السنكسار الرهباني المخلّصي

للبحث عن الاسم المطلوب، إضغط ctr f

للبحث عن الاسم المطلوب،
إضغط على الثلاث نقاط في أعلى الصفحة واختر
Find in page
المطران باسيليوس خوري

     هو داود بن سليمان يوسف الخوري وزاهية موسى الخوري. ولد في صافيتا (سوريا) في 15 آب سنة 1900. وتربّى صغيرًا في بيت تقوى. ذَكر فيما بعد المطران باسيليوس بعض أعمال كان يقوم بها والداه عاملَين على ترسيخ التقوى في قلبه وفي قلوب إخوته وأخواته. وما لبث أن سمع نداء الربّ يدعوه إلى دير المخلَص فدخله في 7 تشرين الأوّل سنة 1912، وبدأ يتدرّج بالعلم والفضيلة الى أن أبرز نذوره البسيطة في 25 آذار سنة 1918 ثم نذوره الاحتفاليّة في 26 كانون الأوّل سنة 1922، وقد لاحظ الرؤساء عليه طيلة دراسته علامات الذكاء وإشارات التقوى فأرسلوه الى روما في 26 تشرين الأول سنة 1926 حيث قضى أربع سنوات عاد بعدها حاملا شهادة الملفنة في اللاهوت التي درس فيها قضية "انتقال العذراء مريم الى السماء". وفي روما ارتقى الى درجة الكهنوت في 26 أيار سنة 1928.

     عندما عاد من روما سنة 1928 بدأ خدمته للنفوس وللرهبانيّة في الإكليريكيّة المخلّصيّة فعلّم اللاهوت الأدبيّ، وأرشد الطلاب في الإكليريكيّة الصغرى، وألقى عليهم بعض الدروس في اللغات والعلوم المختلفة. وفي 25 آب سنة 1930 استدعاه البطريرك كيرلس مغبغب ليكون كاتم أسراره فلبث في المهمة، وكانت صعبة وشائكة حتّى سنة 1934. وقد كافأه على نشاطه في القيام بواجبه برفعه الى رتبة أرشمندريت. وفي 29 أيّار سنة 1934 عيّنته الزيارة الرسوليّة مدبّرًا رابعًا وانتُخب أيضًا رئيسًا للإكليريكيّة المخلّصيّة. في تلك الحقبة ظهرت مواهبه وتضحيته وغيرته على النفوس. ولم يكمّل المدّة القانونيّة كمدبر في الرهبانيّة وكرئيس للإكليريكيّة لأسباب كثيرة، ذكرت النشرات الرهبانيّة بأنها كانت صحيّة. لكنّ الخلاف كان قد استحكم بينه وبين الرئيس العامّ الأب نقولا برخش فاستقال سنة 1937 وقُبلت استقالته. وفي 9 تشرين الأوّل سنة 1938، استدعاه المطران أغابيوس نعّوم ليكون نائبًا عامًّا في أبرشيّة صور فخدم النفوس بكلّ أمانة وإخلاص، وعُرف بمواقفه الجريئة وعطفه على الفقراء والمعوزين خصوصًا إبّان الحرب الكبرى الثانية (1939-1945) حتّى لُقّب "بأبي الفرنك". ولم ينسَ الصوريّون حتّى اليوم الأب داود الخوري الغيور وهم يحفظون له أطيب الذكرى، خصوصًا يذكرون توزيعه الطحين والسكر والرز ليلاً على المعوزين والفقراء.

     وفي 4 أيلول سنة 1934، التأم المجمع العامّ في دير المخلّص، وكان أوّل مجمع حرّ من تعيين الزيارة الرسوليّة التي أُعلنت سنة 1924، فانتُخب الأب داود الخوري أبًا عامًّا مع الآباء يوسف بهيت وباسيليوس قسّيس واستفانوس يواكيم وبولس غطّاس كمدبرين. وكانت فترة رئاسته العامّة قصيرة، إنّما حافلة بالمشاريع كربط دير المخلّص بالهاتف، وحفر بئر أرتوازيّة مهمّة في بستان اليهوديّ في صيدا، والدعوة الى مجمع عامّ لدرس الفرائض، وشراء بساتين في الدامور. إنّما حفلت أيضا بالمشاكل بسبب الحرب الكبرى الثانية (1939-1945)، وما خلّفته من فوضى واضطراب وبلبلة، ممّا أثّر كثيرًا على إدارة الأب العام داود الخوري للرهبانيّة. وعلى أثر وفاة المطران نيقلاوس نبعة مطران صيدا ودير القمر وما إليهما انتُخب الأب داود خلفًا له وتمّت سيامته الأسقفيّة في القاهرة في 25 آذار سنة 1947 ودُعي باسيليوس.

     وبدأت من ذلك التاريخ حياة جهاد وكفاح في سبيل الأبرشيّة الصيداويّة، وقد طُبعت بالأمانة للتراث وللماضي، معتقدًا ومسلكًا. فقد كان يرى هذا الحبر أن تقليدًا أجمع عليه كثيرون يجب أن يكون طريقًا أمينًا لمرضاة الله. وهذا تشدُّد لا يتوافق كثيرًا مع انبلاج أنوار المجمع الفاتيكاني الثاني، ومع ما حقّقه من تجديد وتغيير في الأطر وانفتاح على كلّ شيء. وامتاز هذا الأسقف بكرمه السخي اللامحدود تجاه كلّ الناس وبنوع خاصّ تجاه المحتاجين. ولم يساوره قلق على مصير ومستقبل الأبرشيّة ولا على مصيره ومستقبله الشخصيّ أيضًا، فكان يوزع دون حساب وبدون أن يطلب المقابل، فوقع لهذا السبب هو وأبرشيّته في العسر والضيق والعجز الماليّ، وهذا سبّب للأبرشيّة ارتباكًا وترجرجًا، وسبّب له مشاكل إداريّة ورعويّة كثيرة.

     أمّا الصفة التي امتاز بها المطران باسيليوس فكانت غيرته على النفوس المشتراة بالدم الثمين، فكان يعطي مالاً ويعطي من ذاته محبّة وخدمة وتضحية وإقدامًا وجرأة في تحدّي الأخطار والصعاب مهما اشتدّت في سبيل خدمة النفوس. وفي الحقيقة كان الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف ويمشي أمامها.

     لا يمكن إحصاء وتعداد المشاريع الكثيرة التي قام بها مدة ثلاثين سنة تقريبًا من أسقفيّته. فقد بنى 16 كنيسة جديدة، وأصلح 6 كنائس بعد زلزال سنة 1956 ورمم 22 كنيسة بعد تصدّعها، كما لا يمكن إحصاء المدارس والأناطيش والأوقاف التي شيّدها. وأهمّ مدرسة بناها بمساعدة الأب أنطون صبحيّة المخلصيّ هي مدرسة المحبّة في كفرنبرخ. وكان له نِعم العون والنصير في البناء والعمل وبذل المال لجنة وقف الفقراء التي أمدّته بالمال الكثير، والعون الوفير ليُصلح ويبني ويعمّر ويعطي، والتي سندته في محنه الماليّة الكثيرة. ولكن الحرب الكبرى الثانية ونتائجها، وزلزال سنة 1956 وما عقبه من خراب وتدمير، وثورة سنة 1958 وسائر الفتن والثورات أوقعت الأبرشيّة في عجز ماليّ خطير حمل البطريرك مكسيموس حكيم سنة 1971 على تعيين مدبّر ماليّ لها هو الأيكونوموس أثناسيوس مشنتف والذي خلفه بعد وفاته الأرشمندريت جبرائيل راشد المخلّصيّ. وذلك لتصحيح الأوضاع الماليّة، ودرء خطر البيع الذي استشرى كثيرًا لسدّ الديون الباهظة المتراكمة على الأبرشيّة الصيداويّة.

     ترك المطران باسيليوس مأثرة ستذكرها الأجيال وهي تشييده في مغدوشة برجًا بارتفاع 28 مترًا، يعلوه تمثال للعذراء مريم، وهي تحمل على ذراعيها طفلها يسوع. ويقوم في قاعدة البرج المسدّسة الأضلاع، معبد جميل، لطيف الهندسة، غنيّ بهيكل رخامي قدمه الأب الياس سكاف راعي كنيسة بروكلن للروم الكاثوليك. وهذا البرج صممه المهندس الأرمني Varoujan Zaven كما صمّم التمثال والكنيسة والصور فيها الفنان الإيطالي المشهور Pirotti. ويبلغ طول التمثال ثمانية أمتار ونصف المتر، وزنته ستة أطنان. وقد كلّف البرج والكنيسة 50 ألف ليرة لبنانيّة والتمثال 21000 الف دولار أي 63 ألف ليرة لبنانيّة. ويقام كلّ سنة عيد للسيّدة العذراء في مغدوشة، وهي سيدة المنطرة في 8 أيلول وتتوافد إليه جموع غفيرة من الناس قادمين من كلّ صوب وناحية. ونشير الى هذا البرج، والمعبد الذي فيه قام بإصلاحه بإتقان وسخاء المطران جورج كويتر المخلّصيّ بعد الحرب اللبنانيّة الطويلة (1975- 1991).

        أنهكت صحة هذا الأسقف المتاعب الكثيرة، والمشاكل المتراكمة عليه، والأمراض المختلفة. ونظرًا لسوء صحّته التي لم تعد تمكّنه من إدارة شؤون الأبرشيّة الماليّة والروحيّة قدّم استقالته للسينودس المنعقد في الشام في 28 أيلول سنة 1976، ولكنّه لم يُبَتّ في أمرها لعدم اكتمال النصاب القانونيّ، ونظر فيها من جديد السينودس المنعقد في الشام في 8 شباط 1977 فقبلها. ولبث حتّى وفاته يعيش في السلام يتنقّل بين دير المخلّص ودير يسوع الملك، متذكّرًا دومًا أبناء أبرشيّته لا سيّما المرضى والفقراء. وأخذت تنتابه نوبات خطيرة اضطرّته الى دخول مستشفى رزق. وقد نعم في الدير الأمّ وفي دير يسوع الملك وفي المستشفى بعناية فائقة وممتازة، ولم تبخل لا الرهبانيّة ولا الأبرشيّة عليه بشيء، بل كلّهم أمدوه بالمال وبالمحبة وبالخدمة. وفي المدّة الأخيرة طالت غيبوبته إنّما ظلّ رغم ذلك واعيًا طالبًا الصلاة والمسامحة بالإشارة. وفي 22 نيسان 1985 غيّب الموت هذا الأسقف بعد سنوات من المرض والآلام. فأقيم له جنّاز حافل في دير الآباء البولسيّين في حريصا، أبّنه فيه نيابةً عن البطريرك مكسيموس حكيم الغائب في مصر، المطران حبيب باشا مشيدًا بما قام به من جليل الأعمال في أبرشيّته، معدّدًا فضائله لا سيّما تواضعه العميق وحدبه على الفقير وبسط كفّه بسخاء لكلّ من في ضيق. وأُودع جثمانه في مقبرة الآباء البولسيّين في حريصا على رجاء أن يُنقل جثمانه الى مقبرة أوصى أن يُدفن فيها تحت برج عذراء المنطرة في مغدوشة. وقد نقله إليها فيما بعد، في احتفال مهيب المطران جورج كويتر المخلصيّ راعي أبرشيّة صيدا ودير القمر.

الأب مكسيموس شتوي

        هو ميخائيل بن بشارة شتوي، وُلد في برتي في ٢٣ أيلول ١٩٠٢، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢ أيّار ١٩٢٠ ثمّ سيم كاهنًا في ٢٥ نيسان ١٩٢٦، علّم في المدرسة المخلّصيّة مدّة من الزمن اللغة العربيّة التي كان ضليعًا بها. وقد نشر في هذه الأثناء سيرة الأب بشارة أبو مراد في مجلّة رسالة قلب يسوع، وكان يعلّم أيضًا الترنيم والتمثيل. سنة ١٩٣٣ انتُدب ليكون كاتمًا لأسرار البطريرك كيرلّس مغبغب مع الأب أفثيميوس سابا. وأثناء قيامه بهذه الوظيفة نشر حياة جرجي جبرائيل بيطار خادم الفقراء والنجّار الدمشقيّ المشهور. سنة ١٩٣٩ سافر البطريرك مغبغب إلى إيطالية وفرنسا فاصطحبه معه ومن باريس وأذن له أن يسافر إلى مونتريال كندا لرؤية والدته التي لم يكن يعرفها لأنّها تركَته وهو طفل صغير. ومن تدابير الله أنّها بعد هذا التلاقي توفّيت بعد بضعة أشهر. وأثناء زيارة الأب شتوي لكندا صدف أن توفّي الأب سمعان نصر راعي كنيسة المخلّص في مونتريال فأجمعت الجالية طالبة الأب مكسيموس ليكون مسؤولاً عنها. فبدأ حياة الجهاد والعمل المثمر، فقد جمع شتات الطائفة وصهر في بوتقة واحدة المغتربين المختلفي الجنسيّات والعقليّات، ثمّ أكمل تزيين كنيسة المخلّص وبنى بيتًا للكهنة وأوجد للطائفة وللجالية مركزا مرموقًا لدى الدوائر الحكوميّة، كما أنّه خصّص الكنيسة والرهبانيّة بوقف مؤبّد يدرّ عليهما المال. وهذا كلّه بفضل ما كان يتمتّع به الأب شتوي من نشاط ودراية وحنكة وبشاشة وبفضل ما كان له من نفوذ لدى الحكّام الذين أعزّوه وكرموه وساعدوه. ولم ينسَ أمّه الرهبانيّة أبدًا، فقد وفّر لها دفعة واحدة مئة ألف دولار لوفاء ديونها بعد الحرب العالميّة الثانية، كما أنّه ساهم أكبر مساهمة في شراء دير ميثون، واشترى المطبعة المخلّصيّة الجديدة سنة ١٩٥٣ وساعد في تأسيس إرساليّة الزرقاء. وكان يمدّ الرهبانيّة دومًا بإعانات لو جُمعت لبلغت مئات الآلاف من الدولارات. زار الشرق سنة ١٩٤٩ فانتهزت الحكومة اللبنانيّة هذه الفرصة فأنعمت عليه بوسام الاستحقاق اللبنانيّ تقديرًا لمآثره في سبيل المغتربين اللبنانيّين. وكانت الحكومة الفرنسيّة أيضًا منحَته قبلاً وسام جوقة الشرف. عاد سنة ١٩٥٢ من مونتريال مطيعًا أمر الرؤساء فعيّنه البطريرك مكسيموس الصائغ أمينًا للصندوق الطائفيّ، فقام بهذه المهمّة بغيرة وحكمة. سنة ١٩٥٩ اصطحبه البطريرك الصائغ في سفره إلى البرازيل لحضور المجمع القربانيّ في ريو دي جانيرو وفي تجواله في الأنحاء الأميركيّة كلّها، فكان له الأب شتوي خير دليل وأحسن نصير، وقد جمع له مالاً وفيرًا بمهارته وحذاقته. وتوفّي فجأة في صيدا سنة ١٩٦٢ فكان لوفاته أسف عميق في النفوس وخصوصًا في قلب أمّه الرهبانيّة التي كان لها ابنًا وفيًّا وبارًّا وكريما.

