المرارة ثمّ انكسرت رجله وأصبح أعرج وأصابه تصلّب في شرايين القلب، فتعذّب من هذه الآلام كثيرًا. أثناء اضطهاد الحكومة الشيوعيّة للكنيسة الكاثوليّكيّة إبّان الثورة في المكسيك، ظلّ الأب شامي يخدم النفوس سرًّا ويشجّع الشعب على الصمود والثبات في المبادئ المسيحيّة مدّة خمس سنوات. وفي آخر أيامه، لمّا أحسّ بالشيخوخة وبوطأة الأمراض طلب مساعدًا له فأرسل الأب بولس سويد للقيام بهذه المهمّة. لكنّه وصل إلى المكسيك بعد وفاة الأب شامي بقليل سنة ١٩٥٣.

الأب يواكيم قرداحي

        هو جرجس بن يوسف نقولا قرداحي، وُلد في جزين في ٩ آذار ١٨٨٥، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٦ كانون الثاني ١٩٠٦ وسيم كاهنًا في ٧ نيسان ١٩٠٧، منذ مبادئ حياته الكهنوتيّة انصرف إلى التعليم فكان أستاذًا في المدرسة البطريركية في الشام مدّة سنتين وفي المدرسة المخلّصيّة سنة ١٩٠٩ ثمّ في مدرسة عكّا سنة ١٩١١، ثمّ خدم النفوس مدّة في صفد. سنة ١٩٢٢ تسلّم إدارة مدرسة حيفا الأسقفيّة فنالت عن يده نجاحًا منقطع النظير واشتهرت في فلسطين واشتهر هو معها لمقدرته في التهذيب والتربية، ونال تقديرًا كبيرا من الحكومة البريطانيّة المنتدبة. وهذا الجهاد في التعليم والإدارة أنهك قواه وضاعف آلام معدته الذي رافقه منذ مبادئ حياته الكهنوتيّة. ولم يشأ أن يسمع نصيحة مَن أشار عليه بالخلود إلى الراحة لفترة من الزمن. ولمّا توفّي المطران غريغوريوس حجّار تفجّع عليه كثيرًا حتّى مات بعد وفاة المطران المذكور بست وعشرين يومًا أيّ سنة ١٩٤٠، وقد أسف عليه الجميع لغيرته المتّقدة وأخلاقه الرهبانيّة العالية.

الأب بطرس زينيّة

        وُلد جرجس في دمشق، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٦ كانون الثاني ١٩٠٦ ثمّ سيم كاهنًا في ١٤ نيسان ١٩٠٧، أُرسل بعد سيامته مصلّيًا في كاتدرائيّة الشام لأنّه كان رخيم الصوت. ثمّ عُيّن فيها وكيلاً للرهبانيّة. ونظرًا لحسن إدارته ولطف معشره عيّنه البطاركة ديمتريوس قاضي وكيرلس مغبغب وكيلاً على أوقاف البطريركية في الشام. سنة ١٩٣١ انتقل إلى مصر الجديدة ثمّ إلى زحلة وكيلاً للمطران ثمّ مديرًا للمدرسة البطريركيّة في بيروت وفيها توفّي بميتة صالحة سنة ١٩٣٤ ونُقل إلى دير المخلّص.

الأب فيليبّوس صايغ

        هو الياس بن خليل صايغ من بيروت، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٦ كانون الثاني ١٩٠٦ وسيم كاهنًا في ١٤ نيسان ١٩٠٧، خدم في أبرشيّة عكّا، في ترشيحا وعكّا نفسها ثمّ انتقل إلى الشام ومعرونة (قرب الشام) وزحلة وصور وبيروت في المدرسة البطريركية. وذهب إلى أميركا سنة ١٩٢٢ بسبب تدخّل الزيارة الرسوليّة التي كان رئيسها المطران مكسيموس صايغ. وهذا سبّب نفورًا بين الأب صايغ وبين أمه الرهبانيّة، ولذلك بقي بعيدًا عنها وعن شؤونها إلاّ أنّه في آخر حياته أرسل بعض المساعدات للرهبانيّة وأصلح أحواله معها. توفّي سنة ١٩٤٧.

الأب يوسف جحا

        وُلد خليل في زحلة، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٦ كانون الثاني ١٩٠٦ وسيم كاهنًا في ١٤ نيسان ١٩٠٧، عُيّن معلّمًا في المدرسة وخادمًا للنفوس في الفرزل ثمّ في مشغرة، ثمّ في قب الياس. خدم الرعيّة أيضًا في كفرملكي ومنها هرب عندما هجم الدروز عليها إلى قب الياس ولبث فيها كاهنًا للرعيّة ومعلّمًا في المدرسة. سنة ١٩٣١ أُرسل إلى الإسكندريّة كاهنًا للرعيّة ووكيلاً للرهبانيّة. توفّي فجأة في الإسكندريّة وهو لا يزال في مقتبل العمر سنة ١٩٣٩، له فضل كبير في إرسال مع سائر أخوته المخلّصيّين الخادمين في مصر كتبًا كثيرة قيّمة أغنت المكتبة المخلّصيّة. كان هذا الأب تقيًّا، رزينًا، لطيفًا، غيورًا على مصالح الرهبانيّة، يكرّمه ويحترمه الجميع. كتب البطريرك كيرلّس مغبغب عنه لدى سماعه خبر وفاته: "خسرنا كاهنًا من أفضل الكهنة وأشهرهم غيرة على خلاص النفوس. كان قدوة الرعاة الصالحين والرهبان الفاضلين".

الأب جبرائيل جابر

        هو مسعود بن جرجس جابر، وُلد في مزرعة بجعة قرب صغبين، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٦ كانون الثاني ١٩٠٦ ثمّ سيم كاهنًا سنة ١٩٠٧، خدم النفوس أوّلاً في أبرشيّة بانياس ثمّ انتقل إلى أبرشيّة صور فنراه في قانا وديردغيا، ثمّ انتقل إلى زحلة كاهن رعيّة ومديرًا للمدرسة في كنيسة الرهبانيّة. سنة ١٩٢٠ عاد إلى الدير فوُكّل إليه الاهتمام ببيت المؤونة، ثمّ عاد يخدم النفوس في أبرشيّتي زحلة وصيدا، أُرسل إلى الزبداني (سورية) سنة ١٩٢٩ كاهنًا للرعيّة ومنها انتقل إلى معرة الشام وعمل ليعلّق جرسًا للكنيسة رغم معارضة شديدة من قبل الأرثوذكس، ثمّ انتقل إلى داريّا قرب الشام وهناك سعى لبناء كنيسة وسط صعوبات جمّة من الإسلام والأرثوذكس. ابتلي بمرض القلب سنة ١٩٣٩ فعاد إلى الدير يحتمل أوجاعه بصبر إلى أن أصابه انفجار دماغيّ بسبب الضغط فرقد بالربّ سنة ١٩٤٢.

الأب نقولا فوّاز

        هو نقولا بن حبيب فواز، وُلد في جون، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٥ آب سنة ١٩٠٦ ثمّ سيم كاهنًا في ١٤ نيسان ١٩٠٧، أُرسل بعد سيامته إلى أبرشيّة عكّا فخدم على التوالي في ترشيحا والرينه وعكّا وعسفية. سنة ١٩١٩ عيّنه المطران مكسيموس صائغ وكيلاً على أوقاف أبرشيّة صور. ثمّ أتى إلى العامر فعُيّن مسؤولاً عن بيت المؤونة. أخيرًا ذهب إلى معليا وهناك توفّي بداء ذات الرئة سنة ١٩٣٢ ولا يزال قبره في معليا.

الأب ألكسيوس شتوي

        هو جرجي بن الخوري سليمان شتوي. وُلد في برتي، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٥ آب ١٩٠٦ وسيم كاهنًا في ١٠ آذار ١٩٠٧، كان محبًّا للخدم الطقسيّة وبارعًا في الترنيم الكنسيّ وضليعًا في اللغة اليونانيّة. بقي في المدرسة المخلّصيّة سنين طويلة يعلّم اللغة اليونانيّة والبصلتيكا، فأنشأ جيلاً من الآباء الممتازين بتضلّعهم باللغة اليونانيّة وإتقانهم للترنيم الكنسيّ. زار القدس لهذا الغرض. وله بعض مؤلّفات تظهر ما كتب عنه، ومنها كتاب القدّاس الإلهيّ باللغة العربيّة واليونانيّة سنة ١٩١٤ حضر المجمع القربانيّ الدوليّ في لورد مع الأب يوسف الصابونجيّ، ثمّ رجع إلى المدرسة، وبعد ثلاث سنوات عُيّن كاهنًا للرعيّة في صيدا ثمّ رئيسًا للمدرسة الأسقفيّة ثمّ نائبًا عامًّا للمطران أثناسيوس خرياطيّ وبقي في هذه الوظيفة ثلاث عشرة سنة انتخب خلالها سنة ١٩١٩ مدبّرًا. انتقل سنة ١٩٣٠ وكيلاً للرهبانيّة في بيروت، ثمّ نائبًا عامًّا في صور سنة ١٩٣٤، ثمّ كاهنًا في طنطا ثمّ في شبرا واستمرّ هناك إلى سنة ١٩٤٨ التي فيها عاد إلى لبنان للراحة بعد أن أصابه مرض في عينيه فضعف بصره. بقي في آخر حياته صابرًا على آلامه وفقدان بصره متنقّلاً بين بلدته برتي وصيدا والعامر إلى أن توفّي في صيدا سنة ١٩٥٧ فنُقل إلى الدير وأُقيم له مأتم حافل. هذا الكاهن ترجم عن اليونانيّة مواعظ الميلاد للقدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم. وبدأ بنشر مكتبة القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم إنّما لم تكتمل بالأسف. وهذه كلّها كتب مطبوعة.

الأب باسيليوس هبر

        وُلد في ١ أيلول ١٨٨١ في بسرّين وأبرز نذوره الرهبانيّة البسيطة في ١٧ أيلول ١٨٩٨ والاحتفاليّة سنة ١٩٠٨ ثمّ أُرسل إلى مدرسة الصلاحيّة ليدرس العلوم الفلسفيّة واللاهوتيّة فيها. وبعد سيامته الكهنوتيّة في ١٥ آب ١٩٠٨ عُيّن ناظرًا في الإكليريكيّة المخلّصيّة ثمّ مساعدًا لرئيس دير رشميّا، وبعد مجمع ١٩١٠ أُرسل إلى أبرشيّة عكّا فخدم النفوس في شفاعمرو ثمّ عاد إلى بسرّين للخدمة. ثمّ خدم في يارون من سنة 1942 حتّى 1945 ثمّ عاد إلى بسرّين ١٩٤٥-1946 ولمّا مرض سكن في رشميّا، ثمّ انتقل سنة ١٩٤٨ إلى دير المخلّص ولازم سريره صابرًا على أوجاعه. وكان هادئ الخاطر يخاف أن يثقّل على أحد. وامتاز بروحه الطيّبة وقلبه الطاهر ورقد بالربّ سنة ١٩٥٣ في دير المخلّص.

الأب يوسف الزهّار

        وُلد في صيدا في ١٠ آب ١٨٨٣، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٥ تموز ١٩٠٣ ثمّ أُرسل إلى مدرسة القدّيسة حنّة في القدس الشريف وهناك سيم كاهنًا في ٤ تشرين أوّل ١٩٠٨ وأخذ يمارس التعليم فكان أستاذًا ومديرًا في المدرسة المخلّصيّة ثمّ في مدرسة معلقة زحلة سنة ١٩١١ ثمّ في مدرستي عكّا وحيفا الأسقفيّتين سنة ١٩١٢، مكث طيلة الحرب الكبرى الأولى في العامر يساعد في الخدم المختلفة. سنة ١٩١٩ عُيّن رئيسًا للمدرسة الأسقفيّة في مرجعيون وفي سنة ١٩٢١ رئيسًا للمدرسة الأسقفيّة في صيدا، وفي سنة ١٩٢٤ أُرسل معلّمًا إلى مدرسة الصلاحيّة في القدس وعاد بعد ثلاث سنوات إلى رئاسة مدرسة صور الأسقفيّة وأخيرًا انتقل مديرًا للدروس في المدرسة البطريركيّة في بيروت. كان هذا الأب غيورًا على التلامذة ساهرًا في التدريس والتعليم صارمًا حازمًا. سنة ١٩٣٢ ذهب إلى رعيّة حوش حالا وبقي فيها ثماني عشرة سنة يخدمها بنشاط ويخدم الشعب بسبب علاقته الطيّبة مع الجيش الفرنسيّ المرابط في مطار وثكنات رياق. رجع إلى العامر سنة ١٩٥١ بسبب الشيخوخة وعلى أثر ارتخاء في يده اليمنى، وعكف على الاستعداد لملاقاة ربّه بالقيام بالخدم الديريّة وسماع الاعترافات وإتباع النظام الجمهوريّ. ولمّا عجز نُقل إلى دير يسوع الملك حيث توفّي سنة ١٩٥٨.

الأب مخائيل أبو عرّاج

         ولد في مشغرة وترعرع فيها. ثمّ دخل في سلك الرهبانيّة المخلصيّة وقطع المراحل فيها، فابتدأ في 25 كانون الأوّل سنة 1900، وفي 29 تمّوز سنة 1903 نذر نذوره البسيطة، وفي 8 حزيران سنة 1908 نذر نذوره الاحتفاليّة في الناصرة ودُعي مخائيل. وبدأ رسالة الخدمة قبل أن ينال الدرجات الكهنوتيّة، فعلّم في الإكليريكيّة المخلّصيّة، ثمّ في دير الابتداء ثمّ في رشميّا، وأخيرًا في ميتم الفرزل. سيم شمّاسًا إنجيليًّا في مرجعيون في 2 حزيران سنة 1913 وكاهنًا في 29 حزيران من السنة نفسها. وبعد هذا التاريخ بدأ مرحلة الخدمة للرهبانيّة، قضى أكثرها في العمل في أملاك الرهبانيّة والأديار. فنراه أوّلاً أستاذًا في مدرسة الألمان في مرجعيون، ثمّ في عين قنية بانياس، ثمّ خادمًا للنفوس في بانياس. وعاد إلى دير رشميا ومنه انتقل إلى أبرشيّة عكا حيث تنقّل في رعايا مختلفة ومكث مدّة طويلة في الناصرة، حيث كان خادمًا للنفوس ووكيلاً لأملاك الرهبانيّة وأرزاقها فيها. ولمّا عاد إلى الدير عُيّن رئيسًا لدير عميّق، ثمّ لدير رشميا. وفي سنة 1959 تجدّدت له رئاسة دير رشميّا ثمّ رئاسة دير الملاك مخائيل في عميّق، وبقي فيه ست سنوات، وانتقل منه إلى دير رشميّا حيث بقي عشر سنوات، إذ تجدّدت له الرئاسة أكثر من مرّة. ثمّ بعد وفاة الأب استفانوس الياس رئيس دير رشميّا في أيّار سنة 1972 عُيّن هو رئيسًا له، إلى أن أُعفي من الرئاسة. لكنّه بقي في رشميّا يسهر على الأملاك وينصح الرؤساء الذين تعاقبوا بعده الآباء: باسيليوس سمعان، وحنّا داغر، ونقولا صايغ. بعد رئاسة هؤلاء الآباء عُيّن من جديد رئيسًا على دير رشميا سنة 1978، وأيضًا في سنة 1983. وعندما هُجِّر المسيحيّون من منطقة الجبل إلى دير القمر في أيلول سنة 1983 وحُوصروا فيها، هُجِّر هو معهم إليها ومكث في "أنطش" مار الياس يعاني العذاب والجوع والضيق، إنّما نعم بمحبّة وعطف النائب الأسقفيّ في دير القمر الأب بولس نصوّرة المخلّصيّ.

وأخيرًا انتقل سنة 1984 إلى دار العناية، وفيها عاش حياة امتازت بالصلاح والبساطة وهدوء الرجل الذي أتمّ سعيه بنجاح وبسلام. وكشفت ذكريات هذا الراهب الأخيرة عن حياة عاشها الأب أبو عرّاج بتقوى، يعمل بصمت وباستمرار، وبإخلاص، في الأرض التي يحبّها ويحبّ الرهبانيّة التي وكلت إليه أمر الاعتناء بها. والأيام التي قضاها في دار العناية كانت أيّامًا جميلة، سعد بها كثيرون لسماعهم من هذا الشيخ الجليل أحاديث تخبر عن السلف الصالح، ولرؤيتهم مثالاً رهبانيًّا يحبّ الصلاة، ويعمل لأجل محبّة الإخوة، ويمثّل الرعيل المخلّصيّ الأصيل الذي تخرّج من مدرسة البطريرك إكلمنضوس بحّوث وبشارة أبي مراد وسائر الآباء الصالحين. ولذلك أصبحت غرفته محجّةً لكثيرين وفدوا إليها ليروا راهبًا كان دأبه السهر على الأرزاق، والاهتمام بها قصد أن تكون لخدمة الإنسان. وفي 31 حزيران 1984 انتقل إلى رحمته تعالى وقد جاوز عمره المئة سنة وظلّ حتّى آخر ساعة منها، واعيًا، مصلّيًا، محبًّا للإخوة وللرهبنة. ونُقل إلى دير المخلّص ودُفن في الكمنتير مع إخوته الرهبان المخلّصييّن الذين عملوا مثله في خدمة الرهبانيّة وفي خدمة أملاكها وأرزاقها خدمة ممتازة.