الأب كيرلّس حداد

     ولد سنة 1904 في مدينة الناصرة في فلسطين من أبوين تقيّين هما أسعد حداد وعدلا مزّاوي. وسمع صوت الفادي يصدي في زوايا طرقات مدينة الناصرة وفي حنايا بيوتها يدعو العملة الى اتّباعه لأنّ الحصاد كثير والعملة قليلون، فلبّى النداء والتحق في 30 تشرين الثاني سنة 1912 بقافلة الرسل المخلّصيّين الذي أبلَوا البلاء الحسن في أرجاء فلسطين وفي أنحاء أخرى من الأقطار. وفي الإكليريكيّة المخلّصيّة بدأ يتدرّج في العلم وينمو في الفضيلة فرضي الرؤساء أن يبرز نذوره البسيطة في 17 تشرين الأول سنة 1920 ونذوره الاحتفالة في 27 آب سنة 1925. ثم ارتقى الى درجة الكهنوت عن يد البطريرك كيرلس التاسع مغبغب أثناء زيارته الأولى لدير المخلّص في 21 آب سنة 1927. وكانت الإكليريكيّة المخلصيّة المحطّة الأولى لنشاطه والمجال الواسع الذي ظهرت فيه وزناته وترسّخت، فعلَّم اللغات اليونانيّة واللاتينيّة والفرنسيّة. واستلم إدارة الجوقة المخلّصيّة وكان متقنًا لفنّ البصلتيكا، رخيم وجميل الصوت، لطيف الإيقاع. وعُرف أستاذًا بارعًا وعالمًا، لطيف المعشر، طيّب القلب، وديع الجانب. إنّما اشتهر الأب كيرلس خصوصًا بأنّه كان مرنّما أصيلاً عمل على وضع الخدم الطقسيّة والترانيم وخدمة القدّاس وفقًا لأصول البصلتيكا بإيقاع لطيف، وفن عذب للسماع، وهي لا تزال ترنّم في الأديار المخلّصيّة بعد أن زاد عليها، ونقّحها وفقًا لترجمة الخدم الطقسيّة الجديدة الأبوان يوسف نخلة وميشال صاد وخصوصا الأب باسيليوس قسيس الذي نشرها في سلسلة قيّمة باسم "منشورات الجوقة المخلّصيّة" بموافقة الأب كيرلّس نفسه، وهي مشهورة ومتّبعة في أكثر الأبرشيّات.

     في 26 آذار 1938 انتُخب رئيسًا للإكليريكيّة المخلّصيّة فبدأ ورشة تجديد وتغيير لكنّها لم تطل مدّتها إذ دُعي الى الاستفادة من منحة وهبتها الدولة الفرنسيّة للرهبانيّة، فذهب الى باريس سنة 1940 ومكث فيها حتى 1945، فنال الشهادات العليا في الآداب الفرنسيّة واليونانيّة واللاتينيّة وفي الفلسفة مع ثناء فائق. وكانت أطروحته الرئيسيّة التي طبعت في بيروت سنة 1971 تدور حول "ابن زرعة فيلسوف ومناضل مسيحيّ"، وأطروحته الثانية الملحقة بالأولى تدور حول الترجمات العربية لكتاب "السفسطة" لشيخ الفلاسفة أرسطو. "لكنّه لم ينفع الرهبانيّة إلاّ بالقليل من علومه التي تلقّنها في باريس". حسبما ورد في السجل الرهبانيّ.

     سنة 1953 عُيّن مساعدًا للأب تيوفيل عطالله في خدمة رعيّة المخلّص في مونتريال، بعد أن تعثّر فتح إكليريكيّة صغرى في أوتاوا. فانتهز الفرصة فعلّم اللغات اليونانيّة والفرنسيّة واللاتينيّة في معهد لاسال للآباء اليسوعيّين في مونتريال. ثمّ في سنة 1956 عُيّن في مكسيكو راعيًا لكنيسة "باب السماء" التي أسّسها الكاهن المجاهد الأب فيلمون شامي المخلّصيّ، بعد وفاة الأب بولس سويد الذي لم تطل مدّة خدمته فيها. وبعد عشر سنوات من خدمة مخلصة في مكسيكو حدث له حادث مؤسف في الرعيّة إذ اختُلست أموال الكنيسة بحيلة خبيثة ودهاء وخدعة، فنُقل سنة 1965 على أثرها الى دير ميثون حيث عكف على ضبط الخدم الطقسيّة باللغة الإنكليزيّة فجاءت رائعة وعذبة للسماع. وما لبث أن استدعاه المطران يوستينوس نجمة سنة 1966 لخدمة الأبرشيّة الملكيّة في الولايات المتّحدة ووكل إليه رعيّة النبيّ يوحنّا المعمدان في شيكاغو. وعندما قرّرت بلديّة شيكاغو هدم الكنيسة لتجميل المدينة وتحسين المواقع فيها اشترى الأب حدّاد كنيسة إنجيليّة وأصلحها وزيّن الإيقونسطاس بالصور ونظّم ملحقاتها. وأثناء هذه الخدمة طلب إليه المطران يوسف طويل وإخوته الرهبان المخلّصيّون وإكليروس أبرشيّة نيوتن للملكيّين الكاثوليك، أن يتابع تنظيم الرتب الطقسيّة وخدم الأعياد فقام بها أحسن قيام. وجاءت متقنة وجميلة الألحان باللغة الإنكليزيّة. وهكذا ضمّها الى مجموعة الخدم الملحّنة في اللغة العربيّة وما قام به باللغة الإسبانيّة، وهي تُستعمل في كلّ كنائس أميركا الشماليّة لغذوبة وقعها وإتقان أصولها، وخصوصًا كتاب "الترانيم الملكيّة" وكتاب "خدمة الجنّاز" وغيرها من الكتب.

        وإذ بلغ شيخوخة مليئة بالعمل والخدمة الصالحة، إستعفي من الخدمة في أوائل سنة 1978، وأحبّ أن يقضي سني حياته الباقية قرب الكنيسة التي خدمها في نواحي شيكاغو عند عائلة صديقة، فعاش مستقرًّا بالسلام، عاكفًا على التأمّل والقراءة، محبًّا للإخوة يراسلهم ويكلّمهم بالهاتف. وقد شهد كلّ من عرفه أنّه كان كاهنًا امتاز بالخدمة النشيطة، والذكاء النادر، ولطف الحديث مع الناس، ووداعة في العشرة، وشهد له أيضًا الباحثون في الترنيم أنّ أنغامه كانت جميلة الجرس سهلة المنال عذبة للسماع، وكانت "نفحة من نفسه التقيّة". وأكمل المسيرة بهدوء وعاش بسلام إلى أن رقد بالربّ في 15 نيسان سنة 1986. ونُقل جثمانه لينضمّ إلى إخوته المخلّصيّين الراقدين على رجاء القيامة الأخيرة في مقبرة دير القدّيس باسيليوس في ميثون- ماس.

الأب أغابيوس الياس

        هو ابن ناصر خليل الياس وظريفة الياس، وُلد في شفاعمرو سنة ١٩٠١، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٧ آب ١٩٢٥ وسيم كاهنًا في ٢١ آب ١٩٢٧، بدأ حياته الكهنوتيّة بالاهتمام ببيت المؤونة في دير المخلّص والتعليم والمناظرة في الإكليريكيّة المخلّصيّة ودير السيّدة. فبذل جهدًا وغيرة ونشاطًا فأحبّه الطلاب لوداعته ولطف معشره. سنة ١٩٣٧ أُرسل إلى حيفا لخدمة النفوس فاهتمّ أوّلاً برعيّة المخلّص ثمّ بمدرسة المحطّة سنة ١٩٤٠ ثمّ بالمدرسة الأسقفيّة حتّى سنة ١٩٤٦، في كانون الأوّل ١٩٤٦ أصابه حادث سيارة فكُسرت رجله وعولج في حيفا وطبرية لكنّه لم يستفد شيئًا فرجع إلى العامر يواظب على التعليم والإرشاد والاهتمام بكنيسة الدير وكتابة يوميّات الرهبانيّة، والقيام ببعض الأشغال الأخرى في المدرسة والدير. وقد قام بهذه المهمّات المختلفة بدقّة وترتيب، وامتاز بطيبة القلب والبساطة المسيحيّة والتدقيق في القيام بالواجب. قضى آخر أيام حياته في العامر متحمّلاً وهن الشيخوخة والأوجاع بسبب الرجفة التي كانت تزداد يومًا بعد يوم. إنّما لم يكن ليضيّع الوقت فكان كثير المطالعة وقد ترك مجموعة كتب ثمينة للمكتبة المخلّصيّة وترجمة كاملة للكتاب المقدّس ولشرحه للمؤلّفين .(Louis Pirot, Albert Clamer) وتراكمت عليه الأوجاع في السنة الأخيرة واشتدّت عليه وطأة الرجفة، فلازم الفراش إلى أن فاضت روحه كما كان يتمنّى في ليلة عيد النبيّ الياس الذي كان يحبّه ويستشفعه دائمًا في سنة ١٩٨١.

الأب بولس ربعمد

        هو ابن سمعان غنطوس وجنى عشّي، وُلد في المختارة في ١ أيّار ١٩٠٣،  أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٧ آب ١٩٢٥ ثمّ ارتقى درجة الكهنوت في ٢١ آب ١٩٢٧، بقي في الإكليريكيّة المخلّصيّة معلّمًا للرياضيّات وممرّضًا يبذل من راحته ووقته في سبيل المرضى، ومرشدًا للإكليريكيّين، كان فاضلاً ومحبوبًا، سنة ١٩٣٧ أُرسل إلى حيفا وهناك نشط في خدمة النفوس فأسّس فِرَق الكشّاف للأولاد وجمعيّة المخلّص للرجال، وجوقات ترنيم للحفلات الدينيّة في كنائس حيفا المختلفة، ونشر كتاب استعداد للمناولة الأولى وقانون أخويّة المخلّص، فأحبّه الشعب وقدّر فيه حسن الأسلوب وطيبة القلب والفضيلة الراسخة وعِلمه المفيد وصوته الرخيم. ثمّ عاد إلى العامر بعد المحنة الفلسطينيّة ولجوء اللاجئين، تجلّى فيه تفاني الأب ربعمد في خدمة المرضى والشيوخ والضيوف واللاجئين وفي خدم الدير المتنوّعة، لِما كان عنده من إلمام في الطبّ والطبخ واستخراج المشروبات الروحيّة المفيدة. سنة ١٩٥٦ أُرسل إلى زحلة فمكث فيها ثلاث سنوات ثمّ نُقل بعدها إلى خدمة رعيّة المخلّص في مونتريال كندا سنة ١٩٥٩ وهناك اشتهر ببشاشته وضيافته للغرباء وفضيلته وصوته الرخيم. أصيب بذبحة قلبيّة حادّة سنة ١٩٦٥ أودَت بحياته فتوفّي مأسوفًا عليه من الجميع لغيرته وطيبة قلبه وحبّه للخدمة.

الأب استفانوس الياس

        وُلد في حيفا في ٢٣ كانون الأوّل ١٩٠٣، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٤ آب وسيم كاهنًا في ٢١ آب ١٩٢٧، كان الدير الميدان الأوّل الذي أظهر فيه الأب استفانوس حبّه للعمل وللتنظيم. فقد وُكل إليه مساعدة الأب يوسف سابا في الحسابات وأمانة سرّ الأب العامّ أغابيوس نعّوم والاهتمام بالضيوف والزوّار، فقام بهذه المهمّات أحسن قيام. ثمّ انتقل إلى المدرسة سنة ١٩٣٢ معلّمًا ومرشدًا. وفي سنة ١٩٣٧ عُيّن في الاسكندريّة وفيها تجلّت مواهب المربّي الفاضل والمنظّم البارع. فقد أسّس هناك نادي الشبيبة المسيحيّة المصريّة، وجمعيّة القدّيس منصور للشباب والشابّات وغداء الظهر لإطعام أولاد الفقراء وفرقة كشّافة وادي النيل. ثمّ رجع إلى لبنان فكان بين سنة 1949-١٩٥٧ نائبًا عامًّا لأبرشيّة صيدا ودير القمر، فقام بتنظيم الدوائر في المطرانيّة وأعاد إلى الظهور المجلّة الراعويّة واهتمّ كثيرًا بالنادي الكاثوليكيّ وجمعيّة القدّيس منصور، فأحبّه الجميع وقدّروا فيه حبّ التنظيم والترتيب والإدارة الرشيدة والمحافظة على التراث المسيحيّ والرهبانيّ. ثمّ حان الوقت لأمّه الرهبانيّة لتستفيد من وزنات ابنها الأب استفانوس، فانتُخب مدبّرًا في مجمعَين متتاليَين ١٩٥٦ و ١٩٦٢، وقرن مع المدبّريّة رئاسة المدرسة المخلّصيّة سنة ١٩٥٧ ثمّ وكالة الرهبانيّة في بيروت سنة ١٩٥٩ فأظهر إخلاصًا واهتمامًا بكلّ الأمور حتّى البسيطة، وعناية بشؤون الرهبانيّة خاصّة في بيروت حيث كان يعتني بتدبير الأمور الماديّة والاجتماعيّة والدينيّة المختلفة. ومنذ مبادئ حياته الرهبانيّة لم يفترِ الأب استفانوس عن مساعدة مشاريع الرهبانيّة بماله أو بمال أهله. وله في المدرسة والأديار المخلّصيّة مآثر تشيد بفضله. وكان حريصًا على الوقت. فقد نشر كتبًا كثيرة تناولت المواضيع الدينيّة والأدبيّة والاجتماعيّة، نذكر أهمّها: من وحي الطقوس، ذكريات ومفاجآت، النبيّ الياس ورشميّا، وقائع وعِبَر، مشاكل وحلول، ومضات من تاريخ الكنيسة، إلى ربّات البيوت، تسليات أم مغويات؟ الأخلاق والشؤون الوطنيّة والاجتماعيّة في أربعة أجزاء، الأدب الاجتماعيّ والتربية الوطنيّة في جزئَين، الأدب الاجتماعيّ في ثلاثة أجزاء، مبادئ الأدب الاجتماعيّ، ومقالة في الحريّة. في سنة ١٩٧٠ عُيّن رئيسًا لدير رشميّا، فأُصيب فيه بفالج نصفيّ وعولج في بيروت ثمّ نُقل إلى دير يسوع الملك حيث توفّي سنة ١٩٧٢، فنُقل إلى دير المخلّص وأقيم له مأتم حافل تأسّف فيه كثيرون على ذهاب كاهن عرف أن يستفيد من المواهب والوزنات التي أُعطيت له.

المطران نيقولاوس نبعة

        هو الياس بن خليل نبعة ووردة عجيمي، وُلد في جون في ٨ كانون الثاني ١٨٩٤، وفي سنة ١٩٠٤ ذهب إلى مدرسة القدّيسة حنّة في القدس الشريف فدرس فيها، لكن لمّا أغلقت المدرسة أبوابها سنة ١٩١٤ بسبب الحرب عاد إلى بلدته وقصد الدير إلى عند عم أبيه الأب جبرائيل نبعة الرئيس العامّ آنئذ، فعُهد إليه بتدريس اللغة الفرنسيّة في المدرسة المخلّصيّة وفي الوقت نفسه كان يدرس اللاهوت والفلسفة. في ١٥ نيسان ١٩١٧ سيم كاهنًا. ثمّ انضمّ إلى الرهبانيّة المخلّصيّة فأبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٠ تموز ١٩٢٢ ولبث في الدير أستاذ اللغة الفرنسيّة. عُيّن رئيسًا للمدرسة المخلّصيّة في ٨ كانون الأوّل ١٩٢٥ وعُيّن سنة ١٩٢٨ مدبّرًا أوّل في الرهبانيّة وبقي رئيسًا للمدرسة، وفي أيلول ١٩٣٠ انتخب وكيلاً للرهبانيّة في رومة. لكنّه لم يلبث هناك طويلاً لأنّه انتخب أسقفًا على أبرشيّة صيدا في ٢١ تشرين الثاني ١٩٣١، وأخذ منذئذ ينظّم إدارة الأوقاف ويعزّز المدارس ويسهر على كلّ أحوال الرعيّة بحرص وحكمة، واهتمّ ببناء كنيستي سرجبال والمية ومية وأكمل بناء انطوش كفرحونة وجزين وبدأ بمشروع كنيسة في مجدلونا. ثمّ أتت الحرب الكبرى الثانية عقبة في تحقيق مشاريعه الأخرى. كان لشخصيّته الفذّة مقام سام لدى السلطات الكنسيّة والزمنيّة. أُوفد سنة ١٩٣٢ مفوّضًا بطريركيًّا عن الطائفة الملكيّة للمؤتمر القربانيّ الدوليّ في بودابست، وعُيّن نائبًا بطريركيًّا على أبرشيّة صور على أثر انتقال المطران مكسيموس صائغ إلى أبرشيّة بيروت وكذلك عُيّن على أبرشيّة بانياس على أثر وفاة المطران إكليمنضوس معلوف. وفي كلّ أعماله كان الرجل الرزين المهيب الحكيم المتّقد غيرة على خلاص النفوس وصاحب القلب التقيّ المتعبّد. توفّي في صيدا سنة ١٩٤٧ فبكته الرهبانيّة والطائفة والأبرشيّة فقد غاب عنها وجه لامع وأسقف أعاد إلى الأذهان صور الأساقفة العظام البررة والصالحين.

الأب جبرائيل نصر

ولد في غريفة في 3 كانون الثاني سنة 1906 من عائلة كريمة أعطت الرهبانيّة المخلصيّة كهنة كثيرين صالحين وعاملين. وبسبب وجاهة هذه العائلة في قريةٍ هي منبت لعائلات درزيّة مشهورة، أصبحت غريفة محطّة وملجأ يحتمي فيها المسؤولون والرهبان المخلّصيّون عندما كانت تجتاح أديرتهم عساكر الجزّار الجرّارة. وفي المكتبة المخلّصيّة عدة رسائل كتبها الرؤساء العامّون عن "غريفة موقّتًا". وهذه النشأة في بيئة درزيّة أثّرت كثيرًا في حياة وشخصيّة الأب جبرائيل. دخل جبرائيل الدير، وأخذ يتدرّج في مراقي الحياة الرهبانيّة فابتدأ في 30 تشرين الأوّل سنة 1919 ثمّ نذر النذور البسيطة في 26 كانون الأوّل سنة 1922 ثمّ نذوره الاحتفاليّة في 18 آب سنة 1927 بعد حركة عصيان قام بها، إستلزمت فرزه إلى دير السيّدة بأمر من الرئيس العامّ يوسف يواكيم ليكون في عداد المبتدئين من جديد. سيم شمّاسًا إنجيليًّا في 25 آذار سنة 1931 وكاهنًا في 26 تموز سنة 1931. ثمّ باشر الخدمة في دير السيّدة ثمّ في الإكليريكيّة المخلّصيّة، ونُقل سنة 1932 إلى مدرسة عين تراز ليعلّم الدروس الضروريّة للكهنة المتزوجين. بعدها عُيّن كاهنًا للرعيّة سنة 1934 في المختارة. وهناك اهتمّ بمدرستها وبالقرى القريبة إليها وهي مع المختارة: بطمة، وعين قنية، وعمّاطور، وبعذران، والخرَيبة. وجال فيها وصال فأصلح الكنيسة في المختارة وعمل على إيصال الطريق إليها وتقرّب كثيرًا إلى قصر آل جنبلاط في المختارة، وهو من بيئة درزيّة أصيلة. ترك المختارة سنة 1940 وعُيّن وكيل الرهبانيّة في حيفا سنة 1941. وفي أثنائها وقع وكسر رجله فظلّ طيلة حياته يحمل أثر هذه السقطة. تسلّم إدارة المدرسة الأسقفيّة في حيفا في عهد المدبّر الرسولي للأبرشيّة المطران يوسف معلوف واختلف معه بسبب رغبة الأسقف المذكور باستلام أبرشيّة حيفا عوض أبرشيّة بعلبك بعد وفاة المطران العظيم غريغوريوس حجّار. وكان هذا سببًا لنزاع طويل الأمد امتدّ على ثلاث سنوات بين المطالبين بحقوق الرهبنة المخلصيّة لتسلّم كرسي أبرشيّة عكا، كما جرت العادة وكما أقرّه التقليد المتوارث جيلاً بعد جيل، في تقاسم الأبرشيّات بين الرهبانيّات، وبين الحزب المعارض الذي كان رئيسه المطران مكسيموس الصائغ ومنفذّه المطران يوسف معلوف. ونقرأ عن ذلك كلّه في كتيّب صغير بعنوان "باسم التاريخ والحقّ"، وهو للأب يوحنّا حدّاد المخلّصيّ.

وسقطت المشكلة التي سبّبتها حرب الكنائس عندما انتُخب الأب جورج حكيم من الإكليروس البطريركيّ بعد ثلاث سنوات، مطرانًا على أبرشيّة عكا خلفًا للمطران حجّار المخلّصيّ. ترك الأب جبرائيل نصر حيفا سنة 1943 وعاد إلى دير المخلّص فعيّن وكيلاً فيه. وفي سنة 1945 رجع ليكون كاهن رعيّة في شفاعمرو وفيها تعرّف على جيش الإنقاذ الذي سكن بعض أفراده الهاربين في بيت الأب نصر (الأنطش) وكان منهم أديب الشيشكلي الذي أصبح رئيسًا للجمهوريّة السوريّة فيما بعد وأيضًا شكيب وهّاب. بعد نكبة 1948 رجع الأب نصر إلى لبنان فعُيّن كاهنًا للرعيّة في باب مصلّى – الميدان. وفي أثناء خدمته فيها احترقت كنيسة الرعيّة التي على اسم القدّيس جاورجيوس سنة 1948 فعمل الأب نصر على إصلاحها بهمّة قعساء استحقّت أن يُنعم عليه البطريرك مكسيموس الصائغ برتبة أرشمندريت سنة 1955، وكذلك أن يعيّنه معاونًا للمطران أنطونيوس فرج النائب العام الذي كان قد شاخ وتعب، وأيضًا جعله ممثلاً للبطريركيّة وللطائفة أمام الدولة والمراجع السوريّة العليا. وبسبب تقدير البطريرك وعلاقة الأب نصر الحسنة مع الحكومة السوريّة وخاصّة مع الزعيم أديب الشيشكلي استطاع الأب نصر أن يصول ويجول ويقوم بمساعٍ حميدة ومداخلات مفيدة، فاستطاع أن ينقذ 27 فتاة من يد الخاطفين المسلمين، وأن ينقذ 3 شبّانًا مسيحيّين من حكم الموت، وأن يساعد كثيرين للخلاص من يد الظلم والبؤس. وهذا ما أثار حفيظة المطران أنطونيوس فرج فطلب نقل الأب نصر إلى لبنان سنة 1955. وبدأ من ثمّة خدمة راعويّة متنقّلة في لبنان، فنراه سنة 1956 في أبلح، ثمّ في دير المخلّص، وفي سنة 1957 نائبًا أسقفيًّا في دير القمر، وسنة 1959 مدبّرًا رابعًا ورئيس دير المخلّص حتّى سنة 1962. وفي أثناء رئاسته لدير المخلّص، بدأت "دعوى الجليليّة" بين أهاليها وبين الرهبنة، والتي حرّكها كاهن الجليليّة الماروني الأب الياس عيد وهو قريب للأب نصر. وقد ربحتها الرهبنة في المحكمة البدائيّة لكنّها خسرتها في الاستئناف بسبب المداخلات المارونيّة السياسيّة آنئذٍ. وقامت أيضًا في أثناء رئاسة الأب جبرائيل نصر للعامر "دعوى بعانوب" بين الرهبنة وآل عازوري ولا تزال عالقة حتى الآن. سنة 1959 عُيّن نائبًا عامًّا في صور، واستمر حتّى انتخاب المطران جورج حدّاد سنة 1967 الذي سنده أولاً ووقّع عرائض لصالحه ثمّ خذله. فطلب المطران نقله لكثرة ما سبّب له من مشاكل في مبادئ خدمته للأبرشيّة. فنُقل إلى بغداد كنائب بطريركيّ. ولكن لم يلبث طويلاً بسبب تورّطه في السياسة، "إذ أصبح وجوده حسب رسالة البطريرك مكسيموس حكيم في 21/12/1971 وحسب تقرير سفير لبنان في بغداد صعبًا كما أنّ هناك أسبابًا أخرى". فأتى إلى لبنان فعُيِّن كاهن رعيّة في كفرحونة سنة 1973، ثمّ في خربة قنفار سنة 1974، وأخيرًا في مشغرة وعيتنيت سنة 1975 ولبث فيها مدة طويلة. إلى أن اعتزل الخدمة وأتى وسكن في دير يسوع الملك إلى حين أصابته أوجاع في القلب فنُقل إلى مستشفى باستور. وبعد معالجة قصيرة توفي في 10 أيلول سنة 1992 وهو في السادسة والثمانين من عمره. ونُقل إلى دير المخلّص وأقيم له جنّاز حافل أبّنه فيه بعد المطران أندره حداد الأب يوسف داغر المخلّصيّ، ثمّ دفن في الكمنتير. وهكذا غاب كاهن عمل في الحقل الرعويّ كما في الوظائف الرهبانيّة. وفي المجالين سعى جاهدًا ليخدم بقدر ما أعطاه الله من مواهب ووزنات طبيعيّة. كما أنّه اشتهر بمرونته السياسيّة وجرأته، فكان مقدامًا غير هيّاب يحاول دومًا الانتصار على الشدائد والصعوبات ويجد للمشاكل حلاًّ وللعراقيل سبيلاً لتجاوزها. ونشير هنا إلى أنّ الرهبانيّة لم توفّر المساعدة والدعم الماليّ، فلبث سنين طويلة منذ ترك مشغرة إلى يوم وفاته والرهبانيّة تصرف أموالاً طائلة عليه ليعيش بسلام في دير يسوع الملك. وهذه كانت دومًا خطّة الرهبانيّة نحو شيوخها ومرضاها.

الأب نقولا إبراهيم

        هو ابن أمين إبراهيم، وُلد في مشغرة في ٢ كانون الثاني ١٩٠٥، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٨ آب ١٩٢٧ وسيم كاهنًا في ٢٦ تموز ١٩٣١، وبين سنة ١٩٣٢ وسنة ١٩٣٧ عمل في المدرسة المخلّصيّة وفي المدرسة الأسقفيّة في صيدا. انتقل سنة ١٩٣٧ إلى مصر فكان مرشدًا لراهبات البيزانسون وكاهن رعيّة في رمل الإسكندريّة إلى سنة ١٩٤٤ ثمّ نقل إلى القاهرة فكان مديرًا للمدرسة البطريركية سنة ١٩٤٦ ثمّ رئيسًا للمدرسة اليوسفيّة سنة ١٩٤٨ ثمّ وكيلاً رهبانيًّا سنة ١٩٥٠، وفي هذه المهمّات المختلفة في القطر المصريّ كان الكاهن الاجتماعيّ المرح، الطيّب الأحدوثة والنكتة، الملمّ بكلّ شاردة وواردة والنشيط في الخدمة. سنة ١٩٥٣ أُرسل إلى ميثون فكان من عملة الساعة الأولى النشيطين والغيورين على مصلحة الرهبانيّة. وفي هذه الأثناء لحّن القدّاس البيزنطيّ باللغة الإنكليزيّة وطبعه في أميركا مع كتاب خدمة الجنّاز السيّديّ باللغة ذاتها وسعى بحذاقة عند صديقه الأب بطرس أبو زيد المخلّصيّ فأقنعه قبل موته بأن يشركه كفريق ثانٍ في حسابه في البنك، وهذا ما يسرّ الحصول على كميّة من المال للبدء في مشروع مؤسّسة المخلّص الاجتماعيّة المعروفة بدار العناية. وفي سنة ١٩٦٧ انتقل إلى ميامي فلوريدا فسعى بنشاط وغيرة لتأسيس كنيسة فيها، لكنّ الموت عاجله بنوبة قلبيّة شديدة أودت بحياته في ١٧ آب ١٩٧٣ قبل أن يتمّ مسعاه الحسن فحزن عليه جميع مَن عرفه إذ كان لا يزال قادرًا على العطاء والعمل المثمر.

الأب مكسيموس عجيمي

ولد في جون في 2 حزيران سنة 1906، ودخل الإكليريكيّة المخلّصيّة. وتدرّج على مقاعدها إلى أن نذر نذوره البسيطة في 26 كانون الأوّل سنة 1922 ونذوره الاحتفاليّة في 18 آب سنة 1927، ثمّ ارتقى في صيدا إلى درجة الكهنوت في 17 كانون الثاني سنة 1932.

إشتهر هذا الكاهن بخدمته الراعويّة الطويلة، وكان هذا متوافقًا مع مواهبه العقليّة وصفاته الطبيعيّة. وقد انطلق إلى العمل في الرعايا فبدأ خدمته في كفرحونة، ثمّ انتقل إلى كفرقطرة وكان يقيم في دير الملاك مخائيل في عميّق. بعدها نراه في روم. لكن خدمته الطويلة كانت في كرخا وكفرّيا قرب صيدا، منذ سنة 1942 حتّى سنة 1965 التي انتقل فيها إلى الخدمة في أبلح وبقي هناك حتّى سنة 1970. ومنذ سنة 1970 عاش في الدير العامر، إنّما ظلّ يذهب أيّام الآحاد إلى كرخا لخدمة أهاليها, وعرف ببساطة قلبه، وطيب سريرته، وسذاجة تفكيره.

أثناء إقامته في دير المخلّص كان مواظبًا على الصلاة، يقوم بالخدم البسيطة التي تُطلب منه لكسر في رجله ولصعوبة حركته ومشيه. وكان محبًّا للإخوة وللسلام، مرح الطبع، طيّب العشرة، بسيط القلب. تأثّر كثيرًا بسبب التهجير في 28 نيسان سنة 1985، وقد نزح من العامر مع النازحين من الرهبان إلى دير عين الجوزة. وهناك شعر بتوعّك في صحته، فأُدخل مستشفى تل شيحا في زحلة، فلم يلبث فيه سوى بضعة أيام، ولم تكن حالته خطرة. وفجأة توفي في المستشفى في 17 آب 1985 فأقيم له جنّاز في كاتدرائيّة سيدة النجاة ودُفن في مقبرتها المخصّصة للكهنة.