الأب بولس خرياطي

        هو فريد ابن نجيب الخرياطي، وُلد في جون في ٧ آذار ١٩٠٧، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١ كانون الأوّل ١٩٣٠ وسيم كاهنًا في ٢٦ تمّوز ١٩٣١، عُيّن استاذًا في المدرسة ووكيلاً لأمورها الماديّة. سنة ١٩٣٦ نُقل إلى المدرسة البطريركية في بيروت كوكيل لها. سنة ١٩٣٧ رجع إلى العامر وعُيّن وكيلاً فيه، فقام بهذه المهمّة بنشاط وحسن تدبير، نُقل سنة ١٩٤٨ كوكيل للرهبانيّة في حيفا، لكنّه ما عتم أن هرب مع الذين هربوا من فلسطين في النكبة الكبرى. وقضى بعد ذلك مدّة من الزمن يعمل في خدمة المطران فيليبّوس نبعة نسيبه، مطران بيروت، فعيّنه رئيسًا لدير مار سمعان مقرّ المطران الصيفيّ، فأحسن الخدمة والإدارة واهتمّ بالأراضي وزيّن الدير. مرض بعد هذا فأتى وسكن في جون، وأخذ يتنقّل من مكان إلى آخر حتّى داهمه الموت لمّا كان عائدًا من زحلة يوم مقتل كمال جنبلاط في ١٦ آذار ١٩٧٦، فذُبح وشُنّع بجثّته على مفرق المختارة ومزرعة الشوف. نُقل إلى جون بعد ثلاثة أيّام وأُقيم له ولسائق سيّارته شفيق شموني ولماري قيماز زوجة نجيب قسطنطين، جنّاز جازع في جون، وبعده نُقل جثمان الأب بولس خرياطي إلى كمنتير دير المخلّص، حسب وصيّته، وقد ساهم هو في تشييده، وانضمّ هكذا إلى الآباء المخلّصيّين الذين كان يحبّهم ويحبّ الرهبانيّة التي كانت أمّه ردحًا طويلاً من الزمن والتي كان دومًا يشيد بفضلها وبفضل رجالاتها عليه وعلى الطائفة بمآثرها الكثيرة.

الأب بطرس فاخوري

        وُلد في صيدا سنة ١٨٨٦ وبعد نذوره الرهبانيّة البسيطة في ٢٣ نيسان ١٩٠٤ أُرسل إلى رومة ليدرس العلوم الفلسفيّة واللاهوتيّة، لكنّ صحّته حالت دون متابعة دروسه، فعاد إلى الشرق وأبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٤ حزيران ١٩٠٨ وسيم كاهنًا في ٦ كانون الأوّل ١٩٠٩، ونراه بعد رسامته الكهنوتيّة في المدرسة المخلّصيّة معلّمًا وفي معاصر الشوف كاهنًا للرعيّة محبوبًا وفاضلاً. ورأت فيه الرهبانيّة ابنًا بارًّا لها فسلّمَته وظائف مختلفة أحسن القيام بها لسلاسة طبعه وتجرّده. وكان وكيلاً في بيروت في مجمعَي ١٩٢٢ و ١٩٢٥ فجدّد البناية الشرقيّة وزاد الدخل حتّى بلغ ١٨٠٠ ليرة ذهبيّة كلّ سنة، وكذلك عمل في شبرا. وفي كلّ ظروف حياته لم ينسَ أمّه الرهبانيّة فكان يساعدها في الضيقات الملمّة بها وفي كلّ ظرف، كما عمل حين وسّع البناء في المدرسة المخلّصيّة وأُنير الدير بالكهرباء فتبرّع بمال وفير. سنة ١٩٣٤ عُيّن مدبّرًا أوّلاً ونائبًا عامًّا فقام بهذه الوظيفة مع رئاسة الدير مدّة من الزمن ومع وكالة الرهبانيّة في بيروت. وفي عهد رئاسته على دير المخلّص بُني الطابق الثالث الشرقيّ وكان يضمّ ٢٤ غرفة مع ملحقاتها. سنة ١٩٤٣ انتقل إلى أبرشيّة حيفا نائبًا عامًّا ووكيلاً للرهبانيّة ورئيسًا للرهبان عن طلب ملحّ من المطران جاورجيوس حكيم الذي كان يجلّه ويحبّه، ولبث في هذه الوظائف أحدى وعشرين سنة. فلمّا احتلّ اليهود فلسطين صمد في الجهاد وفي المعركة ودافع دفاع الأبطال عن أوقاف الطائفة والرهبانيّة فحُفظت كلّها من الاعتداء والاحتلال بمسعاه وبفضله فقط. توفّي في حيفا سنة ١٩٦٤ واستُقبل جثمانه في الناقورة باحتفال ثمّ نُقل إلى دير المخلّص حيث أُقيم له مأتم حافل. امتاز هذا الأب بمحبّته المخلصة للرهبانيّة وسياسته اللطيفة وصوته الرخيم، كان محدّثـًا لبقًا يستهوي السامعين بأسلوبه الروائيّ المميّز.

الأب أثناسيوس قسّيس

        هو شكري بن جرجس متّى القسّيس، وُلد في زحلة في ١٤ تموز ١٨٨٧، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٤ حزيران ١٩٠٨ وسيم كاهنًا في ٦ كانون الثاني ١٩١١، وبدأ حياة الخدمة فكان معلّمًا في مدرسة جديدة مرجعيون الأسقفيّة ثمّ كان للرعيّة فيها حتّى سنة ١٩٢٣، واشتهر هناك بغيرته إبّان الحرب الكبرى الأولى لخدمته المرضى والمصابين بالهواء الأصفر ولصموده في المدينة لمّا تركها الجميع فحمى الكنيسة والمطرانيّة من النهب والسلب. سنة ١٩٢٣ انتقل إلى رعيّة مار الياس المخلّصيّة في زحلة، وبعد بضع سنوات عاد إلى مرجعيون سنة ١٩٢٧ لكثرة إلحاح المطران إكليمنضوس معلوف أسقف بانياس والأهالي لإرجاعه إلى الخدمة. انتقل سنة ١٩٣٦ إلى حيفا ولبث فيها إلى سنة ١٩٤٦، أخيرًا استقرّ في صور خادمًا للرعيّة فاشتهر بغيرته وخدمته وتفانيه في سبيل المرضى والفقراء. سنة ١٩٦٥ غادر صور وعاد إلى العامر مرغمًا ليقضي باقي العمر فظلّ فيه خفيف الظلّ، عذب المعشر، فاضلاً، محبوبًا من الجميع إلى أن رقد بالربّ في دير المخلّص سنة ١٩٦٦.

الأب إكليمنضوس حجّار

        هو داود ابن يوسف أبو شقرة الحجّار، وُلد في الكفور قرب النبطيّة، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٧ كانون الثاني ١٩٠٧ ودُعي إكليمنضوس، ثمّ سيم كاهنًا في ١٤ نيسان ١٩٠٧، خدم النفوس في أمكان مختلفة: دير القمر، حيفا، صور، زحلة، الشام، جديدة مرجعيون، صيدا، قيتولي ومغدوشة في آخر المطاف. وفي كلّ هذه المراكز كان مرنّمًا في الكنائس أو رئيس المدارس أو معلّمًا فيها. وفي أكثر الأحيان كان كاهنًا للرعيّة. امتاز بعذوبة صوته. عاد في آخر حياته إلى الدير وسكن دار البكتي حيث كانت تخدمه أخته إلى أن توفّي في مثل هذا اليوم سنة ١٩٤٧.

الأب بطرس أبو زيد

        هو يوسف بن الياس أبو زيد ورنجس يارد، وُلد في زحلة، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٧ كانون الثاني ١٩٠٧ وسيم كاهنًا في ١٤ نيسان ١٩٠٧، عُيّن أوّلاً أستاذًا في مدرسة مرجعيون الأسقفيّة ثمّ كاهنًا للرعيّة في غريفة. ثم سكن الدير لفترة من الزمن عكف فيها على التأليف فترجم كتاب العفاف وقوانين شركة الميتة الصالحة وألّف كتاب "مرشد الوعاظ" وهو كتاب ثمين لا يستغنى عنه في الرجوع إلى آيات الكتاب المقدّس وفي الوعظ والإرشاد. سنة ١٩٢٠ أُرسل إلى أميركا خادمًا لرعيّة لورانس ماس، وبعد ثماني سنوات انتقل إلى بوسطن ماس وقد سبّب هذا الانتقال شغبًا وانقسامًا في الطائفة ونزاعًا بين الكهنة الشرقيّين والأساقفة اللاتين. ثمّ عاد إلى لورنس حيث بنى كنيسة فخمة باسم القدّيس يوسف وعمل بنشاط في سبيل رعيّته والرعايا المجاورة حيث الروم الملكيّون منتشرون، ومنها رعيّة منشستر، وهذا كان بدء تأسيس رعيّة في تلك المدينة بمسعى الأب لوسيان معلوف. وكان بارًّا لأمه الرهبانيّة، فقد ساهم في إنشاء المطبعة المخلّصيّة القديمة وفي تكاليف مشروع الكهرباء في الدير وفي شراء دير مار باسيليوس في ميثون. ولا ينسى التاريخ كيف حضن هذا الأب ورفيقه الأب أفثيميوس سابا مشروع ميثون في مبادئه. زار الوطن سنة ١٩٥٤ فأنعمت عليه الحكومة اللبنانيّة بوسام الاستحقاق اللبنانيّ. توفّي سنة ١٩٦٠ على أثر حادث سيارة وكان ما تركه من مال بعد وفاته الخميرة التي صلحت لقيام وظهور مؤسّسة المخلّص الاجتماعيّة أيّ دار العناية في الصالحيّة.

الأب جبرائيل بيطار

        هو جبران بن جرجي بيطار وماري قاضي، وهو الابن البكر للرجل المشهور في دمشق كخادم للفقراء أخوة يسوع المسيح. ربي جبران في بيت تقوى وعزّ ثمّ دخل الدير لصداقة والده مع الرهبان المخلّصيّين. أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٦ تشرين الثاني ١٩٠٨ وسيم كاهنًا في ٦ كانون الأوّل ١٩٠٩، أُرسل معلّمًا في المدرسة البطريركيّة في دمشق ثمّ انتخب وكيلاً للرهبانيّة فيها ثمّ رئيسًا على دير مار سركيس فجلب له ماء عين بوقات بمساعدة ماليّة من الأب يوحنّا أبي حديد سلفه في رئاسة الدير المذكور، وهي مئتين وخمسين ليرة فرنسيّة ذهبًا. ثمّ انتخب وكيلاً عامًّا ومدبّرًا في مجمع ١٩٢٢ وقد حصّل بجرأته وسياسته تعويضات مزرعة الورديّة للرهبانيّة وربح دعوى مزرعة بجعة في البقاع قرب دير عين الجوزة وجلب مياه عين الباردة بقساطل ضخمة إلى بستان الدير في بسري. انتخب سنة ١٩٢٢ رئيسًا رهبانيًّا في دمشق، ثمّ عيّنه قريبه البطريرك ديمتريوس قاضي وكيلاً على أملاك البطريركيّة في عبرا، فحرّرها من العبوديّات وربح دعوى ضدّ شركاء عبرا وسجّل الأملاك كلّها باسم بطريركيّة الروم الكاثوليك. في سنة ١٩٢٦ انتقل إلى صور نائبًا عامًّا وبقي هناك إلى أن انتخب وكيلاً عامًّا سنة ١٩٣٠، ثمّ عُهد إليه الاهتمام بالمطبعة الجديدة المخلّصيّة فاعتنى بها وجهّزها وعمل كثيرًا حتّى أصبحت مطبعة حديثة وهو الذي شجّع لطبع الرسالة المخلّصيّة وشجّع الأب بطرس حدّاد رئيس المدرسة لطبع مجلة النحلة وعفاه من رسوم كثيرة. أثناء الحرب العالميّة الثانية كابد أتعابًا جمّة في أسفار مضنية إلى الجزيرة في شمالي سورية وحوران وجبل الدروز ليؤمّن القمح لدير المخلّص. عُيّن كاهنًا للرعيّة في الزبداني لمدّة قصيرة ثمّ نُقل كمرشد للراهبات الألمانيّات في دير عيناب قرب عاليه، وفيه توفّي فجأة سنة ١٩٥٢ ونُقل جثمانه إلى دير المخلّص. كان سياسيًّا محنّكًا وإداريًّا ماهرًا لطيف المعشر كريم اليد، جريئًا في الحقّ، شديد الإخلاص لأُمّه الرهبانيّة.

الأب باسيليوس قسّيس

        هو شكري ابن أسعد القسّيس وعدلا عسّاف. وُلد في معليا (فلسطين). أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢١ تشرين الثاني ١٩٠٨ وسيم شماسًا سنة ١٩٠٩ وأُرسل إلى الخدمة في صور كمعلّم في المدرسة الأسقفيّة، وهناك سيم كاهنًا في السنة التالية في ١ كانون الثاني. ثمّ بدأ خدمة أبرشيّة عكّا فكان أوّلاً معلّمًا في مدرسة البصة ثمّ كاهنًا للرعيّة ورئيسًا للطائفة سنة ١٩١١، ومنذئذ أصبح الساعد الأيمن للمطران غريغوريوس حجار والعامل النشيط في سبيل خير الطائفة. انتخب مدبّرًا في مجمع سنة ١٩١٧ وفي مجمع ١٩٢٢ إنّما استمرّ رئيسًا للطائفة في حيفا ووكيلاً للرهبانيّة فيها. ويُذكر عنه أنّه قدّم في هذه الحقبة أيقونات جميلة لكنيسة دير المخلّص ودير عين الجوزة ودير المزيرعة، وهي من تصوير الراهب سبيريدون المقدسي، وكذلك طبع كتبًا طقسيّة منها صلاة البراكليسي وبعض كتب للأخويّات المختلفة. كما يذكر من خدماته الجلّى في سبيل الطائفة تأسيس جمعيّة الإخاء في حيفا، وفض الخلاف على المقبرة الغربيّة والصلح العشائريّ بين أهالي ترشيحا ومعليا. وبعد وفاة المطران غريغوريوس حجار دافع عن حقوق الرهبانيّة التي استمرّت منذ تأسيس الأبرشيّة العكّاوية تعطي كهنة للخدمة وأساقفة لم تنقطع سلسلتهم أبدًا ومنهم الأساقفة إكليمنضوس بحّوث وغريغوريوس يوسف وغريغوريوس حجار العظام. وفي مجمع ١٩٤٣ انتخب مدبّرًا ثانيًا وعُيّن بالوقت نفسه وكيلاً للرهبانيّة في صيدا، وأثناء وكالته في صيدا تفجّرت المياه في بستان الرهبانيّة في صيدا المدعو "بستان اليهوديّ"، وكانت البئر نعمة للبستان ولمدينة صيدا أيضًا. وكان ذلك بسعي واهتمام الأب بولس غطاس وأيضًا في أثناء وكالته بني بيت في البستان. سنة ١٩٤٩ انتخب نائبًا عامًّا لأبرشيّة صور فقام بهذه الخدمة كعادته في كلّ الخدم التي مارسها بكلّ لطف وكياسة وسياسة. وفي محنة فلسطين الكبرى ساعد اللاجئين الوافدين إلى جنوب لبنان وإلى صور خصوصًا. سافر إلى الولايات المتحدة سنة ١٩٥٦ لزيارة ذويه وخصوصًا شقيقه بطرس وللمعالجة الصحيّة. واستفاد من هذه الرحلة فجمع ١٥٠٠ دولار لبناء قاعة استقبال كبرى في دار المريسيّة في دير المخلّص. لكنّ زلزال سنة ١٩٥٦ أوقف هذا المشروع. توفّي فجأة في صور سنة ١٩٦٢ ونُقل إلى دير المخلّص حيث جرى له مأتم حافل.

الأخ مكسيموس قرقش

        وُلد في مشغرة، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٣ آب ١٩٠٨ وظلّ طيلة حياته راهبًا بسيطًا. ولمّا كان يومًا يعلّق حبل الجرس في قبّة الدير وقع فكسر رجله وكذلك زلّت به القدم بعد زمن يسير في مشغرة فكسر فخذه ولذلك أصبح أعرج. كان قصير القامة، لطيف المعشر، حلو الحديث، خدومًا ومحبوبًا من الجميع. اهتمّ بخدمة الكنيسة وإعداد القهوة للرهبان. كان يشكو من ألم في معدته فاحتمله بصبر. توفّي في دير المخلّص سنة ١٩٤١.

الأخ مرتينوس سابا

        هو إبراهيم سابا، وُلد في دير القمر، بعد نذره البسيط أُصيب بمرض السلّ فأُرسل إلى دير عمّيق ثمّ إلى بيروت للمعالجة ثمّ إلى دير المزيرعة لتغيير الهواء، لكنّ المرض تغلّب عليه، فرقد بالربّ سنة ١٩٠٨ في دير المخلّص.

الأب كيرلّس قروشان

        وُلد في دمشق في ٣٠ تشرين الأوّل ١٨٨٧، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢ شباط ١٩٠٩ وسيم كاهنًا في ٥ كانون الأوّل ١٩٠٩، وبدأ منذئذ حياة الخدمة فكان وكيلاً ورئيسًا للرهبان في زحلة ثمّ خادم الرعيّة في المعلّقة ثمّ أستاذًا ورئيسًا في مدرسة دير القمر ومدرسة صيدا الأسقفيّة. سنة ١٩٢٥ عُيّن نائبًا أسقفيًّا في دير القمر ومشرفًا على المدارس الطائفيّة في الشوف، ثمّ أُرسل إلى مصر. وفي هذه المراكز كلّها كان الأب الرزين والغيور والماهر في ضبط الحسابات. ولمّا رأى البطريرك كيرلّس المغبغب حرصه وغيرته كلّفه بإدارة أملاك البطريركيّة في الشام وفي لبنان، فقام بهذه الوظيفة أحسن قيام مدّة طويلة من الزمن. واشتهر هذا الأب أيضًا بتضلّعه بالقانون وبسير المحاكم، لذا عيّن عضوًا في المحكمة البطريركيّة البدائيّة ثمّ قاضيًا فيها وقاضيًا في المحكمة الاستئنافيّة البطريركيّة. وقد استحقّ الثناء من المجمع الشرقيّ ومن الجميع إذ كان في المحكمة قاضيًا عدلاً ذا حكم صوابيّ بعيد عن كلّ تحيّز ومواربة. وبقي يرعى شؤون الأوقاف البطريركيّة ويهتمّ بالمحاكم مدّة بطريركيّة مكسيموس الرابع أيضًا ثمّ استعفى سنة ١٩٦٣ ولبث في دمشق إلى أن توفّي سنة ١٩٦٥، وقد وصفه الأب الياس بندر من الإكليروس البطريركيّ لمّا أبّنه فقال: إنّه كان محبًّا لإخوته ومخلصًا في الخدمة ومدقّقًا في واجباته وكفيف اللسان.