الأب جورج عسّاف

        وُلد في دير القمر وتعمّد في ٩ آب ١٩٠٣، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٦ كانون الأوّل ١٩٢٨، وسيم كاهنًا في ٢٦ تموز ١٩٣١، علّم الرياضيّات في المدرسة المخلّصيّة، ثمّ أُعفي بسبب وجع في حنجرته. عُيّن من ثمّ مساعدًا لوكيل الدير ومنه انتقل إلى دير الراهبات ليقدّس لهنّ وليهتمّ بأمورهنّ الماديّة. وحدث أنّه أثناء الحرب العالميّة الثانية أخذ في تفريغ القنابل التي تركها جنود الحلفاء في ضواحي الدير فانفجرت إحداهنّ بين يديه، فعطّلت يده اليسرى وعينه اليمنى، إنّما تعافى بسبب اهتمام أخته الراهبة إيريني وخالته الراهبة هيلانة غفلة الحنونتين، ثمّ نُقل إلى الدير، فأخذ في حياة العمل الصامت والدائب، فاهتمّ بالعنبر وساعد الرئيس في دير المخلّص في ضبط الحسابات واهتمّ بتربية الحيوانات المختلفة وأخذ يستخلص ماء الزهر والعيزقان ممّا زاد في مدخول الدير. وفي أثناء عمله هذا كان يهتمّ بجمع الطوابع مكمّلاً مجموعة الأب أثناسيوس جامد فأحسن وأجاد. وفي كلّ هذه الأشغال وفي حياته كلّها كان الراهب النشيط والغيور على مصلحة أمه الرهبانيّة والعامل بحرص وفي الخفية وبإتقان وأمانة في سبيل عمرانها وتقدّمها. وكان بالأخصّ الراهب الصالح والورع المستمرّ رغم المصيبة التي ألمّت به، على المواظبة على الصلاة والتمارين العموميّة. وانتهت حياة جهاده بعذاب أليم توّج سلسلة عذابات لا يعرف سرّها ووطأتها إلاّ الله وحده. فقد قضى الأب عسّاف مدّة سبعة أشهر في مستشفى الدكتور اسكندر الحاج في صيدا تحيط به محبّة أخوته الرهبان وعناية فائقة من أمه الرهبانيّة التي لم تبخل عليه بشيء وهو الذي لم يبخل عليها بشيء. وطارت نفسه إلى الأخدار السماويّة في ٢٧ كانون الأوّل ١٩٨٠ وأجراس الميلاد تقرع على الأرض مبشرة بميلاد المسيح وبميلاد عبده الأب جورج عسّاف في ملكوت السماوات.

الأب بولس خرياطي

        هو الياس مخول الخرياطيّ، وُلد في جون وهو شقيق الخوري باسيليوس خرياطيّ المخلّصيّ. أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٤ حزيران ١٩٠٨ وسيم شماسًا في ٥ كانون الأوّل ١٩٠٩ وأُرسل إلى صور معلّمًا في المدرسة الأسقفيّة وهناك وسم بدرجة الكهنوت في ٢٥ كانون الأوّل ١٩١٠، مرض بالتيفوئيد وشفي من هذه الحمى لكنّه عاد فانتكس وتوفّي بين أهله في المحتقرة سنة ١٩١٥ ودُفن في دير المخلّص.

الأب يوحنّا حدّاد

        وُلد في عين إبل في ٧ تشرين الثاني ١٩٠٦ وبعد نذوره البسيطة أُرسل إلى رومة وهناك حصل على شهادة الملفنة في الفلسفة واللاهوت، وهناك أيضًا أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٨ كانون الأوّل ١٩٢٩ وسيم كاهنًا في ٢ أيّار ١٩٣٣، لماّ عاد إلى الدير علّم في المدرسة اللاهوت النظريّ والفلسفة وحلّ محلّ الأب كيرلّس حدّاد رئيس المدرسة لمّا ذهب ليتخصّص في باريس. سنة ١٩٤٠ أُرسل إلى حيفا بعد وفاة المطران غريغوريوس حجّار وقد كان الإكليروس والشعب منقسمًا بخصوص خلافة مطران العرب وبخصوص حقوق الرهبانيّة المخلّصيّة التي منذ عهد المؤسّس الذي كان رئيس أساقفة صيدا وصور وعكّا، لم تنقطع سلسلة أبنائها كأساقفة على الأبرشيّة العكّاويّة. وفي هذه المناسبة كتب الأب يوحنّا نبذة مطبوعة بعنوان: للذكرى والتاريخ، وفيها يدافع بعلم وجرأة عن حقوق الرهبانيّة فكان لذلك أَثـَر عاصف إذ جلب عليه غضب المطران يوسف معلوف المدبّر الرسوليّ على الأبرشيّة المترمّلة. وحافظت الرهبانيّة على ابنها ودافعت عنه وأبقَته في بيت الرهبانيّة في حيفا رغم الاحتجاج ليدرس حياة المطران غريغوريوس حجّار والتي بأسف لم تظهر للوجود. سنة ١٩٤٣ عُيّن نائبًا عامًّا في أبرشيّة صور وبقي في هذه المهمّة حتّى مجمع ١٩٤٩ الذي فيه انتُخب مدبّرًا ثالثًا لكنّه ما عتّم أن ترك المدبّريّة ليتبع النظام الخاصّ في الرهبانيّة وذلك على أثر إعلان الفرائض الجديدة. ثمّ أخذ يتنقّل في الخدم، فكان كاتم السرّ في اللجنة الفاحصة للكهنة الجدد وللمستعدّين للكهنوت. ثمّ نراه كاهن الرعيّة في الدامور ورئيسًا للمدرسة الأسقفيّة في صيدا سنة ١٩٦٥ ثمّ انتقل إلى رعيّة فرن الشبّاك، عاملاً بالوقت نفسه محاميًا في الدعاوى الكنسيّة المتعلّقة بالزواج، ثمّ ترك فرن الشبّاك سنة ١٩٧٤ ولبث متشرّدًا يعمل فقط في المحكمة الكنسيّة حتّى توفّي فجأة ولم يشعر به أحد في ١٠ آذار ١٩٧٩، كان يمتاز بذكائه وعلومه وحكمه الصوابيّ، بيد أنّه لم يعرف أن يستثمر هذه المواهب كما يجب.

الأخ بوليكربوس ناصيف

        وُلد في إبل السقي قرب مرجعيون في ١٢ آذار ١٩٠٠، بعد نذوره الاحتفاليّة في ٦ أيّار ١٩٢٦ قضى مدّة طويلة في الخدمة في دير السيّدة. ثمّ انتقل إلى العامر ليقوم ببعض الخدم الديريّة كبيت المؤونة والبستان والمعصرة وغيرها، فقام بها بغيرة ونشاط، سنة ١٩٥٢ سافر إلى أميركا ليساعد في المؤسّسة الجديدة التي أُنشئت في ميثون، ولم يلبث أن عاد سنة ١٩٥٤ إلى العامر لسوء حالته الصحيّة. ثمّ قضى مدّة في دير مار سركيس ولمّا مرض رجع إلى الدير الرئاسيّ حيث توفّي سنة ١٩٦٣.

الأب بولس سويد

        وُلد في عيلبون (فلسطين) في ٧ آذار ١٩٠٧ من والدين هما إبراهيم سويد وحبوس، فرنسيس. أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١ كانون الثاني ١٩٣٠ وسيم كاهنًا سنة ١٩٣٣ قضى هذا الكاهن أكثر أيامه في التدريس والتأليف. علّم في المدرسة المخلّصيّة اللغة العربيّة مدّة ثلاث سنوات، انتقل منها إلى المدرسة البطريركيّة في بيروت يعلّم اللغة العربيّة ولبث هناك عشر سنوات. سنة ١٩٤٧ سافر إلى باريس حيث قضى خمس سنوات رجع بعدها حاملاً شهادة الدكتوره في الآداب. عُيّن سنة ١٩٥٤ كاهن رعيّة، في مكسيكو، خلفًا للأب فيليمون شامي المخلّصيّ، لكنّ المنيّة وافته فجأة سنة ١٩٥٥ كان لطيف المعشر، أنيسًا ومتواضعًا، وكان أديبًا بارزًا متضلّعًا في اللغة العربيّة وذا ثقافة واسعة. من مؤلّفاته أطروحته عن الشيخ إبراهيم اليازجيّ، ثمّ ترجمته لكتابي الدكتور ألكسي كاريل: "الإنسان ذلك المجهول" و"الصلاة"، ودراسته حول القدّيس بولس، وحول أمين الريحاني. كلّ هذه مطبوعة ولا تزال له مؤلّفات أخرى مخطوطة ومحفوظة في مكتبة دير المخلّص.

الأب يوحنّا داغر

        وُلد في مجدلونا في ٦ آب ١٩٠٧، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١ كانون الثاني ١٩٣٠ ثمّ سيم كاهنًا في ٢٣ حزيران ١٩٣٣، بدأ حياته الكهنوتيّة بالتعليم في المدرسة المخلّصيّة والمدرسة الأسقفيّة في صيدا ولبث في هذه المهمّة مدّة من الزمن. لكن، لمّا ظهرت مواهبه الإداريّة عُيّن رئيسًا للمدرسة الأسقفيّة في صيدا فعزّزها ووسّع أمكنتها حتّى ضاقت بالتلامذة ومنها الداخليّين الوافدين عليها من كلّ صوب، واشتهرت كثيرًا. وإذ اكتشف المطران نيقولاوس نبعة مواهب الأب حنّا المختلفة عيّنه سنة ١٩٤١ وكيلاً أسقفيًّا في أبرشيّة بانياس المترمّلة بوفاة راعيها المطران إكليمنضوس معلوف والتي كان المطران نبعة مدبّرًا  بطريركيًّا لها. سنة ١٩٤٣ عُيّن رئيسًا لدير المزيرعة فأحسن التدبير في إدارة الدير وتحسين الأرزاق، لذلك انتخب في مجمع ١٩٤٩ مدبّرًا رابعًا. وقد جمع مدّة من الزمن مع المدبّريّة رئاسة دير المخلّص. ومن أعماله في هذه الحقبة وبعدها بناء البركة الكبيرة شرقيّ الدير التي أنعشت الأرزاق والطابقين الموجودين فوق بئر قزما والبناء الذي في شرق المدرسة. وهو الذي جدّد غرف ممشى بولاد وأشرف على البناء الغربيّ في دير الراهبات أيّ المدرسة الحاليّة. وفي هذه الخدمات كلّها كان العامل النشيط والغيور. سنة ١٩٥٦ أُرسل إلى خدمة الرعيّة في حارة الزيتون في الشام ووكيلاً رهبانيًّا فأصلح الوكالة القديمة وجعلها بيتًا للطلاّب ثمّ نشط في خدمة النفوس فاحترمه الكلّ لغيرته وعلمه ولِما قام به من سهرات إنجيليّة ومواعظ وزيارات رعائيّة. سنة ١٩٦٢ انتخب من جديد رئيسًا لدير المخلّص فنصّب الحماري كرم عريش وحفر بئرًا أرتوازيّة في ضهور بكفيا. بعد رئاسة الدير انتقل إلى الحدث خادمًا للرعيّة ثمّ إلى دير رشميّا رئيسًا وبقي فيه إلى أن توفّي سنة ١٩٧٥ فنُقل إلى العامر ودُفن فيه. كان هذا الكاهن ممتازًا بغيرته على النفوس وبإخلاصه لأمه الرهبانيّة. عمل مدّة طويلة في البناء وإصلاح الأرض وخدمة مصالح الرهبانيّة المختلفة. وقد قدّرته الرهبانيّة وحفظت له ذكرى ابن فاضل وبارّ.

الأب يوسف نخلة

        وُلد في الرامة (فلسطين) في ٢٧ كانون الثاني ١٩١٠ ودخل الدير فأبرز نذوره البسيطة في ١٩ تشرين الأوّل ١٩٢٦ وبعدها لنباهته وتقواه أُرسل إلى مدرسة القدّيس أثناسيوس في رومة للتخصّص في العلوم الدينيّة. وفيها أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٨ كانون الأوّل ١٩٣٠ وسيم كاهنًا في ٣ كانون الأوّل ١٩٣٣، ولمّا رجع إلى الشرق في أوائل سنة ١٩٣٤ باشر الخدمة والتعليم في دير السيّدة والإكليريكيّة المخلّصيّة، فعمل بجهد وإتقان في التعليم وإدارة خورص الرهبانيّة وحرص على إتمام واجباته ككاهن وراهب. وقد عرف أن يستفيد من الوقت ومن المواهب التي أُعطيت له فعزّز عِلم البصلتيكا والترنيم الكنسيّ وأسهم مساهمة كبرى في المحافظة على تراث الرهبانيّة المخلّصيّة في هذا المجال. وقد جعل من الإكليريكيّة المخلّصيّة مدرسة تبعث بالأنغام إلى البعيد كما كانت تشعّ دومًا بالفضيلة والعِلم. وفي هذا المجال نشر بالطبع كتبًا كثيرة منها: خدمة جنّاز العلمانيّين والرهبان والأطفال، خدمة الفصح المجيد بالتعاون مع الأب كيرلّس حدّاد، الليتورجية الإلهيّة وهو كتاب لا يستغنى عنه في الترنيم الكنسيّ البيزنطيّ وكتاب البروصوميات وغيرها. كما نشر بعض ترجمات للآباء الشرقيّين اليونان في الرسالة المخلّصيّة. أُرسل إلى خدمة الرعايا بعد هذه السنين التي قضاها في المدرسة فكان في عمّان سنة ١٩٤٩، وفي الزرقاء في مبادئ تأسيس هذه الرسالة المخلّصيّة سنة ١٩٥١ وفي عين زحلتا سنة ١٩٥٨، وفي صور سنة ١٩٦٥، وفي الدامور سنة ١٩٦٨ وأخيرًا انتقل إلى النبطيّة سنة ١٩٧٤، ولمّا كان عمله الراعويّ مقتصرًا على بعض الخدم الدينيّة عمل في رسالة نشر البشارة الصالحة بواسطة المطبوعات المختلفة. فلم يكن يهدأ عن البحث والتأليف والنشر والتجوال لأجل تعميم هذه الكتب والمنشورات في الأوساط المسيحيّة وغير المسيحيّة. من منشوراته القدّاس الإلهيّ في أشكال وطبعات مختلفة، الصلوات العموميّة لمختلف الظروف والأحوال، والتحفة البهيّة في الصلوات والأناشيد الكنسيّة والشعبيّة الملكيّة والمارونيّة، ورفيق المصلّي وصلاة الصوم والمدائم والبراكليسي وأسبوع الآلام المقدّس والفصح المجيد، وصلاة الغروب والمزامير على الألحان الثمانية، وأناشيد شعبيّة لتلامذة المدارس، وتريز الطفل يسوع قدّيسة إنطلاقيّة وشاعرة روحيّة باللغتين العربيّة والافرنسيّة، ومنتخبات من قصائد القدّيسة تريزيا الطفل يسوع، وهديّة مطران وباقة زهور إلى القدّيس شربل مخلوف، والتآلف المسيحيّ وغيرها من الكتب. وكان يستعدّ لنشر رحلة أدبيّة مسكونيّة من النبطيّة إلى دير عين الجوزة. عدا هذا كلّه هناك ركمة من المنشورات المدرسيّة والدفاتر والمفكّرات والصور المقدّسة. وقد استهدف الأب نخلة من هذا النشر تدعيم الملكوت وشدّ العروة مع الله بالصلاة والتسبيح له بالنشيد والترنيم، وتسهيل الصلاة لكلّ مؤمن ومساعدته لتكون الصلاة صلة المخلوق بالخالق، وعمل أيضًا في سبيل توحيد القلوب وصهر النفوس في بوتقة الإيمان بالله الواحد ومحبّته وخدمته على الأرض. واستمرّ الأب نخلة رسولاً للكلمة وللمسيح في كلّ الأنحاء اللبنانيّة متجوّلاً في القرى والمدن يحمل إليها نفثات قلبه المحبّ لله. ولمّا تفاقم الخراب في بلدة النبطيّة بسبب الحرب اللبنانيّة الطويلة نقلته السلطة سنة ١٩٨٢ إلى دير عين الجوزة ليخدم القرى المجاورة لهذا الدير وليساعد النائب الأسقفيّ العامّ في البقاع الأب غريغوريوس غصان رئيس دير عين الجوزة. إلاّ أنّ الموت فاجأه وفاجأ كلّ مَن عرفه بسبب أنّه لم يكن يشكو من شيء ولا يتعب من شيء رغم كثرة أسفاره وشظف معيشته وقلّة اهتمامه براحته وبهندامه. وكان موته في ٦ آب ١٩٨٢ في يوم عمّ فيه الفرح والسرور بسبب عيد الدير العامر ورسامة أربعة من أبناء الرهبانيّة كهنة وشمامسة. وأُقيم له جنّاز خاشع وبسيط، أسف فيه الجميع لغياب كاهن فاضل تاجر بالوزنات واستغلّ المواهب التي أُعطيت له بنشاط وهوس جاوز الحدود أحيانًا، واضعًا نصب عينيه أنّه راهب وكاهن كرّس نفسه لخدمة الله والإنسان.

الأب جورج رعد
هو يوستينوس رعد الخوري، من خبب - حوران. وُلد في 9 آب 1908. ابتدأ في 6 أيلول 1925. أبرز نذوره المؤقّتة في 19 تشرين الأوّل 1926. وبسبب ضعف صحّته أُرسل الى دير المزيرعة سنة 1930 وعاد الى المدرسة في السنة عينها مستجمّ القوى. أبرز نذوره الاحتفاليّة في 21 تشرين الثاني 1930. وسيم كاهنًا 29 حزيران 1933 في صيدا، ودعي جاورجيوس، وتعيّن معلّمًا في المدرسة. في أواخر أيلول 1943 أُرسل الى دمشق رئيسًا لمدرسة باب المصلّى وفي أوائل السنة المدرسيّة من السنة عينها تعيّن للمدرسة البطريركيّة، ثمّ عاد في صيف 1938 الى الدير، فتعيّن لخدمة رعيّة عين زحلتا في شباط 1939، وأقام هناك سنة، أُعيد بعدها الى المدرسة البطريركيّة في بيروت ثمّ رئيسًا لمدرسة صور الأسقفيّة. وبعدها تعيّن وكيلاً خاصًّا لدير المخلّص. ثمّ لزم مدّة دير عين الجوزة يساعد الرئيس في الإدارة وفي خدمة النفوس في القرى المجاورة. وسنة 1955 تعيّن رئيسًا لمدارس حوران، وبقي ملازمًا لبلدة خبب الى صيف 1957، ثمّ عاد الى دير المخلّص حيث بقي مدّة. نُقل بعدها الى دير عين الجوزة لمساعدة الرئيس هناك الأب يوسف يارد. ثمّ الى الفرزل حيث ثبت وبقي حوالي الثلاثين سنة. تقاعد عن الخدمة وبقي في الفرزل الى سنة 1998، حيث نُقل الى مأوى العجزة في تل شيحا. وبعدها ذهب الى حوران حيث أمضى فترة وجيزة عند أخيه. وفي العام 1999 انتقل الى دير المخلّص، وبعد عمليّة جراحيّة نُقل في 22 أيّار 2001 الى دار المسيح الملك لتتأمّن له الخدمة اللازمة واللائقة. توفّي في 8 تشرين الثاني 2005، عن عمر يناهز السبعة وتسعين عامًا. أُقيم له جنّاز في كنيسة دير المخلّص، ترأّسه المطران جورج كويتر، وشارك فيه عدد من الأساقفة والرهبان والراهبات والمؤمنين. ألقى كلمة التأبين باسم الرهبانيّة الأب نقولا صغبيني. ثمّ دفن في كمنتير الدير.
الأب إيزيدور أبو حنّا

        وُلد في ٢ كانون الثاني ١٩٠٨ في معليا (فلسطين) وأبرز نذوره الرهبانيّة في ٢١ كانون الثاني ١٩٣٠ وسيم كاهنًا في ٢ شباط ١٩٣٧ وألقى بهذه المناسبة خطابًا رائعًا بعنوان ذكرى الأفضال، وفيه ظهرت مواهبه الخطابيّة وتضلّعه باللغة العربيّة. وبقي في المدرسة أستاذًا وعاملاً في الترجمة من اليونانيّة إلى العربيّة، فظهر له كتاب دفاع سقراط ومحاورة في الشعر لأفلاطون وضريحيّات للقدّيس غريغوريوس النزينزي وترجمات كثيرة لمواعظ القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم الذي كان معجبًا به. وكان يحرّض تلاميذه على إتقان اللغة العربيّة واللغة اليونانيّة. سنة ١٩٤٠ بدأت خدمته المتنقّلة للنفوس في أمكان كثيرة وبلاد مختلفة، فخدم أوّلاً في عين زحلتا سنة ١٩٤٠ ثمّ في مشغرة حيث أسّس ناديًا للشباب ثمّ في الشام رئيسًا للمدرسة البطريركيّة المجّانيّة، ثمّ في حيفا حيث حضر النكبة الفلسطينيّة سنة ١٩٤٨ ووصفَها في يوميّاته وصفًا دقيقًا وشاملاً أُعجب بها مركز الأبحاث الفلسطينيّ في بيروت. وبعد النكبة عاد إلى الخدمة في عمّان سنة ١٩٥٠ ثمّ في مشغرة سنة ١٩٥٢ حيث أسّس ناديًا للبنات ومدرسة ليليّة فيها ثمّ في حوش الأمراء سنة ١٩٥٧ ثمّ في معليا. وفي سنة ١٩٦٥ عُيّن رئيسًا لدير معلولا ومنه انتقل سنة ١٩٦٩ إلى معليا سعيًا وراء سلام وراحة نفسه. وعاد من معليا محمّلاً بكثير من المخطوطات والوثائق التاريخيّة والصور القديمة فأغنى المكتبة المخلّصيّة كما أغناها بمكتبة الدكتور إسطفان الخوري من جزّين التي حصل عليها بسياسته ولحاجته. وهي مجموعة كتب ومخطوطات طبيّة عربيّة قديمة. سنة ١٩٧٤ عُيّن كاهنًا خادمًا في أبرشيّة طرابلس وبقي هناك حتّى سنة ١٩٧٥، وعندما شعر بالداء الخبيث يتملّك في جسمه رجع إلى الدير، فأغدقت عليه الرهبانيّة محبّتها فأرسلَته إلى مستشفى الدكتور إسكندر الحاج في صيدا للمعالجة. وقد شهد الطبيب المذكور بأنّ الأب إيزيدور هو كاهن تقيّ وصبور ومستسلم لإرادة الله وقد أُعجب به كثيرًا. وفارق هذه الحياة في ١٥ نيسان ١٩٧٥، وكان هذا الأب فاضلاً وتقيًّا، وخطيبًا قديرًا وكاتبًا باللغة العربيّة مجيدًا. وقد ترك للرهبانيّة يوميّات بدأها سنة ١٩٣٢ واستمرّ في تحريرها حتّى سنة ١٩٧٥ وهي كنز تاريخيّ ثمين، يحوي كثيرًا من المعلومات والصور وشجرات العائلات الشرقيّة وهي سجلّ لا يُستغنى عنه لكتابة، بعد التمحيص، بعض حوادث تاريخيّة عاصرها الأب إيزيدور أبو حنّا.

الأب يوحنّا عجيمي

        ولد في جون جارة دير المخلّص، في 8 تشرين الثاني سنة 1908 وهو شقيق الأب مكسيموس عجيمي. ثمّ دخل في سلك الرهبانيّة المخلّصيّة فنذر في 19 تشرين الأوّل سنة 1926 نذوره البسيطة، ثمّ الاحتفاليّة في 21 تشرين الثاني سنة 1930. وسيم كاهنًا في 29 حزيران سنة 1933. بادئ ذي بدء قضى السنين الأولى من حياته الكهنوتيّة أستاذًا في الإكليريكيّة المخلّصيّة حتّى آخر سنة 1933، ثمّ انتقل سنة 1934 إلى المدرسة الأسقفيّة في صور. بعد هذه الخدمة في التعليم انتقل إلى الخدمة في الرعايا فكان كاهن رعيّة في حيفا من 25 تشرين الأوّل سنة 1936 إلى 17 تشرين الثاني سنة 1943، ثمّ انتقل إلى البصّة حتّى سنة 1947. وبعد نكبة سنة 1948 عاد من فلسطين فخدم في حاصبيّا ومرجعيون وأخيرًا في حدث بيروت، حيث بقي حتّى سنة 1967. وانتقل بعدها إلى حوش الأمراء في زحلة حتّى سنة 1977، ثمّ إلى عين زحلتا من سنة 1978 حتّى سنة 1983. بعدها انتقل إلى العامر. وعندما حلّت محنة التهجير سنة 1985 سكن في دير القدّيسة تقلا في عين الجوزة، فكُلّف بخدمة القرى المجاورة للدير كصغبين وباب مارع واستمر فيها حتّى وفاته. واشتهر هذا الكاهن بدقّة محافظته على واجباته الراعويّة، وبانطوائه على ذاته، وعيشه في إطار رهبانيّ مستقل بسبب التزامه بمساعدة أهله وأقاربه، خاصّة بعد وفاة شقيقته زوجة الياس يعقوب حدّاد في حادث سير مروّع على طريق البقاع. وكان يعيش مع الجماعة بهدوء ووداعة، يطالع كثيرًا، ويعمل بصمت، ويدقّق في خدمته للنفوس. توفّي في دير عين الجوزة في 20 شباط سنة 1993 ونُقل إلى دير المخلّص ودُفن في الكمنتير.

الأب نقولا صايغ

ولد في النبطيّة، في الجنوب اللبنانيّ في 15 آب سنة 1909 من أبوين تقيّين ومن عائلة كريمة أعطت كهنة وراهبات، ورجالاً أفذاذًا عُرفوا في منطقة الجنوب بالنفوذ والوجاهة بسبب إيمانهم بالتعايش المسيحيّ الإسلاميّ ومنهم الأرشمندريت أثناسيوس الصايغ كاهن رعيّة مدينة النبطيّة. وقد شعر نقولا بصوت الله يدعوه لاتّباع المسيح فلبّى النداء سائرًا إلى دير المخلّص، فدخل الإكليريكيّة وبدأ يتدرّج في العلم والفضيلة إلى أبرز نذوره البسيطة في 19 تشرين الأوّل سنة 1926، والاحتفاليّة في 21 تشرين الثاني سنة 1930. وبعد أن أنهى دروسه الفلسفيّة واللاهوتيّة ارتقى إلى درجة الكهنوت في 2 شباط سنة 1937. وقد عرف طيلة دراسته بالرصانة والتقوى وبمحبّته لخدمة الإخوة.

وبدأ خدمته للرهبانيّة وللنفوس في إكليريكيّة دير المخلّص، يعلّم خصوصًا الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة، ويرشد الإكليريكيّين، ويناظر الطلاّب، ويعتني بالمرضى. ويذكر طلاب تلك الحقبة خشوع الأب صايغ في الصلوات، وتدقيقه في حفظ القوانين، وغيرته على تطبيب النفوس والأجساد، واهتمامه بتنشئة جيل قويّ الإرادة والمراس، تقوم وتعمل على طرح ميوعة الأخلاق، وسهولة العيش، واللامبالاة في حفظ القوانين والواجبات، ويذكر كثيرون شغله الدقيق في صنع القلانس، واجتهاده في تلقين هذه الصنعة للبعض من التلاميذ.

وبعد عشر سنوات من خدمة الرهبانيّة في الإكليريكيّة انتقل إلى خدمة النفوس في الرعايا. فعرفته رعيّة الفرزل سنة 1946، ثمّ رعيّة عين زحلتا سنة 1949، ثمّ كفرحونة. وأخيرًا عاد إلى الدير وسكن فيه. ويذكر السجل الرهباني عنه ما يلي: "كان الأب صايغ كثير النشاط، غيورًا محبًّا لرعيّته ومحبوبًا منها. يسخّر في سبيلها كلّ ما يملك من صحة وهمّة ولا يتردّد أبدًا في القيام بواجباته الرعويّة. وكان الراعي الصالح للنفوس، يفتّش عن الخراف الضائعة، ولا يذوق الراحة إلاّ متى وجدها وأرجعها إلى الحظيرة. وأثناء هذه الخدمة الطويلة في الرعايا كان يدير الجمعيّات الخيريّة، ويرشد الأخويّات، ويلقي مثائل التعليم المسيحيّ في المدارس، ويصدر نشرة تقويّة اسمها "الحياة المسيحيّة الفضلى".

ونظرًا لتقواه الراهنة وتدقيقه في حفظ الرسوم الرهبانيّة انتُخب معلّمًا للابتداء ورئيسًا لدير سيّدة النياح سنة 1964، وبقي في هذه المهمّة ثلاث سنوات فسعى جادًّا لتنشئة جيل رهبانيّ على التقوى والصلاح ومحبّة الرهبانيّة. وكان لهم مثلاً في محبّة الصلاة، والتدقيق في حفظ النذور الرهبانيّة والأمانة في اتبّاع المسيح. وسعى جادًّا فأصلح الكنيسة واشترى لها مقاعد، واستصلح الأرزاق وجدّد كثيرًا في دير السيّدة. وفيه تعرّض لانتكاسة في القلب كانت بدء سلسلة أمراضه وعذابه وأتى إلى دير المخلّص فعُيّن كاهن رعيّة النبطيّة وحلّ محلّ عمّه الأب اثناسيوس الصايغ. ثمّ انتقل إلى رعيّة أبّلح حتى سنة 1974 ثمّ عاد نهائيًّا إلى دير المخلّص فكان مساعدًا لرئيس دير المخلّص. ثمّ استلم مؤقتًا وكالة بيروت فلبث فيها شهرًا واحدًا، ثمّ انتقل إلى دير النبيّ الياس في رشميا لمساعدة رئيسه الشيخ الأب مخائيل أبو عرّاج، ولم يلبث فيه طويلاً.

وأخيرًا استقرّ في دير المخلّص، فاهتمّ بالرعايا المجاورة له كأنان وروم والجميليّة ومجدلونا، وبالمرضى والفرمشيّة والبريد، وبتأمين الخدمات الروحيّة للراهبات المخلصّيات. ولكن كان قد وهن جسمه وضعف قلبه وخفّ نشاطه. وبدأ منذئذ مرحلة درب الصليب فاستسلم لإرادة الله. وكثرت أوجاعه لكثرة ما تحمّل من صعاب في خدمة النفوس، ومن عيشة تميّزت بشظف العيش وبالتقشف وبالتضحية دون حدود، خصوصًا بعد محنة النكبة السادسة في 28 نيسان سنة 1985. فاستكنّ آنئذٍ في دير يسوع الملك، يعيش بهدوء وسلام هاجسًا دومًا بالدير الأم وراغبًا ومتشوّقًا للرجوع إليه. وفي المدّة الأخيرة تكاثرت أوجاعه خصوصًا بعد أن كسر وركه فأُدخل إلى مستشفى "سان جورج" في عجلتون، ثمّ بدأت تتدهور صحته وأخذت تضعف يومًا بعد يوم، وزاد النشاف في رأسه حتّى أصبح علاجه صعبًا، وعاش الشهر الأخير من حياته في شبه غيبوبة وضياع، إلى أن فاضت روحه في 21 آب سنة 1988، فأقيم له جنّاز في دير الرسول يوحنّا الحبيب في جعيتا، حضره الآباء والأهل والمعارف ودُفن في مدفن كنيسة سيدة العناية في الدورة. وذكره لا يزال حيًّا في قلوب كثيرين خصوصًا في قلوب تلامذته الذين أرشدهم وثبّتهم في دعوتهم الرهبانيّة، وفي نفوس أفراد الرعايا الذين خدمهم ودلّهم إلى المسيح الذي هو وحده "الطريق والحقّ والحياة".