الأب ميلاتيوس مفلح

        وُلد في خربة قنافار (البقاع)، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢ شباط ١٩٠٩ وسيم كاهنًا في ٢٦ تموز ١٩١٤، بدأ الخدمة في المدرسة المخلّصيّة ثمّ في بلدته نفسها وفي راشيا الوادي. وسنة ١٩٢٠ ذهب إلى أميركا ولبث مدّة قصيرة في أوتاوا (كندا) حيث أهله وأقاربه وحيث لا يزالون. وقد ألحّوا عليه بالبقاء في العاصمة الكنديّة لخدمة الطوائف الكاثوليكيّة الشرقيّة، وقام بهذه الخدمة إلاّ أنّه اتصل بالأب باسيليوس مرشا المخلّصيّ راعي كنيسة كليفلند الذي كان قد تقدّم في السنّ واتفق معه على أن يحلّ محلّه في رعاية النفوس فيها، وقد نجح في مسعاه. ولمّا تسلّم أمور كنيسة كليفلند نشط في الخدمة وعمل في سبيل خير الجالية والطائفة واهتمّ بإصلاح الكنيسة وتزيينها. وفي سنة ١٩٥٣ عُيّن الأب إغناطيوس غطاس مساعدًا له فاستفاد من هذه الفرصة وعاد إلى الوطن سنة ١٩٥٩ طلبًا للراحة والعافية، ولمّا توفّي الأب باسيليوس شاهين راعي كنيسة نيو لندن كنكتيكيت، حلّ مؤقّتًا محلّه وعاش في آخر حياته في رعيّته في كليفلند إلى أن رقد بالربّ سنة ١٩٦٤، كان كاهنًا فاضلاً وغيورًا ومحبًّا لأمه الرهبانيّة، ساعدها بالمال خصوصًا لمّا تأسّس مركز ميثون في أميركا.

الأب نقولا أبو هنا

        هو ابن مخائيل أندراوس أبو هنا وكاترين بطرس الحدّاد، وُلد في بطمة ودرس في بيروت اللغة العربيّة والفرنسيّة في مدرسة أخوة المدارس المسيحيّة، ثمّ دخل الدير وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢ شباط ١٩٠٩ ودُعي نقولا، سيم كاهنًا في ٦ كانون الأوّل ١٩٠٩، ومنذ مبادئ حياته الكهنوتيّة أخذ بتعليم اللغة العربيّة من سنة ١٩٠٩ إلى سنة ١٩٢٦ في المدرسة المخلّصيّة لأنّه كان بارعًا فيها، سنة ١٩١٥ شغل وظيفة كاتم أسرار الرئاسة العامّة إنّما بقي أستاذًا للّغة العربيّة في المدرسة. انتُخب رئيسًا للمدرسة المخلّصيّة سنة ١٩١٩ وبعد انتهاء رئاسة المدرسة عاد إلى وظيفة كاتم السرّ. سنة ١٩٢٨ أخذ يلقي دروس اللغة العربيّة في المدرسة البطريركيّة في بيروت ثمّ ذهب إلى القدس سنة ١٩٣٠ أستاذًا للّغة العربيّة في مدرسة القدّيسة حنّة الصلاحيّة وبقي إلى سنة ١٩٣٧، انتُخب من جديد رئيسًا للمدرسة المخلّصيّة، ثمّ رئيسًا لدير رشميّا إلاّ أنّه كان يستعفي بعد أشهر فقط، وكذلك استعفى من الخدمة في عكّا وشبرا. عُيّن سنة ١٩٣٨ وسنة ١٩٤٤ كاهنًا للرعيّة في مشغرة، فكان الراعي المحبوب النافذ الكلمة، الساعي إلى إعلاء شأن هذه البلدة. أُصيب بنوبة قلبيّة توالى عليه وجعها وعذابها إلى أن رقد بالربّ سنة ١٩٥٦ وأُقيم له مأتم حافل. كان ضليعًا في اللغة العربيّة وحجّة في أسرارها وأصولها، ولغويًّا دقيقًا، وشاعرًا مجيدًا، عُرف بأنّه قويّ الحافظة، ظريف الحديث، متواضع الجانب، فصيح اللسان، قويّ البرهان، غيور على مصالح أمّه الرهبانيّة. وكان يسخّر قلمه للدفاع عنها والذود عن كرامة بعض رجالاتها، كما أنّه اشتهر باستقامته وبساطة معيشته وجرأته الأدبيّة وصراحته وزهده بالمناصب الرهبانيّة والكنسيّة. له فضل كبير في رفع مستوى اللغة العربيّة في المدرسة المخلّصيّة إذ علّم فيها سبع عشرة سنة. وله عدّة مؤلّفات منها: «كتاب البيان» (مخطوط)، «مختصر الأرجوزة» (مخطوط)، «تنصّر كلوفيس»، «رواية بناء دير المخلّص» (مخطوط)، «مقالة في النيرونيّة»، «مقالة في اليازجيّين»، «دعوة القدّيس متّى» (رواية مخطوطة)، «العفو عند المقدرة»، «الأمير بشير بين الجزّار وبونابرت» (مخطوط)، «حديث عن العذراء»، «قسطنطين ومكسنس»، و«أمثال لافونتين» (٦ أجزاء). وأشهر منظوماته «وقفة بين الماضي والحاضر»، «الكون هيكل عظيم»، «رثاء المطران غريغوريوس حجّار»، «لبنان»، «بطمة». عدا هذا له مقالات كثيرة نُشرَت في مجلّة المسرّة والرسالة المخلّصيّة، وديوان شعر جاهز إنّما مخطوط وله مؤلّفات كثيرة تتناول الأمور الدينيّة ومسائل اللغة العربيّة لا بدّ من نشرها.

الأب إكليمنضوس بردويل

        وُلد في زحلة في ٢٥ تشرين الأوّل ١٨٨٨، ولمّا دخل الرهبانيّة بانت عليه ملامح الذكاء الخارق فأرسل بعد نذوره البسيطة في ٢٩ كانون الثاني ١٩٠٥ إلى رومة ليتابع دروسه فأصاب هناك نجاحًا باهرًا وتفوّقًا ممتازًا إذ نال شهادة الملفنة في الفلسفة واللاهوت والحقّ القانونيّ معًا. أبرز نذوره الاحتفاليّة ثمّ سيم كاهنًا في رومة في ١٥ تشرين الأوّل ١٩١٥، بعد عودته من روما إلى الشرق بدأ خدمة الرهبانيّة فكان معلّمًا في المدرسة المخلصيّة وعضوًا في لجنة مراجعة حسابات مجمع الأب العامّ نقولا أشقر. سنة ١٩١٩ انتخب رئيسًا للمدرسة المخلّصيّة لكنّه نُقل بعد مدّة وجيزة ليتسلّم القيميّة العامّة سنة ١٩١٩ فقام بأعبائها أحسن قيام مدّة مجمعين كاملين، وقد نظّم الإدارة واهتمّ بالأرزاق وحسّنها وهو الذي سعى لإيصال طريق عامّ إلى دير المخلّص فنجح رغم الصعوبات الكثيرة ومعارضة أهالي جون. سنة ١٩٢٥ عُيّن وكيلاً للرهبانيّة في بيروت ثمّ نُقل سنة ١٩٢٨ إلى وكالة حيفا ولبث هناك سبعة أشهر فقط، سنة ١٩٢٩ عُيّن رئيسًا للمدرسة البطريركية في بيروت واستقال منها بعد سنة فقط. سنة ١٩٣٠ تقلّد النيابة العامّة في أبرشيّة مرجعيون فكانت مجالاً فسيحًا تجلّت فيه مواهبه الكثيرة من ذكاء ودفاع عن الحقّ. وقد استعاد بحنكته وجرأته أملاك الوقف الكثيرة التي كان قد اختلسها بعض المعتدين، ومنهم آل الحاج حسن عبد الله واستغلّوها مدّة أربعين سنة تقريبًا. ولمّا كان في مرجعيون كلّفته الرهبانيّة سنة ١٩٣٥ بدعوى استملاك الوكالة المخلّصيّة القديمة في شارع الكوليسيو في رومة من قبل الحكومة الإيطاليّة في عهد موسوليني فذهب وتكلّلت جهوده بالنجاح وحصل فيما بعد على مال وفير اشترى فيه بنايتين كبيرتين للرهبانيّة. في سنة ١٩٣٨ عُيّن وكيلاً عامًّا للرهبانيّة في رومة وقضى مدّة الحرب الكبرى الثانية في رومة عاملاً لمصلحة الرهبانيّة رغم وطأة الحرب وارتبط بصداقات مع رجال الحكم الذين ساعدوه. سنة ١٩٤٧ عُيّن رئيسًا للمدرسة المخلّصيّة ثمّ انتخب في السنة نفسها رئيسًا عامًّا لتكملة مجمع الأب داود الخوري المنتخب أسقفًا على أبرشيّة صيدا، فساس الرهبانيّة من ١٩٤٩ بحزم ونشاط. ولدى انتهاء مجمعه عُيّن نائبًا قضائيًّا لأبرشيّة - سنة ١٩٤٧ صيدا ثمّ رئيس محكمة الاستئناف في دمشق، وقد عكف آنئذ على وضع مشروع تنظيم المحاكم الكنسيّة وسنّ قانون للأحوال الشخصيّة وترجمة الحقّ القانونيّ الشرقيّ الجديد. وظلّ يخدم الرهبانيّة بإخلاص وقد كلّفته في الستينات أن يذهب إلى روما في قضيّة الوكالة القديمة التي كانت في الكوليسيو والتي اشتراها قديمًا وكيل الرهبانيّة في رومة الأب غريغوريوس طويل. وهذه الوكالة هي التي كانت موضوع الدعوى التي بدأها الأب بردويل سنة ١٩٣٥ إذ اعترض على قرار من الحكومة الإيطاليّة في عهد موسوليني يقضي ببناء قصر للحزب الفاشي في المنطقة التي تقوم عليها الوكالة. اعترض الأب بردويل على مبدأ الاستملاك بحجّة أنّه تعطيل لملكيّة شخصيّة لأسباب حزبيّة غير عامّة ولا تمتّ إلى المصلحة العامّة. وبعد زوال الحزب الفاشستيّ في إيطاليا قضت المحكمة الإيطاليّة بإرجاع ملك الوكالة القديمة إلى الرهبانيّة، فقام آنئذ الرئيس العامّ الأب نقولا برخش ووكيل الرهبانيّة في رومة الأب غريغوريوس حايك فباعا حكم الاسترجاع بمبلغ قدره ٦٢ مليون لير إيطاليّ. عندئذ اعترض الأب بردويل من جديد وتوصّل بحكمته وذكائه الفريد إلى قبض ثمن الاستملاك كلّه، فاشترى به ملك الرهبانيّة الحالي في Via Felice Cavallotti، حيث الوكالة اليوم واشترى ملكًا آخر في شارع .Odescalchi وهذا الملك الأخير باعه الأب غريغوريوس حايك لبناء وكالة جديدة في شارعFelice  لكنّ المشروع فشل، فاضطرّت الرهبانيّة إلى الاستدانة من المجمع الشرقيّ المال اللازم لبناء الوكالة الجديدة القائمة حتّى الآن. واستمرّ الأب بردويل ناشطًا في العمل والخدمة إلى أن توفّي على أثر انفجار دماغيّ ونوبة قلبيّة أودت بحياته سنة ١٩٥٩ وأُقيم له مأتم حافل أسف فيه الجميع على غياب كاهن لامع خارق الذكاء قويّ الحجة بليغ اللسان جريء في الحقّ، عمل بذكاء نادر وحسن إدارة على رعاية مصالح الرهبانيّة والطائفة في أوقات وظروف صعبة ومختلفة، ويعدّ الأب بردويل من الرجال البارزين الممتازين بالعِلم والعمل.

الأب يوسف بهيت

        هو أنطون بن وهبة أنطون بهيت. وُلد في دمشق في ١٩ شباط ١٨٨٩ ودخل الرهبانيّة فأبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢١ أيار ١٩٠٩ وسيم كاهنًا في ٢٦ تموز ١٩١٤، وامتاز منذ مبادئ حياته بسعيه نحو الكمال الرهبانيّ والكهنوتيّ وبعمله المخلص في سبيل الرهبانيّة. قضى مدّة معلّمًا في المدرسة وقد درّس فيها اللغة العربيّة ورفع مستواها، وامتاز بروحانيّة عميقة وزهد بحطام الدنيا إذ كان على جانب عظيم من التقوى الرهبانيّة العالية ممتازًا بوعظ مؤثّر، فأرشد أجيالاً كثيرة من الرهبان والكهنة والراهبات إلى السير في طريق الكمال. من تلامذته الأبرار نذكر الأبوين إغناطيوس ضاهر والياس ساره والأخ صفرونيوس جبرا تلك الأمثلة الحيّة للقداسة في تاريخ الرهبانيّة الحديث. وكان دير الابتداء الذي قضى فيه الأب بهيت سنين طويلة معلّمًا ورئيسًا مدرسة روحيّة قاد فيها أفواجًا كثيرة إلى سبل الشجاعة في الحياة الروحيّة والسير وراء المسيح بصبر وعناد. وعندنا مذاكراته الروحيّة التي كان يلقيها على صفوف المبتدئين والتي تنمّ عن تقوى عميقة وروحانيّة ممتازة هي صورة للروحانيّة التي امتازت بها الرهبانيّة المخلّصيّة منذ تأسيسها. وامتاز الأب بهيت بإخلاصه للرهبانيّة التي أُسندت إليه وظائف هامّة من مدبريّة سنة ١٩٢٢، 1925، ١٩٤٣، ورئاسة دير المخلّص مرّتين ورئاسة دير الراهبات، وإدارة المطبعة والرسالة المخلّصيّة والاهتمام بالإخوة العاملين. فكان يقوم بهذه الوظائف بقدر ما وهبه الله من وزنات عاملاً بصمت ومحبّة وغيرة في سبيل الخير العامّ. وفي آخر حياته أُسندت إليه من جديد رئاسة دير السيّدة سنة ١٩٥٠ فعمل على تجديده وإصلاحه بعد أن تُرك مدّة طويلة واستُعمل لأغراض مختلفة كدار للأولاد الأيتام اللاجئين بعد نكبة فلسطين سنة ١٩٤٨ وكدير للابتداء للراهبات المخلّصيّات. وهذا الدير كان شاهدًا على غيرة ونشاط الأب بهيت. فهو الذي أصلح مقام سيّدة الوعرة مرّتين سنة ١٩٢٢ وسنة ١٩٥٢، وهو الذي مدّ إليه قساطل مياه نبع المقيصبة سنة ١٩٥٢، وهو الذي أصلح أيقونة العذراء العجائبيّة بواسطة السيّد عقل ضاهر شقيق الأب إغناطيوس ضاهر. وفي دير السيّدة ألمّت بالأب بهيت وعكة صحيّة أودت بحياته سنة ١٩٥٤ فأُقيم له مأتم حافل ودّعت فيه الرهبانيّة راهبًا امتاز بمحبّته للصلاة إذ كان يقضي ساعات طويلة في الكنيسة صباحًا ومساءً راكعًا يصلّي، وعاش فقيرًا بسيطًا في لباسه وهندامه كان نحيل الجسم يشكو من معدته النحيفة، إنّما كان مثابرًا على العمل، قاسيًا على نفسه وعلى غيره وبحقّ يُصنَّف الأب بهيت أنّه من الوجوه الكريمة اللامعة من آباء الرهبانيّة الممتازين في التقشّف والورع. وقد خلّد اسمه في أبنائه العديدين الحافظين له الوفاء والذكر الجميل والمعروف الذي لا يُنسى.

الأب جورج خوري

        وُلد في يارون، أنهى دروسه كلّها في مدرسة القدّيسة حنّة في القدس، ثمّ انخرط في سلك الرهبانيّة المخلّصيّة، فابتدأ سنة ١٩٠٤ وأبرز نذوره البسيطة في ٩ كانون الأوّل ١٩٠٥ وسيم كاهنًا في تشرين الثاني ١٩٠٦، وبعد سيامته الكهنوتيّة أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٣١ آذار ١٩١٠، علّم في المدرسة المخلّصيّة، ثمّ عُيّن كاتبًا باللغة الفرنسيّة عند المطران باسيليوس حجّار. خدم النفوس في غريفة وفي رعيّة القدّيسة تقلا في زحلة والمدرسة الأسقفيّة في زحلة، ثمّ انتقل إلى قبّ الياس. سنة ١٩٣٧ قصد صور لزيارة أهله في يارون وهناك أصابه الفالج فعاد إلى الدير وظلّ يتعالج إلى أن توفّي فجأة سنة ١٩٣٩ على إثر انفجار دماغيّ.

الأب إبراهيم حدّاد

        وُلد في الفرزل في شباط ١٨٨٩، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٥ حزيران ١٩١٠ وسيم كاهنًا في ٢٦ تموز ١٩١٤، خدم في أمكان كثيرة في جديدة مرجعيون، ثمّ مساعدًا للأب يوسف فرنسيس رئيس دير عين الجوزة طيلة الحرب الكبرى الأولى، ثمّ في شتورا سنة ١٩١٨ عند السيّدة سلمى بولاد، وعيتنيت سنة ١٩١٩، وطرشيحا فلسطين سنة ١٩٢٣، ومعاصر الشوف سنة ١٩٢٦ وصغبين سنة ١٩٣١ وكفرحونة سنة ١٩٣٩- ١٩٤٥، ثمّ استقرّ في رعيّة المعلّقة زحلة فمكث فيها سنين كثيرة قام أثناءها بإصلاحات في الكنيسة وبيت الكاهن. وكان في هذه الخدمات كلّها وديع الجانب، لطيف المعشر، فاضلاً. رجع من المعلّقة في آخر حياته بعد أن ثقلت عليه الشيخوخة إلى دير المخلّص وفيه رقد بالربّ سنة ١٩٨١.

الأب غريغوريوس حوراني

        هو روفايل بن حنّا حوراني (القرن)، وُلد في صيدا في ٥ حزيران سنة ١٨٨٧, وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٩ حزيران ١٩١٠ وسيم كاهنًا في ١٤ نيسان ١٩١٢، اشتهر منذ مبادئ حياته الرهبانيّة بغيرته وخدمته واهتمامه بالأمور الماديّة بإخلاص ودقّة. قد قام وهو طالب وكاهن بخدمة الإخوة والآباء المرضى والشيوخ في الدير ودير السيّدة والمدرسة، وهو الذي سهر على الأب العامّ باسيليوس شحادة أثناء مرضه الخطير وعلى الأب العامّ جبرائيل نبعة عندما أصابته حمّى التيفوس، وعلى المطران نيقولاوس نبعة في مرضه الذي أدّى إلى وفاته. أثناء الحرب الكبرى الأولى أبدى شجاعة وبطولة وغيرة ممتازة، إذ ذهب إلى جهات النبطيّة وطبرية وجبل عامل وكان يهرِّب المؤونة ليلاً إلى الدير فجلب ٤٠٠ مدّ قمح و ٢٠٠ مدّ ذرة و ٢٠٠ مدّ شعير. وفي سنة ١٩١٧ أرسله الأب العامّ نقولا الأشقر إلى عند يوسف بك الزين في كفر رمان قرب النبطيّة فاشترى منه ٢٠٠ قنطار من القمح بسعر ١٥ قرش تركيّ وشرط أن يدفع الثمن بعد سنة دون تغيير في السعر، وهذا فضل يسجّل ليوسف بك الزين. سنة ١٩١٩ انتخب رئيسًا لدير عمّيق وتجدّدت له الرئاسة وفي سنة ١٩٢٥ عُيّن رئيسًا لدير المزيرعة وتجدّدت له الرئاسة مرارًا، وفي أثنائها سعى في جمع المال من أبناء الرهبانيّة فأصلح الدير وزيّن الكنيسة بالإيقونات الجميلة ومدّ السطوح بالباطون، وبنى مصيفًا جميلاً وواسعًا للرهبان الدارسين بمساعدة الأب يوسف قندلفت. كما أنّه اهتمّ بالأرزاق فزرع التفاح والإجاص وكثّر نصوب الكرمة. وقد قام بكلّ هذا تحت إشراف الأب استفانوس يواكيم، وفي سنة ١٩٤٦ انتخب رئيسًا لدير معلولا فبقي فيه حتّى سنة ١٩٦٢، وقام أثناء رئاسته بإصلاحات جمّة، فإليه يرجع الفضل في البناء الجديد الذي يزيّن اليوم دير معلولا، فالطابق الثاني قام بفضل مساعيه وكذلك إصلاح الكنيسة من الخارج وتدعيمها، وحفر البئر الأرتوازيّة لريّ البستان. ولمّا مرض وشاخ رجع إلى الدير الأمّ وبقي فيه محاطًا بعناية الراهبات المخلّصيّات إلى أن توفّي في دير المخلّص بعد حياة خدمة ممتازة وجهاد طويل وإخلاص صاف وتواضع وذلك في ٢٨ كانون الأوّل ١٩٦٥.

الأب نقولا برخش

        ولد الأب نقولا برخش في جون في 2 شباط 1890. وهذه القربى الجغرافيّة بين جون ودير المخلّص وثّقت بينهما قربى تاريخيّة، وقد زادت وترسّخت بسبب أعجوبة التأسيس التي حدثت في جون. وهذا كلّه جعل الأب نقولا برخش شديد الارتباط بالرهبانيّة المخلّصيّة بل جعله مصيريًّا. وفقد نقولا والدته وهو لا يتجاوز السنتين من عمره، فنشأ على القسوة وشظف العيش وتقنين العاطفة، وكبر قاسي الطبع شديد المراس قويّ الشكيمة. وما عتّم أن التحق بصفوف طلاّب الإكليريكيّة المخلّصيّة في 16 شباط سنة 1903 كما التحق قبله قريبه وعشيره خليل أسعد خرياطي الذي أصبح فيما بعد أسقفًا على أبرشيّة صيدا ودير القمر وتوابعهما، ملبّيًا نداء الرب ودعوة رهبان وكهنة جونيّين كثيرين منهم الأب حنانيّا برخش المشهور بصوته الرنّان. فالدعوة كانت له أيضًا عدوى. ومنذئذٍ طلب العلم وتدرب على الفضيلة على أيدي كهنة مشهورين نذكر الأعظم بينهم الأب العامّ جبرائيل نبعة.

        وفي الإكليريكيّة أبرز نذوره الأولى في 27 أيار 1906. ثمّ أكمل فيها بنجاح وامتياز دروسه، فاختاره الرؤساء لمتابعة الدرس والتخصّص في معهد القدّيس أثناسيوس في روما حيث نال قسطًا وافرًا من العلوم الدينيّة تُوِّجت بشهادة الملفنة في الفلسفة والمأذونيّة في اللاهوت من جامعة انتشار الإيمان. وفي روما أبرز نذوره الاحتفاليّة في 2 تشرين الثاني سنة 1910، وفي 26 كانون الأوّل سنة 1916 ارتقى إلى درجة الكهنوت بعد أن نجح في العلوم الدينيّة وفي الفضيلة وفي أبعادها الحياتيّة والرهبانيّة.

        وعندما اندلعت الحرب الكبرى الأولى (1914-1918) نُفي سنة 1916 هو وبعض الرفقة بما أنّه من التبعيّة التركيّة إلى سويسرا فسكنوا كلّهم في دير للآباء البندكتيّين في أنسيدلن. وأثناء نفيه وبعد رجوعه إلى روما عكف على متابعة ثقافته الدينيّة والإنسانيّة في معاهد روما كالجامعة الغريغوريّة ومعهد ماسّيمو للآباء اليسوعيّين وغيرها من المعاهد، وساعد أيضًا في خدمة الأيتام والمشرّدين والبائسين بسبب الحرب. ومكث في روما إلى أن دق النفير بصوت الرئيس العامّ الأب باسيليوس شحادة سنة 1918 داعيًا إيّاه إلى العودة ليساعد في تضميد جراح الرهبانيّة التي عانت كثيرًا من جرّاء الحرب الكونيّة الأولى، وفي رصّ الصفوف بعد أن غاب الأب العامّ جبرائيل نبعة وبعض جنوده. ومنذ سنة 1919 إلى سنة 1934 مكث في الإكليريكيّة المخلّصيّة يعلّم اللاهوت في مختلف فروعه والفلسفة وفقًا لنهج القدّيس توما شمس المدارس ويدرّس اللغة اليونانيّة، والكتاب المقدّس وغيرها من العلوم، ويربّي النشء الرهبانيّ على الأخلاق الرهبانيّة ساعيًا إلى الوصول لا إلى عقول الطلاّب فقط بل إلى نفوسهم أيضًا. وكان طيلة هذه الفترة الكاهن الرصين، والمرشد الفطين، والاستاذ الضليع، والرسول الغيور. وعلاوة على التعليم كان الجندي الشاكي السلاح للخدمة، يعالج المرضى في الأديار المخلّصيّة وفي القرى والمزارع ويشفي الأجساد والنفوس بخدمته وغيرته، فاشتهر، ممّا حمل المطران أثناسيوس خرياطي ليستدعيه سنة 1930 ليكون نائبًا عامًّا لأبرشيّة صيدا ودير القمر وليعمل على حلّ الخلاف المستحكم بينه وبين الرهبانيّة. فأحسن التصرّف وقام بالمهمّة أحسن قيام؛ فهدّأ الخواطر، ووحّد القلوب ولبث سنتين فقط، عاد بعدها سنة 1932 لمزاولة التعليم والخدمة في الإكليريكيّة المخلّصيّة.

        وبسبب الخلاف الحاصل بين المطران أثناسيوس خرياطي والرهبانيّة بدعم من البطريرك ديمتريوس قاضي والمطران مكسيموس الصائغ مطران صور أعلن الكرسيّ الرسوليّ الرومانيّ سنة 1924 الزيارة الرسوليّة على الرهبانيّات الملكيّات الكاثوليكيّة في عهد الرئيس العامّ باسيليوس شحادة، وعُيّن رئيسًا لها المطران مكسيموس الصائغ. وأثار هذا التدخّل في شؤون الرهبانيّة معارضة الرهبان، واشمئزازهم. وقد نتج عن الزيارة قرار بتوحيد الرهبانيّات الملكيّات الثلاث، وبإعلان فرائض نسكيّة موحّدة، وبتوقيف الابتداء، وبقيام الزيارة نفسها بمشاريع زراعيّة في دير عين الجوزة، وبتعيين الهيئة القانونيّة من قبلها. وهكذا تتابع الرؤساء العامّون: يوسف يواكيم سنة 1925 وأغابيوس نعّوم سنة 1927 و 1928 و 1930 ونقولا برخش في 29 أيار سنة 1934.

        وبدأ الأب العامّ نقولا برخش منذئذٍ عهدًا مليئًا بالمآثر والإصلاح والتأسيس. واستمرّت رئاسته الأولى من سنة 1934 إلى سنة 1943 بسبب الحرب الكبرى، والثانية من سنة 1949 إلى 1956 تخلّلها رئاسة عامّة للأب داود الخوري 1943 – 1947 وللأب إكليمنضوس بردويل من سنة 1947 إلى 1949. ونذكر أهمّ إنجازات الأب العامّ نقولا برخش:

  • البدء بتنفيذ فرائض الرهبانيّة التي أُعلنت سنة 1934 للرهبانيّات الملكيّات الثلاث ثمّ إصلاحها وإعلان فرائض جديدة سنة 1956 مع تغيير في جوهر وأهداف الرهبانيّة إذ تحوّلت من رهبانيّة نسكيّة إلى رهبانيّة رسوليّة.
  • إصلاح بناء وكالة الرهبانيّة في حيفا وفي بيروت بإشراف الأب المهندس إستفانوس يواكيم، بحيث أصبحتا مورد ريع للرهبانيّة لا يُستهان به سنة 1936؛ بناء الجناح الكبير سنة 1938 في دير المخلّص الذي ضمّ 28 غرفة؛ بناء المدرسة الداخليّة العلمانيّة مع ملحقاتها سنة 1952 إلى جانب الإكليريكيّة بعد إصلاح أقبيتها وعقودها وهدم بعض أجنحتها القديمة؛ بناء الغرف والقاعات المجاورة لمعصرة الزيت بعد أن زاد العمل وكثر العمّال وعمّ الازدهار؛ بناء دير كامل للراهبات المخلّصيّات المرسلات سنة 1941 فوق عقود الدير القديم، وكنيسته ثمّ بناء مدرسة كاملة التجهيز والمرافق وإصلاح الأقبية والعقود في دير سيّدة البشارة للراهبات المخلّصيّات.
  • تأسيس فرع جديد للراهبات المخلّصيّات سنة 1941 يهدف إلى الرسالة، مع فتح مراكز جديدة له، وعمل فرائض تخصّ الراهبات ورعاية شؤونهن الروحيّة والماديّة.
  • تأسيس مركز ميثون سنة 1952، قرب بوسطن في الولايات المتّحدة الذي ضمّ أوّلا إكليريكيّة شرقيّة كاثوليكيّة، ثمّ تحوّل إلى دير قانونيّ، وإكليريكيّة كبرى مخلّصيّة، وبيت ابتداء مخلّصيّ، وبيت للرياضات، ومعهد شرقيّ مسكونيّ. وأصبح من ثمّة منارة شرقيّة كاثوليكيّة لكلّ أميركا الشماليّة.
  • تأسيس إرساليّة الزرقاء سنة 1954 التي أعادت إلى الرهبانيّة سناء الرسالات الأولى التي كانت مثل فتوحات أولى في الطائفة.
  • تعزيز المطبعة القديمة ثمّ شراء مطبعة جديدة خطت خطوات جبّارة وأصبحت مطبعة رائدة.
  • ظهور مجلاّت مطبوعة: الرسالة المخلّصيّة، النحلة، Basiliana، الرسول، دعاء الأجراس، وغيرها من الدوريات والنشرات، وكانت كلّها منبرًا لرسالة مخلّصيّة خيّرة، انتشرت في بقاع كثيرة فعمّمت الأنوار ونشرت الثقافة ورسّخت معالم الدين والعلم.

        لا يمكن تعداد وتفصيل مآثر الأب برخش، طيلة رئاسته العامّة الأولى والثانية، فهي كثيرة. في مجمع سنة 1943 بقي الأب برخش مدبّرًا عامًّا للراهبات، وفي مجمع سنة 1956 انتُخب مدبّرًا أوّل ونائبًا عامًّا وعُيّن رئيسًا للإكليريكيّة المخلّصيّة. لكن ما عتّم أن عُيّن راعيًا لكنيسة سيّدة البشارة في بوسطن – ماس، في 12 نيسان سنة 1957 وقد بقي فيها فقط ثلاث سنوات. وفي أثنائها انتُخب رئيسًا للإقليم الأميركيّ وتجدّدت له هذه الوظيفة في مجمع سنة 1962. كما انتُخب أكثر من مرّة معلّمًا للمبتدئين في دير القدّيس باسيليوس في ميثون. وحان الوقت لاستراحة الجنديّ المحارب الكثير الجهاد، فاستقرّ الأب برخش في دير ميثون يعمل قدر استطاعته ويرشد ويسهر. وقد كتب في أثنائها الكتب التالية: تاريخ تأسيس المركز الباسيليّ المخلّصيّ في ميثون، وThe Salvatorian Complex of Methuen، وتاريخ الراهبات المخلّصيّات (مخطوط)، وتاريخ الرهبانيّة المخلّصيّة (مخطوط) وغيرها من المنشورات، وكلّها مخطوطة.

        نجمل الكلام والحكم على حياة الأب برخش بما ورد في كتاب «المخلّصيّون رسل في الوطن والمهجر» للأب الياس كويتر المخلّصيّ: «إنّ كلمة المؤسّس تحوي في طيّاتها التقييم الحقيقيّ لهذا الكاهن. فقد كان شجاعًا في مواجهة المشاكل؛ لا تلين له قناة مهما طال الزمان؛ ثابت الخطى في تحقيق مشاريعه؛ يتأنّى ولا يستعجل أبدًا لئلاّ تتعثّر خطواته؛ يستكشف علامات الأزمنة ويصلّي لكي تظهر إرادة الله، ليّن في حزم، محبّ بعدل، متبصّر بحكمة وببطء، صبور يتحمّل تألّب الأخصام ضدّه ويستعذب التفاف الأبناء والأصدقاء حوله، عميق الجذور في التقوى، كبير الإيمان والثقة بالله عزّ وجلّ».

        أحبّ الأب برخش الرهبانيّة ومؤسّساتها كلّها وأخلص لها. وكان، في سنيه الأخيرة التي قضاها في ميثون، يعاوده الحنين إلى لبنان وإلى دير المخلّص فيأتي مرارًا رغم شيخوخته وأمراضه وصعوبة السفر، تاركًا خلوته وصومعته في ميثون ليتفقّد الغرسات التي زرعها. وهكذا قضى نحو خمسٍ وعشرين سنة. أخيرًا استقر في دير المخلّص ودير الراهبات يعيش مع أبنائه وبناته عيشة الرهبان الصالحين، عاكفًا على الصلاة، ومستسلمًا لإرادة الربّ، وصابرًا على أمراض الشيخوخة الكثيرة، وعاملا كالآباء المخلّصيّين القدامى على أن لا يضيّع الوقت فكان يكتب ويرشد ويصلّي.

        ولم يشأ الربّ أن يرى الأب برخش نكبة دير المخلّص وسائر الأديار المخلّصيّة ودير سيّدة البشارة ودير سيّدة النياح في 28 نيسان سنة 1985، وهي السادسة في مراحل درب الصليب المخلّصيّ الطويل، ولم يشأ الربّ أيضًا أن يشاهد الأب برخش هجرة أبنائه وبناته وخراب أديارهم ومؤسساتهم ونهب ذخائرهم والزوال المؤقّت لتاريخ ناصع سجّله المخلّصيّون والمخلّصيّات بالدم والعرق والتعب، فنقله الربّ قبل أيّام قليلة من ليلة القدر الحالكة السواد ومن حلول النكبة فطار من دير المخلّص إلى الأخدار السماويّة في 11 نيسان سنة 1985 وانضم إلى الآباء المخلّصيّين الذين أحبّهم وعاش معهم وخدمهم في حياته ولم يشأ هو أن يفارقهم في مماته. وهو يُعتبر بحقّ من رجال الرهبانيّة الميامين والصالحين والعاملين.

الأب يوسف رعد

        وُلد في كفرنبرخ سنة ١٨٨٦، بعد إبرازه نذوره الاحتفاليّة في ٨ تشرين الثاني ١٩١٠، فَقَدَ عينه اليمنى من جرّاء طلق ناريّ مازح من الأخ إغناطيوس ضاهر، ولم تنفعه المعالجة في بيروت. ورغم ذلك سيم شمّاسًا أنجيليًّا سنة ١٩٠٧ وأُرسل إلى الناصرة كوكيل على أملاك الرهبانيّة وهناك سجنه الأتراك خمسين يومًا وأذاقوه مرّ العذاب. ثمّ عاد إلى الدير فأُرسل إلى معلولا سنة ١٩١٩ وهناك ارتقى إلى درجة الكهنوت لكثرة إلحاح المطران باسيليوس خوري مطران يبرود، الذي رأى فيه صفات الكاهن المثلى. ولم تطل إقامته أيضًا في زحلة وصور لأنّه كان يفضّل السكنى في العامر. وسنة ١٩٢٥ رفض وظيفة مساعد للوكيل العامّ وقضى في بيروت سنة ١٩٣٠ كوكيل للمدرسة البطريركيّة عاد بعدها نهائيًّا إلى دير المخلّص فوُكل إليه مراقبة الأشغال الماديّة والمزروعات وعنابر الدير. فكان شديد الغيرة والعناية وحسن التدبير. عاش لطيف المعشر حلو الفكاهة، قريبًا من القلوب، أنيسًا وديعًا محبوبًا ومحبًّا. وحوالي سنة ١٩٤٩ ابتُلي بفقدان البصر فصبر وظلّ يتابع كعادته حضور الصلوات والقراءات الروحيّة مردّدًا دومًا لزائريه "نشكر مراحم الربّ". سنة ١٩٥١ رقد بالربّ بهدوء وسلام وكانت وفاته صورة لحياته الهادئة الوادعة.