الأب أغناطيوس الشيخ

        ولد أيوب الشيخ في بلدة المعرّة قرب الشام في 12 نيسان سنة 1908. وأتى إلى لبنان ودخل الإكليريكيّة بسعي من خاله الشمّاس الياس سيدة، وتدرّج في العلم والفضيلة ثمّ نذر نذوره البسيطة في 14 آب سنة 1927 ونذوره الاحتفاليّة في 24 كانون الثاني سنة 1932. ورقي إلى درجة الكهنوت في 2 شباط سنة 1937.

        لبث منذ رسامته إلى سنة 1939 في الإكليريكيّة المخلّصيّة أستاذًا وناظرًا، وكان بارعًا في اللغة العربيّة، قويّ البنية، لطيف المعشر. ثمّ نُقل إلى بلدة المعاصر في الشوف وبقي فيها إلى سنة 1954 وكان فيها يدير المدرسة الأسقفيّة، ويهتمّ بأخويّة الملاك ميخائيل للشباب، وأخويّة سيّدة الانتقال للبنات، ويلقي بعض المحاضرات. وكان محبوبًا من الجميع، رجل سلام ووئام، محبًّا للجميع. وتعلّق به أهل هذه البلدة، ولبثوا دومًا يطالبون برجوعه إلى خدمتهم كما ظلّ هو يحنّ إلى هذه البلدة ويستسيغ الخدمة فيها. بعد سنة 1954 عُيّن رئيسًا لمدارس أبرشيّة حوران. ثمّ في أيلول وسنة 1955 انتُخب رئيسًا لدير مار سركيس وباخوس في معلولا، ثمّ أُقيل في سنة 1957، فعُيّن رئيسًا للمدرسة الأسقفيّة في صور. ولبث سنة واحدة فقط فيها، عاد بعدها إلى العامر. ومنه ذهب خادمًا للنفوس في المختارة وما حواليها من القرى، ثمّ إلى المعاصر من جديد سنة 1959 ثمّ إلى كفرحونة. وفي مجمع سنة 1962 انتُخب رئيسًا لدير المزيرعة وخادمًا لرعيّة كفرحونة. ومن سنة 1965 إلى سنة 1969 نراه في المعاصر لثالث مرة، ثمّ في الزرقاء لمدة قصيرة من الزمن، عاد بعدها إلى المعاصر في تشرين الأول سنة 1974، وكان هو راعيًا للنفوس فيها سنة 1976، عند مقتل الزعيم الدرزي كمال بك جنبلاط. وبسبب هذا الاغتيال حصلت مذبحة للمسيحيّين في المعاصر وفي سائر قرى الشوف القريبة من المختارة. انتُخب سنة 1978 رئيسًا لدير عميق، لكنه استعفى بعد بضعة أشهر. وبعد وفاة الأب إتيان حدّاد على طريق الزرقاء – عمان في 16 نيسان سنة 1982 تسلّم مكانه رئاسىة دير المزيرعة إلى أن عُيّن سنة 1983 رئيسًا أصيلاً له. وكانت هذه الخدمة في الدير المذكور آخر خدمة له في العالم، عاد بعدها إلى العامر وعاش فيه مستكنًّا.

        عُرف هذا الكاهن بأنّه كان قويّ البنية، طيّب القلب، مرحًا في عشرته، مرضيًا بحديثه، أمّا في الخدمة فكان مندفعًا، قريبًا إلى القلب، حُرّ الضمير، صريحًا، أحسن الخدمة في الرعايا بسبب حبّه للسلام ولبغضه للخصام والفرقة، ولحبّه للاكتفاء بما يُطلب منه دون نزعة إلى التغيير والتجديد لئلاّ يُحدث بلبلةً وقلقًا ووهقًا لنفسه وللغير.

        عاش سنين طويلة في العامر حين كان بعيدًا عن الوظائف والخدم الرعويّة. وأخيرًا سكن فيه مستكنًّا، واستراح لأنّه دون مسؤوليّة، وعاش محبًّا للبريّة والحقول وللصيد ومحبًّا للإخوة وللسلام في الجماعة. وعُرف بلطف الحديث، وحسن العشرة، والابتعاد عن المشاكل. بعد النكبة السادسة ذهب إلى بلدته المعرّة لزيارة الأهل ومكث هناك بضعة أسابيع بين ذويه وأقاربه، وفجأة أصابته نوبة قلبيّة حادة فتوفي وهو يشرب القهوة في 3 أيار سنة 1985 ودفن في مقبرة العائلة في معرّة صيدنايا.

الأب بطرس حدّاد

     وُلد في بطمة الشوف القريبة الى المختارة العاصمة الدرزيّة في أوّل حزيران سنة 1910. وربي صغيرًا في بيت تقوى وصلاح وعاش في أجواء طبيعيّة جميلة، وصفها في قصيدة رائعة الأب نقولا أبو هنا المخلّصيّ. وما عتّم أن شعر بنداء الربّ يدعوه الى اتّباعه فلبّى الدعوة سريعًا لما ترسّب في نفسه من رواسب البرّ والتقوى طبعها في نفسه أهله وخصوصًا خاله الأب العلاّمة والشاعر المبدع الأب نقولا أبو هنا المخلّصيّ. فقصد دير المخلص ودخل الإكليريكيّة المخلّصيّة وكانت منارة للعلم والفضيلة، تعاقب على رئاستها والتعليم في صفوفها بعض الآباء الممتازين أمثال الآباء جبرائيل نبعة، ويوسف الصابونجي، ويوسف بهيت ويوسف الشمّاس وغيرهم. وراح يتدرج في مراقي الكمال الرهبانيّ والكهنوتيّ فنذر النذور البسيطة في 23 كانون الأوّل سنة 1928 والاحتفاليّة في 14 أيّار سنة 1933 ورُقّي الى الدرجة الكهنوتيّة في 2 شباط سنة 1937.

     بدأ خدمته للرهبانيّة وللنفوس في الإكليريكيّة المخلّصيّة فكان أستاذ اللغة العربية التي أتقن أصولها على يد خاله العلاّمة، وكان مرشدًا فطنًا، ومربّيًا فاضلاً خصوصًا للمبتدئين بين سنة 1938 و 1939. فرأت الرهبانيّة أن تُسند إليه رئاسة المدرسة سنة 1940 وأُعيد انتخابه سنة 1943. وكانت الإكليريكيّة المخلّصيّة ميدانًا ظهرت فيه مواهبه المختلفة من تقوى راسخة، وإدارة حازمة، وتجديد متوازن. ولذلك خطت المدرسة في عهده خطوات جبّارة في كلّ المجالات، وازدهرت فيها العلوم والنشاطات الأدبيّة والفنّية. ونذكر أنّه فَتح أبواب المدرسة للطلاّب الداخليّين، وقَدّم بعض الإكليريكيّين للشهادات الحكوميّة الرسميّة العالميّة، وأسّس مجلة النحلة لتكون ميدانا لشحذ قريحة الطلاب وللكتابة. وقد أعيد انتخابه رئيسا للإكليريكيّة بعد أن كبرت وعمرت سنة 1959.

     ومارس فترة طويلة من الزمن خدمة النفوس، فعرفته دمشق سنة 1946 وكيلاً للرهبانيّة وخادمًا للرعيّة في حارة الزيتون. وحاز على مديح وثناء خاص من البطريرك مكسيموس الصائغ، لما قام به أثناء هذه الخدمة من إلقاء مواعظ مؤثّرة، وإصدار نشرة شهريّة بأربع صفحات، وإرشاد الأخويّات والعائلات. ومن دمشق انتقل الى الإسكندريّة سنة 1952 خادمًا للرعيّة، ثمّ الى أبرشيّة يبرود وحمص كنائب عامّ للمطران يوحنّا بسول الخوري سنة 1962، ثمّ الى صيدا ككاهن للرعيّة أيضًا سنة 1970، ثمّ الى حيفا ككاهن للرعيّة سنة 1971. وفي كلّ هذه الخدم الرعويّة عُرف بالكاهن النشيط والغيور والساهر على النفوس سواء بالوعظ أو بنشر النشرات المفيدة لربط النفوس مع الله وشدّ العلاقة معه. وقد تعرّض الأب بطرس أثناء خدمته الرعويّة في سنة 1966 لحادث سيارة أدّى الى كسر رجله فعانى منها الكثير. وأُجريت له عدة عمليّات جراحيّة لم يُكتب لها النجاح. فترك خدمة الرعايا وانصرف الى العمل في مجالات أخرى تتوافق مع حالته الصحيّة.

     وقد رأينا، الأب بطرس، عندما كان رئيسًا للإكليريكيّة المخلصيّة يبعث نفحة أدبيّة بتأسيسه مجلّة النحلة، التي بدأت مجلّة مخطوطة ثمّ طُبعت في المطبعة المخلّصيّة لصداقة الأب جبرائيل بيطار مدير المطبعة آنئذ مع الأب نقولا أبي هنا ولرغبته في تعزيز النهضة الأدبيّة في الرهبانيّة. وقد أصبحت هذه المجلّة ميدانًا بدأ فيه كثير من الآباء المخلّصيّين أولى خطواتهم في الكتابة والتأليف. ونراه أيضًا سنة 1958 مديرًا للرسالة المخلّصيّة فعزّزها ورفع مستواها ودبّج على صفحاتها المقالات المتنوعة بقلمه السيّال ولغته الناصعة. وأخيرًا عندما كان معلّمًا للمبتدئين في دير السيّدة سنة 1983 أصدر مجلّة "السيّدة"، فكانت له منبرًا ألقى على النفوس من خلالها ما زخرت به نفسه من خبرات روحيّة ودينيّة ورهبانيّة ومن توجيهات اقتبسها من اختباراته الطويلة. وتوّج عمله الأدبيّ والروحيّ بإصداره سنة 1988 كتاب "أسرار الكنيسة السبعة في حياة الإنسان"، وهو كتاب جميل وشعبي، كان أكبر عزاء له، وخير دليل على ما كان في نفسه من محبة لله وللكنيسة. ورغم انصبابه على التأليف والنشر تناسى وأهمل الأب بطرس حداد التراث الثمين والضخم الذي تركه خاله والذي سلّمته الرهبانيّة له، فلم يحرّك ساكنًا لنشره ولردف الأدب العربيّ بروائع ما كتبه الأب العلاّمة.

     وعندما كُسرت رجله أخلد الى العمل الهادىء فعين سنة 1974 رئيسًا لإكليريكيّة بيت ساحور في فلسطين، وسنة 1977 عُيّن معاونًا ومرشدًا في الإكليريكيّة الكبرى المخلصيّة في دير القدّيس يوحنّا في جعيتا، ثمّ مسؤولاً عن إكليريكيّة الربوة البطريركيّة. وأخيرًا رأت الرهبانيّة أن تستفيد من خبرته الروحيّة الطويلة فعيّنته معلّمًا للمبتدئين سنة 1983. وفي هذه المجالات المختلفة تجلّت مواهبه الروحيّة، فكان فيها المرشد النصوح، والأب الفطن، والمربّي الصالح، دلّ كثيرين الى مناهج الخلاص وساعدهم في سلوكهم في مراقي الكمال.

     طغت على الأب بطرس حدّاد صفة العذاب المقرون دومًا بالبسمة وبالتفاؤل. فقد تحمّل الأمراض المختلفة والأوجاع والكسور والعمليّات الجراحيّة المتنوّعة، خصوصًا في سنيه الأخيرة. وقد شرب كأس الآلام حتّى الثمالة إذ أصابه مرض عضال في صدره جعله مسمّرًا على سرير العذاب، منصرفًا الى المطالعة والتأليف والصلاة.

        وظلّ رغم عاهته وأمراضه نشيطًا، غيورًا على مجد الله، يرشد وينصح ويكتب ويعظ إذا أمكنه ذلك. وقد واكب في هذه الفترة إذاعة "صوت المحبّة" بما كان يبثه من وراء مذياعها من أبحاث وتوجيهات روحيّة. وبقي في السنين الأخيرة ناسكًا في دير الرسول يوحنّا، يتعذّب بصبر، ويعيش بمحبّة، الى أن انتقل في 24 أيار سنة 1987 الى دار الخلود. فأُقيم له جنّاز حافل في كنيسة القدّيسين قسطنطين وهيلانة في جونيه، ثمّ نُقل الى مدافن الآباء البولسيّين في حريصا وهكذا انضم الى المتوفين منهم، أحفاد الآباء المخلصيّين وبه وبهم كبرت قافلة الكهنة الأمناء والأوفياء لكنيسة الملكيّين الكاثوليك.

الأب أثناسيوس نصورة

        ولد الأب أثناسيوس نصورة في 14 حزيران سنة 1910، في بلدة كرخا القريبة إلى العامر. وهذه القربى الجغرافيّة ولّدت قربى تاريخيّة روحيّة وربطت بعروة وثقى بين الجارين، فمدّت كرخا الرهبانيّة بكهنة ورهبان صالحين كثيرين. وفي هذا الجو نشأ وترعرع الأب أثناسيوس، يتطلّع مع إطلالة كلّ فجر، فيشرق له نور المسيح من الأكمة النيّرة، ويسمع كلّ صباح أجراس الدير التي تدعو إلى التعبد لله، فانغرس في قلبه حبّ الحياة الرهبانيّة، وتغلغل في دمه وفي عروقه، فأحبّ الربّ صغيرًا ويافعًا، وتكرّس له كبيرًا في الرهبانيّة المخلّصيّة. دخل الإكليريكيّة وتدرّج في مراقي الفضيلة والمعرفة، حتّى أبرز نذوره البسيطة في 23 كانون الأوّل سنة 1928، ثمّ أبرز نذوره الاحتفاليّة في 14 أيّار سنة 1933، ثمّ وُسم بوسم الكهنوت في 2 شباط سنة 1937، وكان شعار حياته: «خدمة وتضحية» في سبيل الآخرين، كما كتب على الصور التي وزّعها في يوم سيامته الكهنوتيّة.

        سجل التاريخ للأب نصّورة سجلاًّ حافلاً بالمآثر: فبعد الخدمة في الإكليريكيّة المخلّصيّة ثمّ في الكليّة البطريركيّة في بيروت سنة 1940، وفي مدرسة صور الأسقفيّة سنة 1947، بدأ خدمته للرهبانيّة في وكالة بيروت سنة 1949. فامتاز كما يقول السجلّ الرهبانيّ «بالغيرة على مصالح الرهبانيّة». فقد جعل هذا المركز محطّة خدمة، وواحة محبّة، يتلاقى فيها الآباء والإخوة، وبيتًا رديفًا للدير العامر المضياف، والحصن والملجأ والسند لكلّ محتاج. فما من أحد قصد الأب نصّورة إلاّ وخدمه، وما من أحد شعر بضيق وحرج إلاّ وفرّج عنه. سعى إلى خدمة الجميع وإلى خدمة أمّه الرهبانيّة التي كانت تجتاز في تلك الحقبة من الزمن أيّامًا سوداء مليئة بالبؤس. فلا أحد يجهل زلزال 16 آذار 1956 وفتنة 1958، وكم استلزمت من خدمات لدرء الخطر عن الرهبانيّة ولسدّ حاجاتها الضروريّة، فكان الأب أثناسيوس الجنديّ الشاكي السلاح المستعدّ دومًا للخدمة ولتلبية كلّ نداء مهما كان. وهذا ما جعله معروفًا ومعتَبرًا لدى السلطات الدينيّة والمدنيّة، التي كانت تلبّى طلباته بسرعة وتسمع نداءه مهما كان صعبًا. فالجميع عرفوا أنّه نِعم الممثّل للرهبانيّة الخادمة والشاهدة. وهكذا خلق الأب نصّورة صداقات ثابتة لخدمة الجميع وخاصّة لأمّه الرهبانيّة، ممّا ساعد أيضًا لبناء كنيسة جميلة، بهيّة، واسعة الأرجاء في بلدته كرخا، تشهد بالرغم ممّا أصابها من دمار وخراب بفضله العميم. وقد تجدّدت له تلك المهمّة في الوكالة المخلّصيّة في سوق النجّارين في بيروت مرّتين.