الأب باسيليوس شاهين

        وُلد في روم وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٩ كانون الثاني ١٩١١، وكُلّف قبل سيامته الكهنوتيّة بالاهتمام بالمبتدئين وبقي في هذه الخدمة إلى أن سيم كاهنًا في ٢٤ نيسان ١٩٢١، ثمّ رجع إلى المدرسة وإلى دير الابتداء للاهتمام بالطلاّب الإكليريكيّين. خدم مدّة قصيرة في كلّ من حيفا وصور والفرزل. سنة ١٩٣٠ عاد إلى المدرسة كناظر ثمّ في سنة ١٩٣٢ عهدت إليه الرهبانيّة الوكالة في صيدا فأحسن القيام بالوظيفة فنُقل سنة ١٩٣٤ إلى وكالة بيروت فأحسن الخدمة أيضًا. ثمّ سافر إلى الولايات المتّحدة ليرى والدته التي لم يكن يعرفها، لأنّها سافرت وهو طفل صغير. وإذ كان في أميركا عُيّن لخدمة رعيّة نيو لندن كنكتيكيت، فكان مثال الراعي الغيور والنشيط يحبّه ويقدّره الجميع لمزاياه الجميلة. ساعد بكرَمٍ أمّه الرهبانيّة بمعونات جمّة ومتتالية. توفّي على إثر عمليّة جراحيّة سنة ١٩٥٣ لمّا كان الرئيس العامّ الأب نقولا برخش في زيارة للديار الأميركيّة بصدد تأسيس دير ميثون. فحزن الجميع على وفاته المفاجئة ورثاه مطران الأبرشيّة بكلام مؤثّر متأسّفًا على خصاله الكهنوتيّة الحميدة. وقد ترك لأمّه الرهبانيّة بعد وفاته كلّ أمواله.

الأب يوسف شمّاس

        هو عقله بن دخل الله الدبعي بن نامر الذي تكنّى بالشمّاس. وُلد في خبب وأبرز نذوره الرهبانيّة في ١٩ آذار ١٩١١ وسيم كاهنًا في ٢٦ تمّوز ١٩١٤، ومنذئذٍ بدأ حياة امتازت بالنشاط والخدمة والحرص على الوقت واستثمار الوزنات المختلفة. عمل في أوّلاً في الإكليريكيّة المخلّصيّة وسعى لتعزيز اللغة اليونانيّة وعِلم البصلتيكا مع عِلم الليتورجيّة. وقد نشر لذلك كتبًا مفيدة. وبعد المدرسة انتقل إلى الاسكندريّة لفترة قصيرة ثمّ عُيّن نائبًا عامًّا سنة ١٩٢٩ في أبرشيّة حوران فأصلح أمورًا كثيرة في الكنيسة وأسّس أخويّات وسعى لتحصيل شعبة بريد في خبب. سنة ١٩٣١ انتُخب معلّمًا للمبتدئين فأشرف في هذه الفترة على طبع كتاب مرشد الوعّاظ للأب بطرس أبو زيد وترجم قوانين القدّيس باسيليوس الطويلة والمختصرة. وفي سنة ١٩٣٤ انتقل إلى صيدا خادمًا للرعيّة ولبث فيها مدّة طويلة كان فيها الكاهن الغيور المكبّ على الدرس والخدمة بكلّ نشاط لا يضيّع ساعة من وقته ويجتهد أن يعمل الخير حيث يدعوه الواجب. أثناء إقامته في صيدا ترجم كرّاسًا عن الإيطاليّة يحكي عن تاريخ الطائفة الملكيّة ثمّ أكمل تاريخ طائفة الروم الملكيّين في ثلاثة أجزاء. واشتهر هذا الأب أيضًا بروح الفقر، فقد ساعد الرهبانيّة بالمال وبفضله نُعت كرم الزيتون، على مفرق طريق دير الراهبات بكرم الشمّاس. في سنة 1962 نُقل إلى دير الراهبات ثمّ إلى أبرشيّة بعلبك. أخيرًا عاد إلى العامر فقضى فيه شيخوخته يثابر على الصلاة والدرس والحياة المشتركة إلى أن توفّي سنة ١٩٦٥، وهو أوّل راهب دُفن في الكمنتير الجديد. هذا الأب كان مثالاً في الفضيلة والاجتهاد، وكان له أَثر كبير على تربية نشئ رهبانيّ صالح ومجتهد، عدا أنّه ترك في صيدا حيث بقي مدّة طويلة أَثر كاهن غيور وفاضل.

الأب بولس شعيب

        وُلد في معلّقة الدامور، دخل الرهبانيّة في ١ أيلول ١٩٠٤، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٩ آذار ١٩١١ وسيم كاهنًا في ٢٦ تمّوز ١٩١٤، بدأ الخدمة في زحلة كأستاذ في المدرسة الأسقفيّة، وقضى أيّام الحرب الكبرى الأولى في دير رشميّا. بعد الحرب عاد إلى المدرسة المخلّصيّة والدير ليهتمّ ببعض الأشغال. سنة ١٩٢٥ عُيّن وكيلاً للرهبانيّة في صيدا، وفي ١ كانون الثاني ١٩٢٩ عُيّن وكيلاً للرهبانيّة في بيروت فسعى لدى الحكومة اللبنانيّة في تحصيب طريق جون دير المخلّص، وفي سنة ١٩٣٠ عُيّن نائبًا عامًّا في عكّا وبقي في هذه الوظيفة أربعة عشر سنة اشتهر أثناءها بسطوته على الشعب ونفوذه لدى الحكّام وكان الرجل الثاني بعد المطران غريغوريوس حجّار. سنة ١٩٤٢ عُيّن وكيلاً عامًّا على أوقاف الأبرشيّة العكّاويّة وظلّ في هذه الوظيفة حتّى سنة ١٩٤٦ ساكنًا في طبريّة. بعد موت المطران حجّار عاكس حقوق الرهبانيّة في أبرشيّة عكّا وقاوم التفاف الشعب حول الآباء المخلّصيّين. ولمّا تسلّم المطران جاورجيوس حكيم زمام أبرشيّة عكّا أقال الأب شعيب من مهمّاته كلّها، فانطلق إلى أبرشيّة شرقيّ الأردن كنائب عامّ، ثمّ في أبرشيّة مرجعيون كنائب عامّ أيضًا. وفي سنة ١٩٥٠ خدم في بلدة عيتنيت ثمّ في سنة ١٩٥٢ عيّنه صديقه المطران يوسف معلوف نائبًا عامًّا لأبرشيّة بعلبك، وبعد هذه المهمّة بدأ يتنقّل في خدمة النفوس من عيتنيت إلى عين زحلتا إلى زحلة إلى بيت ساحور إلى عمان من جديد وأخيرًا إلى يارون. وكان لا يقيم في الخدمة إلاّ بضعة أشهر لنقص في الحكم ظهر فيه في آخر حياته. ومنذ ١٩٦٣ لازم دير المخلّص، وفي سنة ١٩٦٦ نُقل لسوء حالته إلى دير يسوع الملك حيث توفّي سنة ١٩٦٦ ونُقل إلى دير المخلّص ودُفن في الكمنتير.

الأب نعمة الله غريّب

        وُلد في طبريّة، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٩ آذار ١٩١١ وسيم كاهنًا في ٢٦ تموز ١٩١٤، مارس التعليم وإدارة المدارس مدّة طويلة وكان ماهرًا في عِلم الحساب غيورًا على التلامذة وحازمًا بالإدارة. خدم في المدرسة المخلّصيّة مدّة طويلة ثمّ في مدرسة صيدا ودير القمر. سنة ١٩٢٤ عُيّن كاهنًا للرعيّة في المختارة وجوارها فنجح في فتح مدرسة في المختارة لاقت بسبب غيرته نجاحًا كبيرا. عُيّن مديرًا للمدرسة الأسقفيّة في صيدا ومشرفًا على كلّ مدارس الأبرشيّة. سنة ١٩٣٣ درّس اللاهوت الأدبيّ في مدرسة عين تراز للكهنة المتزوّجين ثمّ انتقل إلى حيفا معاونًا للأب يواكيم قرداحي في إدارة المدارس. سنة ١٩٤٤ طلبه المطران بولس سلمان نائبًا عامًّا على أبرشيّة عمّان فبقي هناك خمس سنوات، انتقل بعدها إلى رعيّة الدامور ثمّ إلى رعيّة رومية المتن، ثمّ أخيرًا إلى رعيّة دردغيا وفيها توفّي ليلاً دون أن يدري به أحد سنة ١٩٥٤.

الأب جورج بيطار

        وُلد في حيفا وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٦ أيلول ١٩١٣ وسيم كاهنًا في ٢٥ آذار ١٩١٤، خدم مدّة طويلة في أبرشيّة عكّا: في حيفا والبصة وطرشيحا. مرض أثناء خدمته في الأبرشيّة العكّاويّة فعاد إلى الدير، ولمّا تعافى أُرسل لخدمة النفوس في مدينة صور. كان كاهنًا وَرِعًا وتقيًّا يتحمّل الأمراض بصبر جزيل. أتى إلى الدير بعد أن أصابه الفالج فكان مثالاً في التدقيق بحفظ الواجبات والسكون والدعة. توفّي في العامر سنة ١٩٥١، من مآثره مساعدته الماليّة الكثيرة للرهبانيّة. له دفاتر أشعار مخطوطة في مكتبة دير المخلّص.

الأب أغابيوس غطّاس

        وُلد في ٢٢ أيلول ١٨٩١ في مشغرة وبعد إبرازه النذور الرهبانيّة في ٥ تشرين الأوّل ١٩٠٧ أُرسل إلى رومة سنة ١٩١٠ ليدرس في مدرسة القدّيس أثناسيوس، لكنّه عاد إلى الاسكندريّة سنة ١٩١٤ وعاش طيلة الحرب الكبرى الأولى فيها بصحبة المطران غريغوريوس الحجّار الذي عيّنه كاتمًا لأسراره. وبعد الهدنة عاد إلى دير المخلّص سنة ١٩١٩ فأتمّ دروسه ثمّ سيم كاهنًا سنة ١٩٢٠ وخدم في أبرشيّة مرجعيون كرئيس وأستاذ وكاهن للرعيّة حتّى سنة ١٩٣٥ التي فيها أُرسل إلى القطر المصريّ لخدمة النفوس، وسنة ١٩٤٠ عُيّن وكيلاً للرهبانيّة وكاهنًا في الاسكندريّة، وكان البطريرك مكسيموس الصائغ يقدّره ويحترمه، وكذلك أحبَّته الرعيّة وأَسفَت على وفاته سنة ١٩٥٧.

الأب روفائيل جدع

        وُلد في حيفا في ٢٣ كانون الأوّل ١٨٩٢، وبعد إبرازه النذور البسيطة أُرسل إلى رومة فنال شهادة الملفنة في الفلسفة، وفي أثنائها أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٢ آذار ١٩١٢ وسيم كاهنًا في ١٥ نيسان ١٩١٨، ولمّا عاد إلى لبنان علّم في الإكليريكيّة اللغة اللاتينيّة والهندسة والحساب ثمّ انتقل إلى مونتريال مساعدًا للأب سمعان نصر، ثمّ إلى روشستر محلّ الأب إغناطيوس جبارة ثمّ إلى ملووكي محلّ الأب يوسف قندلفت. وعاش آخر أيّام حياته في دير ميثون إلى أن توفّي في كانون الثاني ١٩٧٦، وكان طيّب القلب وديع الجانب، لطيف المعشر، متضلّعًا باللغات اللاتينيّة واليونانيّة التي كان يتكلّمها ويكتب بها بسهولة فائقة.

الأب مكاريوس قلومة

        وُلد في معلولا في ٢٠ تموز ١٨٩٣، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٣ آب ١٩١٣ وسيم كاهنًا في ٢٠ تموز ١٩١٨، بدأ حياته الحافلة بالعمل والتقوى في دير السيّدة، فكان فيه مرشدًا للمبتدئين سنة ١٩١٩ إلى سنة ١٩٢٨، ونشط في هذه الأثناء على العمل في تحسين دير السيّدة، وهو الذي نبش البئر الغربيّ وغرس حدائق الأشجار وزرع الكرم وحرش الصنوبر في الجهة الشرقيّة وأصلح ملعبين للمبتدئين، وفتح قاعة كبيرة للدرس، فهذا كلّه كشف للرهبانيّة غيرة ونشاط الأب مكاريوس، فعُيّن وكيلاً للرهبانيّة في صيدا سنة ١٩٢٨، لكن لم يطل غيابه عن العامر، ففي أيلول من سنة ١٩٣١ أُلقيت على كاهله المدبّريّة والمساعدة في ضبط حسابات الوكالة العامّة وتأمين الحضور في الدير وأمانة الصندوق فيه، فقام بهذه المهمّات مدّة طويلة من الزمان ببشاشة ودون ملل وبمثاليّة جعلته الرجل الذي يثق به الرهبان وأهل الجوار كلّهم. وتجدّدت له المدبريّة مرارًا من سنة ١٩٣٠ إلى سنة ١٩٦٨ لِما عُهد به من إخلاص وحكمة وتقدير للأمور. وقد أشرف على تخمين وبيع أملاك الرهبانيّة والراهبات في معلولا ودير القمر وغريفة وكفرملكي والشام وسعى أيضًا لتوضيح الأملاك بين المطرانيّة المارونيّة في صيدا والرهبانيّة في بكيفا والجليليّة ومزرعة الضهر. وهو الذي جدّ ونشط لتحسين أملاك الدير، فقد غرس كرم الأب سمعان نصر بالزيتون وكذلك في الحارات وجمّل طريق الدير ومدخله بالأشجار المختلفة ونقب جلّ الجمال قرب الدير وغرسه بأشجار الليمون وأصلح زيتون الحارات والخلة الشرقيّة والبريكيّات وخلة دير السيّدة وغرس الكرم الذي يقع في مفترق طريق دير الراهبات بالزيتون بمساعدة الأب يوسف شماس الماليّة. وبقي في المدبّريّة حتّى سنة ١٩٦٨ إنّما بقي الأب مكاريوس طيلة حياته الأب الحنون للجميع ورجل الدير الحاضر في كلّ ظرف وساعة، والرجل الذي جعل الدير بيته والرهبانيّة أمه. مرض في السنين الأخيرة من حياته فكان يصبر ويبتسم. وبقي مواظبًا على أعماله الاعتياديّة في البريد وضبط الحسابات والاهتمام كلّ يوم بعد الظهر بغرس الأشجار وتحسين الأراضي. وتوفّي هذا الأب الذي كان يحبّ الصلاة والسلام عندما كان يقيم القدّاس الباكر الهادئ في ١٤ كانون الأوّل ١٩٦٨ وأُقيم له جنّاز حافل تكريمًا لرجل كان مخلصًا لربّه ولأمّه الرهبانيّة.

الأب موسى كايد

ولد في 28 آب سنة 1893 في بلدة تبنة في حوران من أبوين صالحين وتربّى في بيت عَرف سكّانه شظف العيش والعمل الدائب في الأرض، وعاشوا في جوّ إيمان ورثوه عن أجداد وآباء حافظوا عليه رغم مُضايقات كثيرة وعذابات لا تُحصى. وأتى إلى دير المخلّص على مثال كثير من سكّان تلك المنطقة التي كانت وما زالت منبت آباء مخلّصيّين كثيرين صالحين وعاملين. وكانت أيّام دراسته في الإكليريكيّة كأيّام طفولته وفتوّته حافلة بالصعاب وبشظف العيش والحرمان بسبب الحرب الكبرى الأولى. وكان يذكر مرارًا فضل الرهبانيّة العميم، لأنّها رغم ضيق الحرب وشدّتها أبقت الإكليريكيّين في الدير وحوّطتهم بالعناية والرعاية. وأخذ يترقّى في مراقي العلم والكمال فرأى رؤساؤه أنّه أهل للدخول في سلك الرهبنة والكهنوت فنذر نذوره الأولى في 20 آذار سنة 1910 ونذوره الاحتفاليّة في 24 أيار سنة 1915 وهي سنة الجراد الزاحف بكثرة، وسيم كاهنًا في 11 تموز سنة 1920.

ومنذئذٍ بدأ حياة الجهاد والعمل والخدمة في سبيل الرهبانيّة والنفوس. وكان في كلّ هذه المهمّات المختلفة، سواء في الرعايا أو في الأديار ناريّ الطبع، شديد الحماس، كثير وعظيم الغيرة والنشاط، ممتازًا بإخلاصه للرهبانيّة ولمبادئ حياته الرهبانيّة والكهنوتيّة، وممارسًا واجباتها بكلّ بساطة وتدقيق. وقد شاهد فيه كثيرون صورة من صور الرعيل المخلّصّي الأصيل، أمثال البطريرك إكلمنضوس بحّوث، والأب بشارة أبو مراد والأب جرجس فريجات وغيرهم. وقد أقرّ بذلك ضيوف ألمان أتى بهم المطران لطفي لحّام لتصوير فيلم عن دير المخلّص فدهشوا من منظر غرفته البسيطة والفقيرة الأثاث وشُدهوا بشخصيّته الرهبانيّة وبحياته القانتة ولباسه الفقريّ فقالوا عنه إنّه إيقونة حيّة تشبه صور الآباء النسّاك الذين عاشوا في البراري والمناسك والمغاور. يُضاف إلى ذلك محبّته للصلوات الطقسيّة، والاحتفالات الدينيّة، والليتورجيا الإلهيّة. وقد شاهد كثير من الرهبان والإكليريكيّين اهتمامه بالتدقيق بالرسوم الطقسيّة، وغيرته على القراءة الجيّدة، والترنيم الحسن الإيقاع. وكان لا يترك مجالاً، وهو يحضر الصلاة لأحد غيره للقيام بهذا الواجب العذب على قلبه بصوته الجهير وحماسه البالغ.