        وفي سنة 1959 نقل الأب نصورة إلى زحلة رئيسًا لدير مار الياس ووكيلا لأملاك الرهبانيّة في البقاع. فنشط في العمل لجعل الحضور المخلّصيّ حيًّا ومشعا. فقد امتدت يده إلى الكنائس والأديار فأصلحها بعد خراب أو تدمير أو حريق، وإلى المدارس فوسعها وزاد البناء فيها وحسنها، وإلى الأملاك الكثيرة فاستثمرها بجرأة طموحة وفطنة، وأضاف إليها فازداد ريعها ودرت بالخير الوافر على الرهبانيّة، حتى أضحت للرهبانيّة ثروة لا تقدر بثمن. وهذه اليد العاملة الي بنت وغرست وأصلحت ورممت فأحيت الميم كان يمدها الأب نصورة بالقوة والشجاعة بدفع من قلب كبير وسخي بالإخلاص، ملتهب بالحماس، ومليء بالمحبة لأمه الرهبانيّة.

        بدأ عمل الأب أثناسيوس في البقاع في كنيسة مار الياس «الضيعة» بعد أن احترقت سنة 1959، فلم يفاجأ بالنكسة، ولم يفشل للصدمة بل هبّ سريعًا إلى العمل. وفي يوم الحريق نفسه وجّه نداءً يطلب المساعدة فلبّى الزحليون وأصدقاء الرهبانيّة وكلّ من تحرّك قلبه للعطاء، فأصلح وبنى فعادت الكنيسة مزيّنة بالإيقونات والثريّات وعادت أكثر جمالا وبهاء. ثمّ بدأ ورشة إصلاح وترميم في كنيسة القدّيسة تقلا في زحلة، فأصلحها ونظّم أوقافها. وامتدّت يده إلى كنيسة المعلّقة وبعد أن أصلحها بنى بيتًا للكاهن لائقًا وواسعًا بمساعدة كاهن الرعيّة الأب جورج طربيه المخلّصيّ. ثمّ امتد نشاطه إلى خارج مدينة زحلة، إلى أبلح فأصلح الكنيسة وبنى بيتًا للكاهن وقاعة للرعيّة، بمساعدة الأب ميشال عشّي المخلّصيّ، وإلى برّ الياس فأصلح الكنيسة وبنى بيتّا جديدًا للكاهن. وكان للرهبانيّة مزار شهير للقدّيس جاورجيوس في بلدة دير الغزال، فعمل على تجديده وإصلاحه وبنى بيتًا قربه فأضحى مزارًا يقصده المؤمنون من كلّ حدب وصوب فيعظم إيمانهم بالله العجيب في قدّيسيه.

        ونذكر بين إصلاحاته الكثيرة أنّه بنى بيتًا للكاهن في حوش الأمراء، قرب كنيسة القدّيس يوسف، وقد أضحى ذلك البيت مدرسة مجانيّة بمساعي المرحوم الأستاذ ابراهيم كفوري وبعد ذلك مهدًا لدار الصداقة. وهكذا حضن الأب أثناسيوس دار الصداقة منذ مبادئها، وواكب تطوّرها وساعد في اتساع نشاطها. وهو الذي ساعد أيضًا في شراء أرض في كسارة لبناء «قرية الصداقة»، وفي تخصيص أرض في الفرزل لبناء مدرسة مهنيّة، حتّى تستطيع دار الصداقة مساعدة المحرومين من العطف والعناية والمسحوقين بالبؤس والشقاء. فعظيم أنت يا أثناسيوس! كم بنيت وأصلحت ورمّمت. وكم أحببت أمّك الرهبانيّة وأخلصت لها وكم عملت لتجعل الحضور المخلّصيّ مشعًّا وحيًّا.

        إن قلوبًا كثيرة دمعت على فراق هذا الراهب وهو في إطلالة شيخوخة صالحة أعطتنا ثمارًا يانعة امتلأت بها نفسه، وتطلّعات رائدة للسير بهذه الرهبانيّة نحو القمم. إنّنا نسجّل للأب أثناسيوس نصّورة صفحات كثيرة في سجل ذهبيّ، ونكتب له تاريخًا حافلا بمالمآثر ونرجو أن يتكامل هذا التاريخ في حياة الأبناء والأحفاد.

        إمتاز هذا الكاهن بصفات كثيرة وامتاز أيضًا بزهده، فهذا الكاهن الذي كان يملك القدرة على التنعّم بالمال الوفير، والبحبوحة الهنيئة ارتضى نمط عيش خاصّ هو أبعد ما يكون عن الترف والرفاهيّة، وأقرب إلى الزهد والفقر في كلّ نواحي الحياة. وكان مقتصدًا إلى حدّ التقتير في كلّ شيء، في اللباس والمأكل والمشرب والمسكن حتّى تذمر أحد إخوته من الرهبان المخلّصيّين الأميركيّين عندما رأى مكتبه في دير زحلة فقيرًا وزريًّا، فطرح عليه السؤال عن السبب فأجاب: «إنّنا نرضى بالفقر لكي نُغني الرهبانيّة  ونسدّ عوزها باقتصادنا. ولا ننسى، تابع يقول أنّنا رهبان قد نذرنا الفقر».

        بلغ الأب نصورة إلى شيخوخة صالحة وقد شبع من الأيّام فخلد إلى الراحة. ففي السنوات الستة الأخيرة من حياته استعفى من الخدمة الرعويّة ومن إدراة أملاك الرهبانيّة في زحلة وجوارها بسبب تقدّمه في العمر واستكنّ في الراحة أوّلا في دير مار الياس المخلّصيّة ثمّ في دير عين الجوزة. لكنّه لم يترك فرصة تفوته إلاّ وكان أوّل المشاركين في احتفالات دير المخلّص واللقاءات الاستشاريّة التي دعا إليها الأب العامّ للاستئناس بآراء الآباء.

        وفي أوائل شهر آذار بينما كان عائدًا إلى دير عين الجوزة أحسّ بدوخة وهو يصعد الدرج إلى الدير فإذا به يهوي إلى الحديقة وينكسر وركه بسبب تلك السقطة ممّا اضطره إلى دخول مستشفى تل شيحا في زحلة حيث أُجريت له عمليّة جراحيّة ناجحة. ولكن حدثت له اشتراكات عديدة وتوقّفت الكلى عن العمل ممّا أدّى إلى وفاته صباح يوم السبت الموافق 16 آذار سنة 1996، وهو ذكرى الزلزال الكبير الذي حلّ بمنطقة الشوف لأربعين سنة خلت في 16 آذار سنة 1956.

        وقد أقيم له جنّاز حافل في كنيسة مار الياس المخلّصيّة في زحلة عند الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأحد 17 آذار ترأّسه سيادة المطران أندره حداد، راعي الأبرشيّة الذي ألقى عظة مؤثّرة، واشترك في الجناز سيادة المطران كيرلّس سليم بسترس والمطران جورج اسكندر والمطران اسبيريدون الخوري ونائب عن الرئيس العام المتغيب في الأردن لرياضة روحيّة في مدينة الزرقاء، النائب المدبّر الأوّل الأب عصام درويش، والآباء المخلّصيّون المتواجدون في منطقة البقاع، وغيرهم من الكهنة والراهبات وجمهور كبير من المؤمنين. وبعد صلاة الجناز في زحلة نُقل الجثمان إلى دير المخلّص وسجّي في وسط كنيسة الدير حتّى موعد صلاة الجناز التي ترأّسها راعي أبرشيّة صيدا سيادة المطران جورج كويتر واشترك بالصلاة أيضًا المطران سابا يواكيم مطران عمان المستقيل والمطران يوحنّا حداد مطران صور والمطران رولان أبو جودة المدبّر البطريركيّ لأبرشيّة صيدا للطائفة المارونيّة والمطران مارون صادر مطران صور للموارنة، وعدد كبير من الآباء المخلّصيّين ومن كهنة رعايًا أبرشيتي صيدا وزحلة بنوع خاصّ. تلا الإنجيل المقدّس سيادة المطران رولان أبو جودة حسب العوائد المرعيّة كما وجّه راعي الأبرشيّة كلمة تعزية قلبيّة للأم الرهبانيّة ولذوي الفقيد وأبناء بلدته كرخا.

        ثمّ ألقى الأب الياس كويتر خطاب التأبين باسم الرهبانيّة، وختمه بقوله: إنّنا نتعزى اليوم لأنّ الأب أثناسيوس امتاز في حياته بمواقف رائعة في العطاء والبذل والإخلاص، فالأب أثناسيوس لن يرحل من عقولنا ومن قلوبنا، ونحن لسنا مقهورين بالموت بل قاهرين للموت لأنّنا أبناء القيامة.

الأب غريغوريوس أبو فرحات

        وُلد الياس في مغدوشة في ٢ كانون الثاني ١٩١٠ وأبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٤ أيّار ١٩٣٣ وسيم كاهنًا في ٢٩ حزيران ١٩٣٣ وبعد رسامته الكهنوتيّة علّم بنجاح في الإكليريكيّة المخلّصيّة الآداب العربيّة واللغة اليونانيّة والخطابة، ثمّ انتقل إلى المدرسة البطريركية في بيروت مديرًا للدروس. وفي سنة ١٩٤١ تسلّم إدارة المدرسة البطريركيّة في بيروت، وفي سنة ١٩٤٤ تسلّم إدارة المدرسة البطريركية في الشام فامتاز بعلمه ولين عريكته وسياسته. ولمّا نشب خلاف في الأبرشيّة البيروتيّة سنة ١٩٤٨ على إثر انتخاب المطران فيليبّوس نبعة راعيًا لأبرشيّة بيروت واعتراض الشعب في الجبل الذي طالب بأسقف من الرهبانيّة الشويريّة، عَهَدَ الكرسيّ الرسوليّ بالاتّفاق مع غبطة البطريرك الصائغ إلى الأب فرحات أن يرجع الوئام إلى الرعيّة. فتوصّل إلى تقريب القلوب لِما عُرف به من فطنة وحسن دراية. وفي مجمع ١٩٤٩ انتُخب مدبّرًا أوّل في الرهبانيّة. ولمّا سافر سيادة الأب العام نقولا برخش إلى البلاد الأميركيّة سنة ١٩٥٢ لأشغال رهبانيّة، تقلّد النيابة العامّة الأب فرحات وفي أثنائها شعر بنوبات تهدّ جسمه فبقي طريح الفراش إلى أن توفّي سنة ١٩٥٣ وأقيم له مأتم حافل. وقد امتاز هذا الأب بذكاء فطريّ وشاعريّة قويّة وأسلوب جذّاب في المعاطاة مع الناس. وكان ضليعًا باللغة العربيّة وسائر اللغات. ترجم سفر المزامير عن اليونانيّة إلى العربيّة واتّبع نصّ الترجمة السبعينيّة، وكذلك عُهَد إليه أيضًا بالإشراف على تنقيح الكتب الطقسيّة. وله خطب مختلفة منها خطبته في دمشق في يوم فلسطين، وفي يوم سيامته الكهنوتيّة سنة ١٩٣٧، ويوم تدشين دير الراهبات الجديد سنة ١٩٤١، وله مجموعة قصائد جميلة ومنها قصيدة مشهورة عن جزيرة أرواد.

الأب فيليبّوس خوري

        وُلد مارون الخوري في ٢٤ شباط ١٩١٠ في مغدوشة، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٤ أيّار ١٩٣٢ وسيم كاهنًا في ٢ شباط ١٩٣٧، لبث معلّمًا في المدرسة المخلّصيّة حتّى سنة ١٩٣٩ التي فيها نُقل إلى صور مديرًا لمدرستها الأسقفيّة. بعدها بدأ بالتنقّل من مركز إلى آخر، فنراه في مشغرة سنة ١٩٤٢ وفي حيفا سنة ١٩٤٥ وفي القدس سنة ١٩٤٦ ومغدوشة سنة ١٩٤٩ وفيها بقي ثلاث سنوات. انتقل بعدها إلى صور حيث كان وكيلاً لأوقاف الأبرشيّة مدّة ثماني سنوات. ثمّ نراه في طرابلس سنة ١٩٦٣ والطيّبة قرب القدس سنة ١٩٦٤ وصيدا سنة ١٩٦٤، ومنذ سنة ١٩٦٥ سكن في العامر يطالع كثيرًا ويترجم كتبًا عن الفرنسيّة إلى اللغة العربيّة التي كان ضليعًا فيها، ومنها الفلسفة الفرنسيّة من ديكارت إلى سارتر للمؤلّف جان فال، وغيرها، وآخر كتاب ترجمه للأب رشيد حدّاد وهو بعنوان: La Trinité chez les Théologiens Arabes ولا يزال مخطوطًا. وفي فترة الراحة هذه كان يتنقّل بين الأديار المخلّصيّة، يسلّي بنكاته وزجله وبومضات ذكائه. سنة ١٩٧٦ سمحت له الرهبانيّة التي عاملَته بالحسنى وبالمحبّة السخيّة أن يسكن عند أهله في مغدوشة، وفيها رقد بالربّ بعد مرض عضال في ١٢ أيّار ١٩٧٦، وهكذا انتهت بالموت حياة كاهن مليئة بالآلام المختلفة والأمراض والأوجاع المتنوّعة.

الأب الياس سمعان

        هو أنطون جرجس سمعان وليزا سمعان خرياطي، وُلد في جون في ٢٥ أيّار ١٩١١، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢١ تمّوز ١٩٣٥ وسيم كاهنًا في ٢٢ نيسان ١٩٣٨، بدأ حياة العمل الناشطة والمخلصة لأمّه الرهبانيّة في المدرسة المخلّصيّة عندما وُكل إليه التعليم والاهتمام بالشؤون الماديّة في المدرسة، فقام بالمهمّة على أحسن وجه، فقد كان حريصًا على الأشياء حتّى البسيطة ومُكبًّا على العمل وتقيًّا وورعًا وزاهدًا بأمور العالم. وهذه الصفات الممتازة حملت الرهبانيّة على تعيينه سنة ١٩٥٢ رئيسًا لدير المزيرعة واستمرّ في هذه المهمّة حتّى سنة ١٩٥٩، اجتهد أثناءها في تحسين الأرض وزرع الكروم وأشجار التفّاح والإجاص والكرز حتّى أصبح دير المزيرعة ديرًا منتجًا بسبب نشاطه وإخلاصه، وأصبح أيضًا وبالأكثر ديرًا مشعًّا يقصده الرهبان والعلمانيّون فيشاهدون فيه كاهنًا رجل صلاة وتقوى راسخة وقدوة للفضائل الكهنوتيّة والرهبانيّة. سنة ١٩٦٢ انتُخب رئيسًا على دير معلولا فمكث فيه ثلاث سنوات عاد بعدها مريضًا فسكن في الدير وعاش فيه مواظبًا على الصلاة إلى أن ساءت حالته الصحيّة ثمّ نُقل لخطورة مرضه إلى دير يسوع الملك وفيه رقد بالربّ في ١٠ أيّار ١٩٧٣. هذا الأب كان كاهنًا ورعًا زاهدًا طيّب القلب وسليم النيّة مُخْلصًا في المحبّة والخدمة لربّه ولرهبانيّته.