عرّف الأب موسى عن نفسه بأنه فلاّح. وفي الحقيقة أحبّ الأرض، وعمل فيها، واهتمّ بها. وقد وكلت إليه الرهبانيّة عدّة وظائف تتناول إدارة الأملاك والأرزاق والخدم الديريّة، فكان من سنة 1920 حتى سنة 1927 في إدارة العنابر والكلار وفي مناظرة التلاميذ في الإكليريكيّة. ونراه وكيلاً عامًا في دير المخلّص سنة 1930، ثمّ وكيلاً للرهبانيّة في زحلة سنة 1943، ثمّ رئيسًا لدير عين الجوزة سنة 1946، ثمّ رئيسًا لدير عمّيق في عدّة مجامع من سنة 1949 حتى سنة 1956. وفي تشرين الأوّل سنة 1972 عيّن رئيسًا لدير معلولا فلم يحتمل البرد القارس فاستعفى وقُبلت استقالته. وفي كلّ هذه الخدم كان نشيطًا، ومتواضعًا، وكريم اليد والقلب، محبًّا للأرض، غيورًا على الرزق والمال، يعمل بيده في الخدم الديريّة وفي الفلاحة وفي إدارة العنابر والكلار. ومرّة، حكى هو نفسه أنّه رعى الخنازير لعدم توفّر راعٍ لها. ولم يغب عنه لحظة الإخلاص والمحبّة لأمّه الرهبانيّة التي كان يحبّها ويغار عليها وعلى رزقها وأرضها وملكها.

وخدم الأب موسى النفوس في الرعايا بإخلاص وغيرة. فعرفته رعايا: راشيا الفخار سنة 1927، ومغدوشة سنة 1932، وصغبين ثمّ مار الياس "الضيعة" في زحلة سنة 1934، ثمّ مغدوشة من جديد سنة 1936 ثمّ الفرزل سنة 1957، وكلّ القرى المجاورة لدير المخلّص ولدير عميق ولدير عين الجوزة كصغبين، وباب مارع، وكفرقطرة والمحتقرة وقتالي وخربة بسري وغيرها، فكان الراعي الغيور، والمتطلّب والذي يريد علاقة وثيقة وظاهرة مع الله والكنيسة. ولم يستنكف كما حكى أهل الفرزل ومغدوشة أنّه عند قرع الجرس لإعلان بدء القداس كان يطوف على القهاوي والمنازل ويضطرّ الناس أحيانًا بقسوة لحضور القدّاس.

وعاش في السنين الأخيرة في دير المخلّص، وبعد تهجير سنة 1985 في دير الرسول يوحنّا الحبيب في جعيتا مثابرًا على الصلاة، لا يهمل فرضًا ولا يترك جزءًا أو حرفًا منه؛ وكانت صومعته محجّة يأتي إليها الرهبان والعلمانيّون فيستقبلهم ببشاشة وبمحبّة ويستضيفهم بكرم، ولم يأخذوا منه خبرات علميّة أو ثقافيّة، بل شاهدوا بأمّ أعينهم إيقونة حيّة تمثّل لهم الحياة الرهبانيّة المخلّصيّة الأصيلة والساطعة الضياء، وتلقي عليهم مثائل مفيدة ومؤثّرة في حياتهم عن محبّة الصلاة واحترام السلطة، والإخلاص للرهبانيّة ولأبنائها، وكانت تؤثّر في القلوب بقدر ما كانت متجسّدة في حياة هذا الراهب.

هذا الراهب الذي أخلص للرهبانيّة، أخلصت الرهبانيّة بدورها ووفّرت له خدمة ممتازة في شيخوخته. فمات قرير العين، مرتاح البال ينعم بدفء محبّة إخوته وأقاربه وأصدقائه، وينعم الرهبان بدورهم ببركته وصلاته وأدعيته. كان في شيخوخته خير محرّض على التقوى، وخير عامل على بثّ الروح الرهبانيّة وعلى بعث محبّة كاملة لله وللقريب. واستمرّ صحيح البنية. جهير الصوت وقد بلغ السادسة والتسعين وهو في كمال وعيه وذاكرته. وفي السنة الأخيرة من حياته ضعف جسمه فرسب إنّما لم يضعف عقله، واستمرّت الرهبانيّة تغدق عليه محبّتها إلى أن توفي في 23 كانون الأوّل سنة 1988 في دير القدّيس يوحنّا الحبيب في جعيتا. فوُلد في السماء مع ولادة يسوع على الأرض لخلاص العالم. ودُفن في مدافن كنيسة سيّدة العناية في بيروت. وبموته يغيب عن الرهبانيّة المخلّصيّة رمز من رموز الحياة الفضلى التي أتقن أصولها وعرف أبعادها الحقيقيّة، وعاش خبراتها كوكبة مترابطة وكثيرة الحلقات من الآباء المخلّصييّن الأبرار والصالحين. ولقد كان الأب موسى دون شكّ واحدًا من ذلك الرعيل المخلّصيّ الأصيل.

الأب إغناطيوس ضاهر

        وُلد في عين قنية بانياس، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢١ تشرين الأوّل ١٩١٧، ثمّ سيم كاهنًا في ١١ تموز ١٩٢٠، عُيّن ناظرًا في المدرسة ثمّ وكيلاً للمؤونة في الدير. انتقل سنة ١٩٢٣ إلى دير الابتداء ناظرًا ومرشدًا فامتاز بغيرته وروحه الطيّبة، كما امتاز بسيرته الفاضلة وعبادته للقدّيسة تريزيا الطفل يسوع. وكان مثلاً حيًّا للمبتدئين علّمهم في حياته اليوميّة أسمى الفضائل الرهبانيّة. وهذا الأب له فضل كبير في توجيه المبتدئين التوجيه الصحيح في حقيقة التقوى. وقد علّم كيف تكون المحبّة عطاء، وكيف تكون التقوى فرحة مبتسمة، فقد كان يعيش بفرح داخليّ دائم ينعكس على وجهه ابتسامة وعلى لسانه كلامًا لطيفًا، وكان يحبّ النكتة ويروي للمبتدئين أحاديث كثيرة عن القدّيسة تريزيا الصغيرة التي كان يراسل شقيقتها سيلين الباقية على قيد الحياة. وهو الذي ملأ الدير من صورها، ومات وصورتها بين يديه يناجيها ويتبرّك بها لتأتي إلى نجدته في ساعاته الأخيرة. أُصيب بالتهاب الزائدة فتوجّه إلى بيروت للمعالجة، لكنّه توفّي سنة ١٩٣١ مأسوفًا على شبابه وفضيلته، وقد وقع خبر وفاته على آباء الرهبانيّة وعلى المبتدئين خصوصًا وقع الصاعقة فبكوه بكاء مرًّا وشعروا بفراغ مَن فقد أباه وأمه لمزيد حنانه وعطفه عليهم. وقد كتب سيرة حياته الأب يوسف بهيت المخلّصيّ.

الأب بطرس لقيس

        وُلد في جون وتعمّد في ٣ نيسان ١٨٩٥، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢١ تشرين الأوّل ١٩١٧ وسيم كاهنًا في ٢ كانون الثاني ١٩١٩ وبقي مناظرًا في المدرسة إلى أن توفّي بذات الرئة سنة ١٩٢٠، كان ذكيًّا، فاضلاً، غيورًا.

الأب بولس منذر

        هو إبراهيم بن يوسف بشارة المنذر، وُلد في كفرقطرة قرب دير القمر في ١٨ كانون الثاني ١٨٩٢، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢١ تشرين الأوّل ١٩١٧ وسيم كاهنًا في ١١ آذار ١٩٢٣، لبث مدّة من الزمن يقوم ببعض الخدم في الدير ويناظر الطلاّب في دير السيّدة والإكليريكيّة المخلّصيّة. ثمّ بدأ خدمة النفوس فاشتهر بإدارته للمدارس في شفاعمر والناصرة وصور وحيفا حيث بقي مديرًا للمدرسة وكاهنًا للرعيّة في محطّة الكرمل من سنة ١٩٣٢ إلى سنة ١٩٤٥ وقد أحسن الخدمة وعمل كثيرًا في سبيل النفوس، وقد طبع في هذه الأثناء حياة الأب ميخائيل سرحال المخلّصيّ الذي كان زميلاً له في الخدمة في حيفا، وكتاب صلوات طقسيّة وكتاب التعليم المسيحيّ في ثلاثة أجزاء وكتاب أخويّة القدّيسة تريزيا وكتاب الاستعداد للمناولة الأولى. وقد هدف الأب منذر من وراء ذلك تعزيز الروح المسيحيّة بين الشعب. سنة ١٩٤٩ ذهب إلى الاسكندريّة لخدمة النفوس ثمّ انتقل إلى رفيديا قرب نابلس. وفي مجمع ١٩٥٦ عُيّن رئيسًا في دير عميق فعمل فيه بجدّ ونشاط وزيّن الكنيسة ونظّم الدير، ثمّ ذهب لزيارة أهله في البرازيل ولبث متنقّلاً في أرجائها مدّة سنة عاد بعدها مريضًا. توفّي سنة ١٩٦١ ودُفن في دير المخلّص. له مخطوطات كثيرة في مكتبة دير المخلّص، وهي خلاصة ما سمعه أو قرأه في الكتب. وله ديوان زجل.

الأخ بندكتس قصرملّي

        وُلد في دمشق في ٥ كانون الأوّل ١٨٩٢، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٩ نيسان ١٩١١ رقد بالربّ بعد سنة واحدة من نذره بسبب التهاب في الزائدة. كان ذكيّ الفؤاد تقيًّا متعبّدًا خصوصًا للقدّيسة جما غلغاني. وقد تراءت له كما روى البعض ممّن حضروا نزاعه الأخير، وكثيرًا ما كان يلهج بذكرها قبل لفظه النفس الأخير.

الأب أنطون كيورك

        هو عبد الله بن سركيس كيورك وشفيقة نقاش. وُلد في دمشق في ٦ آب ١٨٩٦ وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢١ تشرين الأوّل ١٩١٧ وسيم كاهنًا في ١١ تموز ١٩٢٠، وعلّم في المدرسة الأسقفيّة بصيدا سنة ١٩٢٠ ثمّ في مدرسة دير القمر سنة ١٩٢٢ وفي مدرسة بعلبك سنة ١٩٢٥، وفي ١٩٢٥ أُرسل إلى عكّا فتنقّل بين حيفا وعكّا والرملة وكفرياسيف وعجلون. وفي سنة ١٩٢٨ عاد إلى التعليم في المدرسة البطريركيّة في الشام ثمّ في مدرسة دير المخلّص. انتقل سنة ١٩٣١ إلى الإسكندريّة مرشدًا لراهبات البيزنسون وكاهنًا للرعيّة ولبث هناك إلى أن أصابه شلل في يده. وقد عرف في هذه الخدمات كلّها بغيرته على النفوس واهتمامه بشؤونها الروحيّة ووداعة ودماثة أخلاقه. سنة ١٩٣٣ عاد إلى دير المخلّص نهائيًّا وبقي يمارس التعليم والإرشاد والتأليف وكان لا يضيّع الوقت فقد ترجم كتاب التعليم المسيحيّ للشرقيّين للكردينال غسباري في ثلاثة أجزاء، ثمّ كتابًا في الردّ على ترّهات العصر، وعرّب مقالة في انتقال العذراء للأب داود الخوري المخلّصيّ، كما نشر كراريس مختلفة قصد إذكاء التعبّد لقلب يسوع وللعذراء مريم ولسائر القدّيسين. وثابر في الدير على حضور الصلوات والتمارين العموميّة رغم أمراضه ووهن شيخوخته. في الأشهر الأخيرة من حياته لازم الفراش وتوفّي سنة ١٩٦٠ في دير المخلّص.

الأب جبرائيل مصوبع

        وُلد في جون في ١٠ كانون الثاني ١٨٩٦، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٥ آذار ١٩١٨ وسيم كاهنًا في ١١ تمّوز ١٩٢٠، بقي في المدرسة المخلّصيّة سنتَين معلّمًا ومناظرًا، ثمّ أُرسل إلى حيفا وبقي فيها مدّة طويلة كاهنًا للرعيّة أو وكيلاً للرهبانيّة أو رئيسًا للمحكمة الكنسيّة. في هذه المهمّات المختلفة كان الكاهن الوديع والمتواضع. بعد النكبة الفلسطينيّة رجع إلى لبنان، فعُيّن سنة ١٩٤٩ نائبًا أسقفيًّا في دير القمر ثمّ نائبًا عامًّا في أبرشيّة صيدا في سنة ١٩٥٧، وبقي في هذه الوظيفة حتّى سنة ١٩٧١ وضع الكتب التالية: التعليم المسيحيّ للمناولة الأولى، كتاب التعليم الطقسيّ، كتاب خدمة القدّاس، فرض أخويّة سيّدة الكرمل وأخويّة الطفل يسوع. وفي آخر حياته ظلّ مواظبًا على بعض الأعمال في المطرانيّة إلى أن توفّي على إثر نوبة قلبيّة سنة ١٩٧٥، هذا الكاهن عُرف بطيبة القلب وعفّة اللسان والعمل بتدقيق ونظام.

الأب جورج صبرا

هو الأخ يوحنّا صبرا من شفاعمرو. تعمّد في 10 حزيران سنة 1894، وابتدأ في 18 أيلول سنة 1909. أبرز نذوره البسيطة في 20 تمّوز سنة 1912، والاحتفاليّة في 25 آذار سنة 1918. إرتسم شمّاسًا إنجيليًّا من يد السيّد أثناسيوس خرياطي في 18 نيسان سنة 1920، وكاهنًا في 11 تمّوز 1920 من يد سيادته، ودُعي جورج. أُرسل الى زحلة ثمّ الى الشام فحيفا، وبعد ذلك انتقل الى أبرشيّة صيدا، فتعيّن كاهن رعيّة في قيتوله، ثمّ استعفى منها وأُرسل من جديد كاهن رعيّة الى معاصر الشوف، ثمّ أُقيل منها وقضى نحو سنتين في المدرسة البطريركيّة مثل معلّم. ثمّ أُقيل وأُرسل الى أبرشيّة عكّا فسلّمه سيادة راعيها مدرسة الناصرة الجديدة ورئاستها. ثمّ تعيّن للخدمة في الرعيّة في صفد. ثمّ في أوائل سنة 1946 دُعي بأمر الطاعة فعاد الى الدير، ثمّ طُلب للخدمة في أبرشيّة عمّان أو شرقيّ الأردن، فأُرسل إليها بأمر الطاعة، وهناك أصابه في أصابع رجليه كلتيهما نوع من الغرغرينا، ممّا اضطرّ الى بتر الأصابع كلّها. ثمّ بعدها عاد الى الدير سنة 1950 وبقي فيه الى أن توفّاه الله في 5 آب سنة 1952.

الأب ميخائيل هبر

        وُلد في بسرين سنة ١٨٩٥ وبعد نذوره البسيطة في ١ كانون اثلاني سنة ١٩١٢ أرسلَته الرهبانيّة إلى رومة ليكمل علومه وهناك سيم كاهنًا في ٤ نيسان ١٩٢٠، بعد رجوعه إلى الشرق درّس في المدرسة المخلّصيّة علم الكتاب المقدّس واللغة اللاتينيّة وتاريخ الكنيسة والحساب والجغرافية. سنة ١٩٣٠ انتُخب معلّمًا للمبتدئين ثمّ عُيّن سنة ١٩٣٢ وكيلاً للرهبانيّة في رومة حيث مكث خمس سنوات انتقل بعدها إلى حيفا سنة ١٩٣٩ ثمّ إلى باب المصلّى في دمشق سنة ١٩٤٦. امتاز بمحبّته للجميع وغيرته وطبعه الهادئ وبشاشته الدائمة. ولمّا انتابَته الأمراض رجع إلى دير المخلّص، عائشًا بتقوى وصابرًا على الألم. رقد بالربّ سنة ١٩٥١ تاركا ذكرا طيّبًا.

الأب بولس غطّاس

        هو ابن غطاس الياس غطاس وعفيفة يوسف الحجّار، وُلد في مشغرة في ٣ آذار سنة ١٨٩٧، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١١ نيسان ١٩٢٠ ثمّ سيم كاهنًا في ١١ تموز ١٩٢٠ بقي في الدير مدّة بعد سيامته يتعاطى أشغالاً ماديّة كثيرة ومختلفة إذ كان ملمًّا بالميكانيك والتصوير ومحبًّا للشغل اليدويّ. ولمّا توفّي الأب نقولا برشا كاهن رعيّة مشغرة أُرسل مكانه إلى بلدته فلبث فيها سنتين عاد بعدها إلى الدير ليتابع عمله. أُرسل من ثمّ إلى القاهرة وكيلاً للرهبانيّة فحافظ على الأملاك بحرص. وفي أيلول سنة ١٩٤٣ انتخب مدبّرًا رابعًا وقيّمًا عامًّا وتجدّدت له هذه الوظيفة الأخيرة في مجمع سنة ١٩٤٩ وفي مجمع ١٩٥٦، من أعماله أثناء وكالته العامّة حفر البئر في بستان اليهوديّ الذي يخصّ الرهبانيّة في صيدا، وعمل سور لبستان الدامور وأصلاحه، ومدّ سطح السكرستيّا الشماليّة بالباطون وأصلاح دير عمّيق ومدّ سطوحه بالباطون المسلّح. وكان في كلّ هذه الوظائف الراهب الحريص على مصلحة الرهبانيّة القائم بالأشغال المتنوّعة بصمت وتؤدّة. وعلى أثر إصابته بسهم ناريّ دخل رجله في سنة ١٩٦٢ يوم انتخاب الأب سابا يواكيم رئيسًا عامًّا للمرّة الثانية أخذ يعاني من الأوجاع المبرّحة في رجليه. فلزم سنين طويلة دير يسوع الملك. ولم ينفعه كثيرًا سفره إلى أميركا لزيارة الأهل وللاستشفاء من الداء. في أيلول ١٩٧٣ زار أهله في مشغرة فأحسّ بوعكة صحيّة نقله على أثرها الأب يوسف يارد رئيس دير عين الجوزة إلى مستشفى الدكتور توفّيق رزق في بيروت، فتوفّي في ٢٠ أيلول سنة ١٩٧٣، وبموته فقدت الرهبانيّة رجلاً خدمها بإخلاص بما أُوتي من وزنات ومواهب. وكما نوّه المطران يوحنّا بسول الخوري في تأبينه له: بأنّه كان كاهنًا ممتازًا بوداعته ولطف معشره.

الأب أثناسيوس نونه

        ولد في دمشق سنة 1897، وتعمد في السنة نفسها. وبعد أن شبّ دخل الرهبانيّة مقتفيًا آثار كثير من الدمشقيّين الذين ساروا إلى ديار الربّ وألّفوا كتيبة كثيرة العدد، وافرة الخدمة للرهبانيّة وللنفوس على مثال المؤسّس الدمشقيّ المطران أفتيميوس الصيفيّ. وفي العامر تدرّج في السلك الرهبانيّ فابتدأ في 11 حزيران سنة 1911، ثمّ نذر نذوره الأولى في 26 كانون الأوّل سنة 1914 ثمّ نذوره الاحتفاليّة في 11 نيسان سنة 1920. ونظرًا لذكائه وتقواه أُرسل إلى روما للدرس في 22 كانون الأوّل سنة 1920. لكنه عاد لأسباب صحيّة في 15 حزيران سنة 1921. وسكن في الدير إلى أن سيم شمّاسًا إنجيليًّا في 23 كانون سنة 1922. واستمرّ يعلّم في الإكليريكيّة المخلّصيّة، ثمّ في المدرسة البطريركيّة في بيروت إلى أن سيم كاهنًا في 15 آب 1927. ويظهر أن سبب بقائه فترة طويلة شمّاسًا إنجيليًّا تعود إلى خلافه مع السلطة الرهبانيّة بسبب حدّة طبعه ودعمه للزيارة الرسوليّة في عهد الرئيس العامّ الأب باسيليوس شحادة، والذي أجّج لهيبها المطران أثناسيوس خرياطي مع نائبه العامّ الأب ألكسيوس شتويّ والأبوين المدبّرين جبرائيل بيطار ويوسف صابونجي، بمساندة من المطران مكسيموس الصايغ مطران صور ومن البطريرك ديمتريوس قاضي. بعد رسامته الكهنوتيّة أُرسل إلى دمشق كأستاذ في المدرسة البطريركيّة ثمّ كرئيس لمدرسة باب المصلّى في الميدان لأنّ الأنطش كان مُلكًا للرهبانيّة كما كانت أيضًا الوكالة المخلّصيّة في حارة الزيتون قرب كاتدرائيّة سيّدة النياح الكبرى، والتي بيعت مع كلّ أملاك الرهبانيّة في دمشق إلاّ بيتًا واحدًا في صفقة بيع قام بها الأب العامّ نقولا برخش لبناء دير الراهبات الجديد. وهذا دليل على أنّ خدمة بعض الرعايا الدمشقيّة، ومنها رعيّة سيّدة النياح في حارة الزيتون ورعيّة القدّيس جاورجيوس في «باب المصلّى» كانت حقًّا مكتسبًا وبعهدة الرهبان المخلّصيّين، كما تؤّكّد ذلك وثيقة اكتشفها الأب نونه نفسه، بسبب مساهمتهم بالعمل والمال في بناء كاتدرائيّة سيّدة النيّاح. وتشهد أيضًا وثيقة بناء الإكليريكيّة المخلّصيّة قرب جون التي دعمها الدمشقيّون فقد كتبوا أنّهم لن يرسلوا أولادهم ليتربّوا كهنة للطائفة إلاّ في الإكليريكيّة المخلّصيّة. ونرى أنّ هذه الحقائق أثّرت كثيرًا في نفس الأب نونه وطبعته بوسم خاصّ استمرّ يمتاز به كلّ حياته الرهبانيّة وهو محبّته لأمّه الرهبانيّة. وفي سنة 1932 وَكلت إليه الرهبانيّة الإشراف على دير معلولا بسبب عجز رئيسه الأب يوسف فرنسيس، ثمّ على وكالة الشام بسبب عجز الوكيل الأصيل أيضًا الأب نقولا أشقر. وفي سنة 1934 عُيّن كاهن رعيّة باب المصلّى في الميدان في دمشق، ووكيلاً لأوقاف الرهبانيّة فيها، فحرص على المحافظة عليها وكانت تعدّ، حسب الوثائق التي تركها وكلاء الرهبانيّة، ومنهم الأب بوليكربوس وردة، 62 مفتاحًا ولم يبق منها إلاّ البيت الذي أوصى به خليل بك معتوق وأقاربه للرهبنة، وسكن فيه فيما بعد الوزير جورج شلهوب الذي ساعد كثيرًا لإيصال الطريق إلى دير معلولا الذي أصلحه ونظّمه الأب ميشال زعروره رئيس دير القدّيسين سرجيوس وباخوس في معلولا. ويُعرَف اليوم بالوكالة المخلّصيّة، أو بمركز الرهبانيّة المخلّصيّة في حارة «الخضر» في الشام. وفي سنة 1942 نجح الأب نونه بمهارة فائقة إذ حوّل تركة ماري غرة شقيقة الأب فيليبّس غرة المشهور ومن الإكليروس البطريركيّ إلى الرهبانيّة المخلّصيّة. وكانت تضم بستانًا واسعًا في دمّر، وبيتًا كبيرًا في حارة الزيتون، وأثاثًا ثمينًا وفاخرًا ومنه بعض السجّاد العجميّ وبعض الأواني الصينيّة الصنع وبعض المزهريّات المميّزة بنقوشها وألوانها، والتي كانت تُعرض في العامر في الأعياد السيّديّة المهمّة. وكانت صفقة تجاريّة رابحة ومهمّة خسرتها البطريركيّة. فغضب وثار المطران أنطونيوس فرج، النائب البطريركيّ العامّ في دمشق، فطلب نقل الأب نونه من دمشق. لكن الرهبانيّة، وكان رئيسها العامّ آنئذٍ الأب نقولا برخش وقفت إلى جانب الأب نونه وأصرّت على بقائه ودعمه ورفضت نقله حفاظًا على كرامة ابنها. فرفع الأمر إلى الزيارة الرسوليّة فدعم البطريرك كيرلس مغبغب رئيس الزيارة الرسوليّة آنئذٍ موقف الرهبانيّة. فرفع الأمر من جديد إلى الكرسي الرسولي، فأمر بسبب حبّه للسلام والوفاق، وبسب رغبته في تخفيف عدد المشاكل على البطريرك كيرلّس مغبغب الذي تألّب عليه وتحالف الأساقفة الذين لم ينتخبوه بطريركًا بقيادة المطران مكسيموس الصائغ على محاربته ومعاكسته، على تلبية المطران فرج. لكنّ الرهبانيّة قبلت أمر روما إنّما أبقت الأب نونه رئيسًا لدير معلولا ووكيلا لأوقافها في دمشق. ونشيد هنا للذكرى والتاريخ بالأب نونه فإنّه لمحبّته للرهبانيّة كان يرفدها كلّ سنة بعدد من الطلاب الدمشقيّين ومن البلدات القريبة إلى دمشق لينضمّوا إلى صفوف الإكليريكيّين في مدرسة دير المخلّص. وقد نجح في هذا المسعى الحسن. ونعدّ بين هؤلاء الذين أرسلهم: المطران فرنسوا أبو مخ والمطران جورج كويتر والآباء أنطون معلم وميشال صاد وميشال بطرس ونقولا كناكري وميشال عشّي والياس كويتر وحبيب كويتر وميشال زعرورة وغيرهم، وعدد كبير من الراهبات المخلّصيّات في فرعهن الجديد.

        في سنة 1943 انُتخب الأب نونه وكيلاً للرهبانيّة في بيروت، ثمّ نقل كوكيل إلى صيدا في سنة 1949. وفيها حصل خلاف بينه وبين بعض المستأجرين ومنهم آل نعسان المستأجرين لأحد البيوت من أملاك الرهبانيّة، بسبب حرصه على حقوق الرهبانيّة وكرامتها. ثمّ نقل سنة 1956 إلى روما كوكيل للرهبانيّة وللبطريرك. وعلى أثر تبرّع الكرسيّ الرسوليّ بالمال اللازم لبناء الوكالة في حي Cavallotti، بعد أن خسرت الرهبانيّة المال الذي ربحه الأب إكليمنضوس بردويل من الحكومة الايطاليّة وهو ستة عشر مليون لير إيطالي نتيجة للدعوى التي أقامها ضدّها لوضع يدها قسرًا على عقار خاص بالرهبانيّة، اهتم الأب نونه بالبناء وأشرف عليه. وعلى أثر هذا الانجاز انتُخب مدبرًا في مجمع سنة 1962. ولكثرة عمله وسهره أثناء العمل وتعبه مرض لكنّه شُفي بعد عمليّة جراحيّة ناجحة وفرح بالسكنى في البيت الذي تعب كثيرًا حتّى قام وارتفع. لكنّ السلطة الرهبانيّة في عهد الرئيس العامّ الأب أديب بدوي أمرته بالانتقال من روما إلى لبنان سنة 1969 فثار وغضب وخرج لبعض السنين من الرهبانيّة بسبب هذا السلوك الذي رآه الأب نونه مجحفًا بكرامته، وغير مبرّر بأسباب وجيهة. لكنّ الرهبانيّة عادت وحضنت الأب نونه لمعرفتها أنّه كان يختلف مع الجميع بسبب حبّه وحرصه على كرامتها وكرامة أبنائها. فعيّن وكيلاً للرهبانيّة في بيروت سنة 1976 ثمّ تجدّدت له المهمة في سنة 1978. وعند اندلاع الحرب اللبنانيّة، وكانت الوكالة المخلّصيّة على «خطوط النار» استمرّ ساكنًا فيها متحملاً الجوع والخوف والقصف الذي أصابها مرارًا. ورغم الضيق الذي أصاب كلّ سكّان تلك المنطقة بسبب الخطر المحدق بها استمر في وظيفته، ولم يترك لحظة البيت المعرّض دومًا للقصف والدمار. وقد نجاه الله من مخاطر كثيرة، وهكذا نجت الوكالة المخلّصيّة في «سوق النجارين» من الاحتلال والنهب والسرقة والخراب.

        نذكر عن هذا الكاهن أنّه كان بارعًا في اللغة الفرنسيّة فكتب فيها بلغة أدهشت كثيرين. ومن كتبه حقائق وأنوار (المطبعة المخلّصيّة سنة 1951)، وكتاب Les deux Amours وهو من تأليفه  تحت اسم A. Le Petit وكتاب Lettres à une jeune fille (المطبعة المخلّصيّة 1951). وفي كلّ هذه كان يعالج بصراحة وجرأة مشاكل الفتاة العصريّة والزواج وكانت كثيرة وملحّة.

        لبث وكيلاً للرهبانيّة في بيروت حتّى آخر يوم من حياته، ولبث يعمل رغم تقدّمه في السنّ، إلى أن عجز بسبب أمراض كثيرة فنُقل إلى مستشفى القدّيس جاورجيوس في عجلتون، حيث توفّي في 5 نيسان سنة 1992، وهو في الخامسة والتسعين من عمره. ونُقل إلى دير المخلّص ودُفن في الكمنتير. وهكذا طُويت صفحة تاريخيّة مهمّة وهي صفحة كاهن أحبّ الحقيقة ودافع عنها بجرأة وبقوّة، وأحبّ الرهبانيّة وأخلص لها وعمل لأجل أن يستتبّ فيها النظام والعمران والعدالة والمحبّة. ولهذا خاصمه كثيرون ونبذه البعض، ولهذا عاش أيضًا في بُعد حقيقيّ عن الجماعة بسبب ما عانى من معاكسة وضيق وبسبب طبعه القاسي. إنّما لا يزال ذكره حيًّا في قلوب كثيرين بسبب إخلاصه للرهبانيّة ومحبّته لها ولأبنائها وعمله النافع في سبيل ازدهارها وعمرانها.

الأب جورج غبريل

        هو ابن سليم غبريل وملكة الكلّي، وُلد في صيدا في ٢٠ كانون الأوّل ١٨٩٨، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١١ نيسان ١٩٢٠ وسيم كاهنًا في ٢٥ نيسان ١٩٢٦، لبث في المدرسة وفي دير السيّدة معلّمًا ومناظرًا غيورًا وقدوة صالحة للطلاّب الإكليريكيّين. في سنة ١٩٣٤ أُرسل إلى دمشق ورغم أنّه لم يلبث طويلاً فيها تعلّق به الشعب لِما رأوا فيه من الغيرة والنشاط. في سنة ١٩٣٦ أُعيد إلى المدرسة المخلّصيّة لكي يكون مناظرًا فيها، ثمّ نُقل إلى المدرسة البطريركيّة في بيروت. في سنة ١٩٤٠ عُيّن معلّمًا للمبتدئين، وفي سنة ١٩٤٩ رئيسًا للمدرسة وفي سنة ١٩٥٢ وكيلاً للرهبانيّة في الشام وخادمًا للرعيّة في القصّاع، وفي سنة 1953-١٩٥٨ مرشدًا عامًّا للراهبات المخلّصيّات. سنة ١٩٥٩ وكيلاً في صيدا وكاهنًا للرعيّة فيها، سنة ١٩٦٢ عاد إلى الشام كاهنًا للرعيّة في القصاع. سنة ١٩٦٤ رئيسًا للمدرسة وفي سنة ١٩٦٥ عاد إلى الشام لثالث مرّة، وفي سنة ١٩٧٠ عيّنه الكرسي الرسوليّ مدبّرًا عامًّا للراهبات. وفي سنة ١٩٧٥ عُيّن وكيلاً في بيروت. وكانت هذه الخدمة آخر المطاف في خدمته للرهبانيّة. وفي كلّ هذا قاد الأب غبريل جمهرة كبيرة من الرهبان والراهبات إلى الكمال، ويصحّ فيه قول السيّد أنّه علّم وعمل. فكان مثال التقوى والصلاة المتواصلة والبرّ. إنّه لم يرفض الوظائف الرهبانيّة لكنّه لم ينجح في كلّ المهمّات. هو راهب قانت ورجل صلاة أكثر ممّا هو الإداريّ الممتاز. ورغم ذلك أحبّه الجميع لفضيلته وإخلاصه، فإنّه لم تغب لحظة عن باله مصلحة الرهبانيّة التي كان يفضّلها على كلّ مصلحة. ولمّا عُيّن سنة ١٩٧٥ وكيلاً للرهبانيّة في بيروت قاسى الأهوال ثمّ استعفى وعاد إلى الدير يهتمّ بالشيوخ والمرضى والكنيسة وأمانة السرّ. يخدم بتواضع وببشاشة ويصلّي باستمرار. وفي صباح عيد خميس الجسد، بعد أن اهتمّ بتطواف القربان في دير المخلّص والمدرسة ودير الراهبات، أراد أن يقوم ببعض التنظيفات فوق درج المائدة فزلّت به قدمه من كوّة سطح الدرج الزجاجيّة فسقط صريعًا يتخبّط بدمه، وكانت ضربة قاضية فارق على إثرها الحياة. وقد حزن الجميع لذهاب هذا الكاهن الفاضل الذي يمثّل رعيل الآباء المخلّصيّين القدماء الذين امتازوا بالتقوى والنسك والخدمة المُخلِصة.

الأب متري نعمة

        وُلد في خربة قنفار البقاع سنة ١٨٩٩، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٨ كانون الثاني ١٩٢٢ وسيم كاهنًا في ٢٥ آذار ١٩٢٦ وبدأ منذئذ حياة الجهاد في سبيل النفوس والرهبانيّة. بقي في المدرسة المخلّصيّة ودير السيّدة معلّمًا ومناظرًا ثمّ عُيّن سنة ١٩٣٠ مرشدًا للمبتدئين وفي سنة ١٩٣٤ انتخب رئيسًا لدير السيّدة فعمل على إصلاح الكنيسة بمساعدة الآباء المخلّصيّين المغتربين واعتنى بإصلاح الأرض. بعد ذلك خدم الرهبانيّة وكيلاً في صيدا سنة ١٩٤٠، ورئيسًا لدير عين الجوزة سنة ١٩٤٣ ورئيسًا رهبانيًّا في زحلة ١٩٤٩، ورئيسًا لدير المزيرعة سنة ١٩٥٢، ثمّ انتقل إلى خدمة الرعيّة في القصاع دمشق سنة ١٩٥٣ وإلى خدمة الرعيّة في صيدا سنة ١٩٦١، اشتهر في كلّ حياته وخدمته بروحه الرهبانيّ وتجرّده وغيرته على النفوس وطيبة قلبه. وقد ترك ذكرا طيّبًا حيث خدم. عاد إلى الدير سنة ١٩٦٣ على أثر اشتداد المرض عليه وأخذ يعيش الحياة الرهبانيّة التي كان يحبّها بكلّ تدقيق وفرح إلى أن ساءت صحته فأُخذ إلى المستشفى، لكنّه يومًا وُجد ملقى على الأرض في ممشى الخشب وبعد ساعات رقد بالربّ سنة ١٩٦٨.

الأب غريغوريوس حايك

ولد في 1 أيلول سنة 1900 في بلدة كفرنبرخ القريبة إلى المختارة عرين الشوف وإلى دير القمر. وأتى إلى دير المخلّص وهو صغير السنّ، وبدأ يتدرّج في مراقي الكمال وفيه تلقّي العلوم على أيدي كهنة أعلام ومشهورين كالأبوين يوسف صابونجي ويوسف يواكيم. وكان رئيس الإكليريكيّة آنئذٍ الأب أثناسيوس خرياطي الذي شهد له فيما بعد الأب حايك وغيره بأنّه أحسن في الإدارة، وأشاع الفضيلة، وبعث نهضة في الإكليريكيّة تناولت كلّ المجالات. ولاح على الطالب الفتى سمات ذكاء نادر فقرّر الرؤساء إرساله إلى معهد القدّيس أثناسيوس في روما، بعد نذوره الأولى في 21 تشرين الثاني سنة 1920 لإكمال دراسته الفلسفيّة واللاهوتيّة. وقد عُرف في أثناء دراسته بجودة العقل وحدّة الذكاء حتّى فاق جميع رفاقه. وقد برع وحلّق حتّى نال شهادة الملفنة في اللاهوت والفلسفة. وفي مدّة إقامته في روما نذر نذوره الإحتفاليّة في 12 آذار سنة 1922 ثمّ ارتقى إلى درجة الكهنوت في 17 نيسان سنة 1924.

في مبادئ حياته الكهنوتيّة، استدعاه سنة 1925 البطريرك ديمتريوس قاضي ليكون كاتم سرّه، وقد تجدّدت له هذه الوظيفة في عهد البطريرك كيرلّس مغبغب، فرافقه في مبادئ بطريركيّته الصعبة ودعمه تجاه الأساقفة الذين لم يرضوا بانتخابه وقاوموه. وقد استعفى من هذه المهمّة سنة 1930 فعاد إلى الدير وتعيّن معلّمًا للاّهوت النظريّ والحقّ القانونيّ واللغتين الفرنسيّة واليونانيّة. ويعود للأب حايك فضل كبير في تخليص الرهبانيّة من الزيارة الرسوليّة التي رئسَها مدّة من الزمن المطران مكسيموس الصائغ أسقف صور ثمّ في تكليف البطريرك كيرلّس مغبغب برئاستها بعده. وهكذا تخلّصت الرهبانيّة من ضمّ الرهبانيّات الباسيليّات الملكيّات بعضها إلى بعض وتوقيف الابتداء في الرهبانيّة المخلّصيّة، ووضع اليد على دير عين الجوزة وأرزاقه ليكون مشروعًا زراعيًا بإشراف الزيارة الرسوليّة وبإشراف رزق الله نور من صور صديق المطران مكسيموس الصائغ.

عيّن بعدئذٍ سنة 1932 كاتمًا لأسرار المطران نيقلاوس نبعة مطران صيدا ودير القمر، ثمّ رئيسًا للمدرسة الأسقفيّة في صيدا سنة 1933. وعندما أراد البطريرك كيرلّس مغبغب تجديد الكليّة البطريركيّة في بيروت عهد إلى الرهبانيّة المخلّصيّة سنة 1935 هذا الأمر لمدّة عشر سنوات. فعيّنت الرهبانيّة الأب حايك رئيسًا للمدرسة يعاونه الأبوان العالمان غريغوريوس فرحات وبولس سويد ودامت رئاسته حتّى سنة 1941. وهكذا عادت الحياة إلى هذا المعهد الذي كما كتب الفيكونت فيليب دي طرازي أعطى البلاد العربيّة نخبة ممتازة من الأدباء والشعراء والإداريّين اللامعين والسياسيّين الماهرين. وهذا النجاح الذي عاد إلى المدرسة البطريركيّة في بيروت حمل البطريرك مغبغب إلى تكليف الرهبانيّة المخلّصيّة بإدارة المدرسة البطريركيّة في الشام بعد أن تركها الآباء البولسيّون. وقد أسندت إلى الأب غريغوريوس فرحات، مع الأبوين ميشال بطرس ونقولا نصرالله المخلّصيّين.

تعب الأب حايك من الإدارة فعاد إلى دير المخلّص لخدمة الرهبانيّة فمكث فيه يعلّم الإكليريكيّين العلوم اللاهوتيّة، ويرشد، ويساعد في تحرير الرسالة المخلّصيّة وفي تجديد القوانين وفي كشف الحسابات وفي مساعدة الإدارة بما أوتي من مواهب مختلفة ووزنات كثيرة. ونراه بين سنة 1942 و 1946 في لجنة فحص المرشّحين للكهنوت، وبين سنة 1943 – 1945 في لجنة صياغة فرائض جديدة، وبين سنة 1945 و 1946 كاتم أسرار الرئاسة العامّة. وفي هذا كلّه كان الأستاذ البارع، والكاتب النحرير، والراهب الذي يلمّ ويفهم كلّ شاردة وواردة في الرهبانيّة. وهذا ما حمل الرهبانيّة سنة 1947 إلى إسناد وظيفة الوكيل العامّ لدى الكرسيّ الرسوليّ إليه. وفي أثناء هذه المهمّة ساعد كثيرًا في سَنّ فرائض سنة 1956 ورافق الرئيس العامّ الأب نقولا برخش في رحلته إلى أميركا سنة 1952 لتأسيس مراكز رهبانيّة فيها، وساعد كثيرًا الأب برخش لتأسيس فرع جديد للراهبات المخلّصيّات، ولتأسيس إرساليّة الزرقاء، ومركز ميثون الرهبانيّ. وفي هذا كلّه كان العقل المفكّر، وصاحب الرأي الصائب، والراهب العامل لخدمة الرهبانيّة ولمصالحها.

وهب الله الأب حايك ذكاءً نادرًا فانصبّ إلى المعرفة، وأتقن الثقافة، وفهم السياسة. وكان يستوعب بسرعة المشاكل والمسائل المختلفة، وكان يحلّها بسرعة فوقع مرارًا في الخطأ. ووهبه الله أيضًا عاطفة قويّة جيّاشة طغت على تفكيره وشخصيّته فوقع أيضًا في شرك خباثة الناس وسوء نواياهم وشرّ مقاصدهم الملتوية.

فقد حدث في روما أن أمر الدوتشي موسوليني بوضع اليد على بعض ممتلكات الرهبانيّة مع الوعد بالتعويض بسبب قراره شقّ شارع واسع لاستقبال الفوهرر هتلر. لكن بسبب الحرب الكبرى التي اندلعت سنة 1939 أُلغي المشروع. فسعت الرهبانيّة لتحصيل التعويض المستحقّ عن الهدم، وكلّفت لهذا الغرض الأب العلاّمة والمحامي الماهر الأب إكلمنضوس بردويل، الواسع الشهرة بتضلّعه في القانون وفي إحقاق الحقّ، والذي أبلى البلاء الحسن في تخليص أملاك أبرشيّة مرجعيون الملكيّة من يد مغتصبيها. فحصل من الحكومة الإيطاليّة على مبلغ وافر من المال كتعويض عن الممتلكات المصادرة والمهدومة. واستلم الأب حايك هذا المبلغ الكبير، وهو وكيل الرهبانيّة لدى الكرسي الرسولي. وعندما عرف البعض بخبر هذا الكنز الثمين سارعوا فأوهموا الأب حايك وهو طيّب القلب سريع التصديق بضرورة وبحسنات شراء أراضٍ واسعة قائمة على ضفاف بحيرة في الجبال العالية ستكون في مخطط الحكومة مراكز اصطياف، تدّر، عند بيعها، بالمال الوفير على الرهبانيّة. واستساغ الأب حايك هذه الفكرة وتسرّع وقَبِل بالعَرْض فوضع المال كلّه في هذا المشروع. وبان، مع الوقت أن هذا المشروع هو وهميّ وخاسر وأنّه حِيكَ بخبثٍ ودهاء فوقع في أشراكه كثيرون. وهذا سبّب للرهبانيّة مشاكل عظيمة، وأوقعها في ديون باهظة. وعادت الرهبانيّة فكلّفت الأب إكلمنضوس بردويل تحصيل ما يمكن تحصيله. وساعد الكرسي الرسوليّ للتعويض عن هذه الخسارة الجسيمة فتعهّد بناء وكالة جديدة واسعة الأرجاء مكان الوكالة القديمة في شارع فليتشي كافالوتي لمساعدة الرهبانيّة في ضائقتها الماليّة ولتكون دخلاً ثابتًا يسدّ احتياجات الإكليريكيّة الكبرى. وهذا البناء الجميل والكبير قام بإشراف الأب أثناسيوس نونه وكيل الرهبانيّة في روما ولدى الكرسيّ الرسوليّ وهو الذي سهر عليه، ورتّب هندسته، ونظّم أجاراته.

بعد هذه المحنة القاسية اعتزل الأب حايك الخدمة العلنيّة وأتى إلى دير المخلّص. وفيه مارس الخدمات الكثيرة، فكان يعلّم ويرشد، ويكتب في المجلاّت واليوميّات، ويساعد في الإدارة وخصوصًا في ترتيب وتنظيم الزيارات الرسميّة ومنها زيارة الرئيس شارل حلو صديقه. وأشرف مدّة طويلة من الزمن في هذه الحقبة من حياته على حسابات القيّميّة العامّة وعلى حسابات دير المخلّص فكان دقيقًا، ساهرًا، منبّهًا إلى أمور كثيرة يجب التخلّص منها. إنّما عكف أكثر على الصلاة، فكان مستديم الصلاة، يحضرها باستمرار، ويؤمّنها في الدير العامر. وهكذا قضى السنين الأخيرة من حياته في عمل صامت وعزلة شبه دائمة مع إخلاص وتفانٍ مبديًا كلّ روح طيّبة واستعداد حسن لكلّ خدمة.

في السنين الأخيرة كثرت همومه وأمراضه. وكان يتناول الحبوب المنوّمة كثيرًا ممّا أضعف ذاكرته فعاش في شبه غيبوبة يقوم بكلّ الأعمال إنّما دون تركيز. وعندما حلّت النكبة السادسة في 28 نيسان سنة 1985 نزح مع سائر الرهبان إلى دير الرسول يوحنّا الحبيب في جعيتا. ثمّ نقل إلى دير يسوع الملك، وفيه قضى آخر أيّام حياته. وفي 17 تموز سنة 1985 رقد بالربّ فدُفن في مقبرة دير الراهبات اللبنانيّات المارونيّات المجاور لدير الرسول يوحنّا الحبيب. وهكذا ذهب كاهن لمع بذكائه النادر، وثقافته الواسعة، وسياسته المتميّزة، وخدم، على قدر استطاعته، بالوزنات التي كان يُرجى أن يستغلّها ويستثمرها أكثر، لخدمة النفوس والرهبانيّة.

الأب أفثيميوس سابا

        وُلد في قيتولي في ٢١ تشرين الثاني ١٨٩٩، أبرز نذوره الرهبانيّة البسيطة سنة ١٩١٧ ثمّ أُرسل إلى رومة لنباهته وفضيلته ليتخصّص بالعلوم الدينيّة فبرز هنالك ونجح ونال درجة ملفان في الفلسفة واللاهوت. وفي رومة نذر نذوره الاحتفاليّة في ١٢ آذار ١٩٢٢ ثمّ سيم كاهنًا في ٢٥ كانون الأوّل ١٩٢٧ ورجع إلى العامر فعلّم مدّة من الزمن اللاهوت الأدبيّ واللغة اليونانيّة وعزّز الترنيم الكنسيّ إذ عمل مع الأب كيرلّس حدّاد على ترتيب الأنغام البيزنطيّة وتنظيمها في اللغة العربيّة وطبع بعض الخدمات الطقسيّة ومنها خدمة عيد الجسد. إنتخب رئيسًا للإكليريكيّة المخلّصيّة سنة ١٩٣٠، وأثناء رئاسته شيّد البناء الجديد في المدرسة أيّ الدورتوار الكبير وجناح الآباء الغربيّ. وبعد سنتين فقط انتدب كاتمًا لأسرار البطريرك كيرلّس التاسع المغبغب وبقي في هذه الوظيفة إلى سنة ١٩٤٦ حاز خلالها على ثقة وتقدير كلّ المسؤولين الذين عاش معهم خصوصًا البطريرك مغبغب الذي كلّفه بأمور كثيرة مهمّة ومنها تحرير الرسائل البطريركية العامّة التي كان يتطرّق فيها إلى أمور دينيّة واجتماعيّة خطيرة. ثمّ أُرسل بأمر السلطة إلى خدمة النفوس في كنيسة سيّدة البشارة في بوسطن ماس على أثر وفاة الأب فلابيانوس الزهار المخلّصيّ، فقام بهذه الخدمة أحسن قيام وأصلح الكنيسة ولذا أحبّه الجميع لغيرته ولوداعته. في سنة ١٩٥٥ احتفى بالبطريرك مكسيموس الصائغ لمّا زار الأميركيّتَين حفاوة بالغة أدهشت البطريرك نفسه. وقد أنهكه التعب خصوصًا وأنّ مرض السكّريّ كان قد ألمّ به وقوي عليه، فتوفّي على أثر نوبة قلبيّة سنة ١٩٥٦، فأسف لوفاته الجميع، فقد ذهب كاهن امتاز بعلمه وبغيرته ووداعته ومحبّته للجميع. والرهبانيّة المخلّصيّة لا تنسى مساعداته ومنها الماليّة المختلفة ولا تنسى احتضانه لمؤسّسة ميثون وعطفه عليها لمّا نبتت وترعرعت، فقد بذل من ماله ووقته في سبيل إنجاح هذا المشروع الأميركيّ العظيم. له ترجمة ليتورجيّة القدّيس الذهبيّ الفم عن اللغة اليونانيّة إلى العربيّة وإلى الانكليزيّة.

الأب فيلبس يواكيم

       ولد في قيتولي في 17 شباط سنة 1898 وهو شقيق أصغر للمطران أفتيميوس يواكيم مطران زحلة والفرزل والبقاع. ودخل دير المخلّص حاملاً معه نفحات أسرة كريمة وتقيّة. وابتدأ في 9 تشرين الثاني 1913، ثمّ أبرز نذوره الرهبانيّة الأولى في 21 تشرين الثاني 1917 والاحتفاليّة في 17 نيسان سنة 1922 وسيم كاهنًا عن يد أخيه المطران أفتيميوس في زحلة في 21 آب سنة 1927.

وبدأ الخدمة في رعاية وعناية أخيه المطران في المدرسة الأسقفيّة في زحلة سنة 1927. ثمّ عُيّن في سنة 1929 خادمًا لرعيّة حارة مار الياس "الضيعة" في زحلة نفسها. وسنة 1934 اصطحبه شقيقه الأسقف إلى البرازيل لحضور المؤتمر القربانيّ في بوانس أيرس حيث مثّل الطائفة فيه وزار الجالية اللبنانيّة وخاصّة البقاعيّة لدعم مشروع مستشفى تل شيحا. بعد رجوعه بقي خادمًا لرعيّة مار الياس نفسها حتى 1946 حين نُقل من زحلة إلى الإسكندريّة ووكيلاً للرهبانيّة. عيّن سنة 1954 في الشام مع الأب متري نعمة في خدمة رعيّة القصّاع، فعرفه الجميع كاهنًا تقيًّا فاضلاً، ممتازًا بهدوء الطبع، ولطف الحديث، ودماثة الأخلاق. وأراد الالتحاق سنة 1956 برهبانيّة الآباء الترابستيين في اللطرون في فلسطين فترك رعيّة القصّاع. لكنه ما لبث أن عدل عن رغبته التي رافقته منذ زمن بعيد فعاد إلى القصّاع في 19 أيّار سنة 1972. وفي سنة 1957 نقل من جديد إلى الإسكندريّة ولم يلبث حتّى عاد إلى زحلة سنة 1960، ليكون قرب أخيه في رعيّة سيدة النجاة. وسنة 1971 استقال أخوه من إدارة الأبرشيّة فلازمه في زحلة إلى حين وفاته في 19 أيار سنة 1974. وعاد بعدئذ إلى دير المخلّص فاستراح قليلاً ثمّ أُرسل إلى القدس ليكون مرشدًا لراهبات المخلّص الإلهيّ في بلدة "الكُوبَيبة" قرب القدس، حيث للراهبات مأوى للعجزة يقمن بخدمته أحسن قيام. وفرح الأب فيلبس فقد تحقّق نوعًا ما حلمه القديم، قرب دير اللطرون الذي أراد أن يعيش فيه بنسك وصمت.

إشتهر هذا الكاهن طيلة خدمته الراعويّة بغيرته الهادئة، ومسالمته للجميع، وحبّه للسكينة والصمت. وكانت خدمته الأخيرة عند الراهبات الألمانيّات المبتغى الذي اشتهاه طيلة حياته، فعاش فيه منذ 1974 في صلاة دائمة، وقداسة سيرة واختلاء وصمت وتقوى راهنة أثّرت كثيرًا في قلوب وحياة الراهبات. وقد رفضن عندما أثيرت أمامهنّ مسألة مغادرته الخدمة عندهنّ بسبب الشيخوخة إلى دير المخلّص الذي كان يحنُّ إليه دومًا ويشتاق إلى العيش والموت فيه، قرب رفقاء الدرب الصالحين فاستجابت السلطة لطلبهنّ الذي عبّرن به عن تقديرهنّ لهذا الشيخ الجليل بسبب ما كان يشعُّ من شخصه من مهابة ووقار ونقاء سيرة وقداسة.

وكان أثناء خدمته للراهبات يساعد في الخدمة الروحيّة في بطريركيّة القدس بإشراف النائب البطريركيّ العام المطران لطفي لحّام المخلّصيّ. وقد قدّره سيادته أحسن تقدير واعتبره أشدّ الاعتبار، فأقام له اليوبيل الكهنوتيّ الذهبيّ ويوبيلاً آخر عند بلوغه سن الثمانين من العمر، وذلك تقديرًا منه لهذا الراهب الصالح.

وهوى أخيرًا بسبب الشيخوخة والعجز، فرقد بالرب في 10 أيلول سنة 1988. وأقيم له في كاتدرائيّة القدس مأتم خاشع بكى فيه إخوته والراهبات ومعارفه وخصوصًا النائب البطريركيّ العامّ كاهنًا وراهبًا مرّ مثل نسمة هادئة في خدمة النفوس والرهبانيّة.

الأب ميخائيل مقدسي

        هو ابن بطرس مقدسي، وُلد في يبرود في ٢ أيّار ١٨٩٨، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٧ نيسان ١٩٢٢ وسيم كاهنًا في ٢٥ نيسان ١٩٢٦، بدأ حياته بالتعليم في المدرسة المخلّصيّة وفي مدرسة الرهبانيّة والأسقفيّة في زحلة وفي المدرسة الأسقفيّة في صور سنة ١٩٣٠، ثمّ بدأ خدمة النفوس في الرعايا خصوصًا في أبرشيّة صور، فقد خدم في بلدة يارون سنة ١٩٣٣ وديردغيّا وعلما الشعب وقانا وبقي في آخر حياته مدّة طويلة تجاوزت العشرين سنة في ديرديغيّا. وكان راهبًا وديعًا طيّب القلب متواضعًا غيورًا على النفوس. في سنة ١٩٧٠ ضعف بصره واشتدّت عليه الأمراض فرجع إلى الدير يعاني آلام الأمراض والشيخوخة إلى أن توفّي على إثر نوبة قلبيّة شديدة الوطأة في صباح ٧ حزيران ١٩٨٢ إبّان الاجتياح الإسرائيليّ للبنان. نعِمَ هذا الكاهن في شيخوخته بعناية أمّه الرهبانيّة التي عوّضت بسخاء جزيل عن الضنك والتعب والفقر الذي احتمله في رعايا نائية وفقيرة وبعيدة عن الأضواء.