الأب أثناسيوس حوراني

        هو داود بن ملحم الحوراني وعدلا الخرياطي، وُلد في جون في ٤ كانون الثاني ١٩١٢، نذر نذوره الرهبانيّة في ٢١ تمّوز ١٩٣٥ وتدرّج بالدرجات المقدّسة وسيم كاهنًا في ٢٢ نيسان ١٩٣٨ رغم أنّه كان يشعر دومًا بألم في ركبته اليسرى ودُعي أثناسيوس. علّم العلوم الرياضيّة واللغة الفرنسيّة في المدرسة المخلّصيّة وفي مدرسة الراهبات بغيرة وعذوبة ولين طبع أحبّه من أجلها كلّ تلامذته ومعارفه وإخوته الرهبان. تسلّم إدارة الدروس في المدرسة البطريركيّة في بيروت سنة ١٩٤٥ فكان مثالاً في الدقّة والتفاني رغم الوجع الذي كان يشعر به. ولمّا اشتدّ ألمه، أُدخل المستشفى في بيروت للمعالجة إلاّ أنّ الداء قوي عليه فأسلم الروح بين أيدي إخوته بفرح وتسليم إرادة الله سنة ١٩٤٧ ثمّ نُقل إلى دير المخلّص وأُقيم له مأتم حافل وقد ترك هذا الأب في قلوب كلّ الذين عرفوه حسرة كبيرة لفقدانه في ريعان الشباب ولحميد صفاته. فقد كان واسع الفكر، شديد الإخلاص، محبًّا للعمل، متعلّقًا كثيرًا بأمّه الرهبانيّة، وديعًا وصبورًا على الألم.

الأب غريغوريوس غصّان

ولد الأب غريغوريوس في 27 أيلول سنة 1911 في بلدة الفرزل البقاعيّة العريقة بالإيمان، والغنيّة بالرجال الأبطال، والتي ردفت الرهبانيّة بطغمة كبيرة من الرهبان الصالحين بلغ عددهم حتّى اليوم 14 كاهنًا. جاء إلى دير المخلّص في 26 آب سنة 1928 ودخل في السلك الرهبانيّ. فنذر نذوره البسيطة في 25 آذار سنة 1930 ثمّ الاحتفاليّة في 21 تموز سنة 1935 ثمّ سيم شماسًا إنجيليًّا في 2 كانون الثاني سنة 1938 وكاهنًا في 22 نيسان من السنة ذاتها. وكانت الإكليريكيّة الميدان الأوّل لعمله الكهنوتيّ. لكن في 21 كانون الأوّل سنة 1940 انتقل إلى خدمة الرعايا فخدم في رعيّة المختارة والقرى المجاورة لها: بطمة وعماطور وعين قِنية والخرَيبة وبعذران، وكان يقدّس ثلاث قداديس كلّ أحد وبقي فيها حتى 2 تشرين الثاني سنة 1956. وهناك صادق الزعيم كمال جنبلاط، ودرس معه الاشتراكيّة المسيحيّة الصحيحة، وتعاون مع الأستاذ فؤاد رزق في العمل الوطنيّ والاجتماعيّ الذي خطّط له الزعيم الجنبلاطيّ. ثمّ بدأت خدمته للرهبانيّة فكان وكيلاً في صيدا، ثمّ رئيسًا لدير عين الجوزة سنة 1959، ثمّ رئيسًا لدير المزيرعة سنة 1965. وكان يخدم مع اهتمامه بدير المزيرعة رعيتيّ جزين وكفرحونة. وقد أجرى تحسينات كثيرة في أراضي الدير وجدّد بناء الغرف التي إلى جانب الكنيسة الجنوبيّ. واتّفق مع الإنعاش الاجتماعيّ على أن يكون دير المزيرعة مخصّصًا لصيفيّات الأولاد. وسعى مع النائب العامّ نقولا سالم لربط الدير بالكهرباء وبطريق صالح للسيارات. وفي سنة 1974 انتُخب رئيسًا لدير عميق، ثمّ عاد سنة 1978 كرئيس لدير عين الجوزة. وتجدّدت له الرئاسة سنة 1983, 1986، 1989، وكان بالإضافة إلى رئاسة الدير نائبًا أسقفيًا في البقاع الغربيّ وهو أوّل من تسلّم هذه المهمّة في عهد المطران أغوسطينوس فرح مطران زحلة، وكان أيضًا رئيس كاريتاس في البقاع الغربيّ. وفي كلّ هذه الخدم في الأديار عرف أن يجمع الناس حوله بكرم أخلاقه، وشجاعة مواقفه الوطنيّة، وسخاء ضيافته للناس، وحسن سياسته مع الزعماء الوطنيّين لمصلحة الرهبانيّة التي يحبّها ويحسن خدمتها، ويدافع عنها. ويسجّل له التاريخ المخلّصيّ مآثر جمّة في دير عميق بسبب صداقته مع المسؤولين في وزارة الأشغال وفي دوائر الدولة كمدير عامّ وزارة الأشغال العامّة السيّد أنطوان الريّس والسيّد مالك بصبوص رئيس المشروع الأخضر ورئيس بلديّة دير القمر وأعضاء البلديّة، فاستطاع أن يزفّت طريقًا يصل بين منطقة عميق ومنطقة رشميا، وأن يبني جسرًا فوق نهر الصفا لربط المنطقتين حين كانت الحروب الصغيرة في لبنان تحصر السكان في مناطق محدّدة وتضايق عيشهم. ومنذ صيف سنة 1992 بدأ يشعر بالمرض، فخلد إلى الراحة والسكينة في دير عين الجوزة، يحبّ الناس جميعًا، ويكرّم الأخوة، ويسعى لمصلحة الرهبانيّة إلى أن انطفأ سراجه فجأة في 24 تشرين الثاني سنة 1993، فأقيم له جنّاز أوّل في عين الجوزة ثمّ نقل إلى دير المخلّص، ودُفن بعد الصلاة الجنائزيّة في الكمنتير مع الآباء المخلّصييّن الذين سبقوه.

الأب نقولا سابا
هو شقيق الأب يوسف سابا، وُلد في قيتولي، بعد إبرازه النذور الرهبانيّة في ٦ تشرين الأوّل ١٨٩٥ أُرسل إلى رومة للتخصّص فنال لقب ملفان في اللاهوت، وسيم كاهنًا في رومة سنة ١٩٠٤، ويُذكر أنّه قام برتبة شمّاس في حفلة تتويج البابا القدّيس بيوس العاشر. ولمّا رجع إلى الشرق علّم في المدرسة المخلّصيّة علم اللاهوت إلى سنة ١٩٠٧ التي فيها انتُخب معلّمًا للمبتدئين ثمّ عُيّن كاهنًا للرعيّة ووكيلاً للرهبانيّة في شبرا وبقي فيها إلى سنة ١٩٢٥، نُقل من مصر إلى عكّا نائبًا عامًّا فكان في خدمته هذه غيورًا على النفوس، كثير اللطف بشوشًا نحو الجميع، أمينًا ومدقّقًا في أعماله، كريم اليد ورحومًا نحو الفقراء، وذا نفوذ كبير عند المسلمين. توفّي فجأة سنة ١٩٣٠ فعمّ الحزن الأبرشيّة العكّاوية كلّها وبكَته الصحف والجرائد، وقد عبّر عن الفراغ العظيم الذي أحدثه موت الأب نقولا سابا، المطران غريغوريوس حجّار في تأبينه البليغ له يوم وفاته، وكذلك عبّر عن حزن الرهبانيّة المفجوعة الأب نقولا أبو هنا في تأبينه له بالمناسبة نفسها.
الأخ بولس عازار

        وُلد في كفرحونة في ٤ أيلول ١٩١٣، أبرز نذوره البسيطة في ١٤ أيلول ١٩٣٠، انتقل إلى رحمته تعالى في المدرسة المخلّصيّة في ٤ آب ١٩٣٣ بداء الميننجيت. وقد حزن عليه وعلى شبابه جميع مَن عرفه لنجابته وحسن معشره وخفّة روحه.

الأب فيلبس أشقر

ولد في 15 شباط سنة 1913 في بلدة الصالحيّة القريبة إلى صيدا، والتي كان نصفها وقفًا للرهبانيّة المخلّصيّة. وكان من عائلة الأشقر المعروفة في كلّ المنطقة. وأتى إلى دير المخلّص وبدأ يتدرّج في الإكليريكيّة المخلّصيّة ويتدرّب على الحياة الرهبانيّة، فنذر نذوره الأولى في 14 أيلول سنة 1930، ونذوره الاحتفاليّة في 20 تموز سنة 1935، ثمّ ارتقى إلى درجة الكهنوت في 22 نيسان سنة 1938. "وكان ألثغ اللسان وسليم القلب جدًّا"، كما جاء في السجلّ الرهبانيّ.

وبدأ خدمة النفوس والرهبانيّة. فعرفته الإكليريكيّة المخلّصيّة أستاذًا، وعرفه دير المخلّص وكيلاً للكلار، ومهتمًّا بالضيوف، وخادمًا للرعايا المجاورة لدير المخلّص، كقتالي، وأنان والجميليّة ومجدلونا. ثمّ انتقل سنة 1943 إلى زحلة ليكون كاهنًا للرعيّة في حوش الأمراء، فمكث فيها بضع سنوات كان يهتمّ بأخويّة القدّيسة تريزيا ويلقي التعليم الدينيّ في المدرسة الرسميّة. وفي صيف سنة 1957 انتقل إلى دير المخلّص. ثمّ تعيّن رئيسًا للمدرسة الطائفيّة في باب المصلّى – الميدان في الشام، ومنها انتقل إلى كفرحونة لخدمة الرعيّة. نُقل بعدها إلى رمل الإسكندريّة سنة 1971 ثمّ إلى زحلة سنة 1972 حيث خدم رعيّة مار الياس "الضيعة". وفي آخر سنة 1972 عيّن رئيسًا لدير معلولا، وتجدّدت له الرئاسة سنة 1974، إنّما لم تكن خدمته فيه كما يقول السجل "أمينة ومُخلصة"، "فقد تبلبلت الأمور وتعثّرت وتبيّن فيما بعد أنّ بعض الإيقونات القديمة قد فُقدت في عهده". ومنذ سنة 1978 سكن في دير المخلّص دون عمل يُذكَر متشكّيًا من سوء حالته الصحيّة، ومهووسًا بفكرة الأسقفيّة هوسًا غير مبرّر. وقد صدرت منه لهذا السبب أعمال لا تنمّ عن نضج صحيح وتركيز في التفكير.

وبعد التهجير من دير المخلّص في 28 نيسان سنة 1985 ظلّ يحلم بالأسقفيّة وذهب يومًا إلى الشام لهذه الغاية. وفي الليل أحسّ بتعب في القلب، فنقله الأب نيلس الصعوب، من أنطش باب المصلّى في الميدان إلى المستشفى الفرنسيّ. ولم يلبث سوى بضع ساعات فارق على أثرها الحياة على هذه الأرض، وكان ذلك في 1 تشرين الثاني سنة 1985 ودُفن في مقبرة الآباء المخلّصيّين في دمشق.

الأب يوسف سيدة

        هو بشارة بن يوسف سيدة وعليا النحّاس. وُلد في صغبين، أبرز نذوره الرهبانيّة في ١٩ كانون الثاني ١٩٣٧ وسيم كاهنًا في ٨ أيلول ١٩٣٩، في مبادئ حياته الكهنوتيّة نشط في حقل التربية والتعليم، فكان معلّمًا ومناظرًا في الإكليريكيّة المخلّصيّة ثمّ في المدرسة البطريركيّة في بيروت. سنة ١٩٤٤ عُيّن وكيلاً في دير المخلّص فأبدى نشاطًا وغيرة فتوجّهت إليه الأنظار فعُيّن في سنة ١٩٤٩ رئيسًا ووكيلاً لأملاك الرهبانيّة في زحلة فعمل على تحسينها وبناء البيوت واستثمار الأملاك المهملة. في أثناء وكالته بُنيت الوكالة الجديدة في زحلة ومدرسة الراهبات المخلّصيّات في أبلح في أرض للرهبانيّة واستثمرت الأملاك الواسعة للرهبانيّة في برّ الياس. سنة ١٩٥٩ عُيّن رئيسًا في دير عمّيق فاجتهد في إبرام اتفاقيّة مع السيّد فيليب دريدو لإصلاح واستثمار أملاك الدير المذكور. ثمّ ترك عمّيق لمّا بدأ يشعر بالمرض إذ أصابته نوبة قلبيّة حادّة انقطع بعدها عن العمل وهو في أوجّ العطاء والنشاط. وقد أثّر هذا في حالته النفسيّة. وبعد راحة طويلة أراد الرجوع إلى العمل والخدمة فأُرسل، بعد مشورة الطبيب، سنة ١٩٧٢، إلى خربة قنافار في البقاع ليرعى النفوس فيها، فأحسن الخدمة وأحبّه الشعب. وفي ١٥ تموز ١٩٧٢ بينما كان يلعب بطاولة الزهر مع وكيل الكنيسة السيّد عزات كرم، أصابته نوبة قلبيّة لم تمهله إلاّ بضع دقائق، فتوفّي على أثرها. وفي اليوم نفسه احتفل بالصلاة لراحة نفسه في خربة قنافار ثمّ واكبته الجموع إلى صغبين بلدته حيث استقبله الكهنة والشعب ثمّ حُمل إلى الدير العامر وأُقيم له جنّاز حافل اشترك فيه لفيف من الأساقفة وجمهور كبير من آباء المجمع التجدّديّ الملتئم في دير المخلّص في ذلك اليوم، ورهط كبير من أهالي خربة قنافار وصغبين ومشغرة وأبلح وزحلة. ورثاه بكلام مؤثـّر المطران يوحنّا بسول الخوري شارحًا قول صاحب المزامير: "شاب أنا ومرذول"، ومشيدًا بوداعة ولطف الأب سيدة ومتأسّفًا لذهاب كاهن لا يزال قادرًا على الخدمة والعطاء.

الأب تيوفانس يواكيم

        ولد جميل في منشستر – نيو همشر في الولايات المتّحدة الأميركيّة في 18 كانون الأوّل سنة 1915 من أبوين أصلهما من بلدة كرخا، وهما توفيق يواكيم وبهيّة ناصر. وسار وهو صغير على مثال رفقة له هما الأبوان أثناسيوس نصّورة وديمتري نصّورة إلى دير المخلّص القريب إلى بلدته والذي كان يراه من بعيد ويسمع أجراس كنيسته تدعوه إلى الصلاة وإلى التكرّس لله. ودخل الإكليريكيّة المخلّصيّة في 5 تشرين الأوّل سنة 1927، وتابع دروسه فيها بنجاح. وعندما انتهى من التدرّب على العلم والتقوى أبرز نذوره البسيطة في 1 تشرين الأوّل سنة 1933 ثمّ نذوره الاحتفاليّة في 19 كانون الأوّل سنة 1937. وتوّج هذه المرحلة بالسيامة الكهنوتيّة في 8 أيلول سنة 1939. وبدأ منذئذ مرحلة التدريس في الإكليريكيّة فكان دقيقًا في حفظ الواجبات والقوانين، لذيذ المعشر، طيّب القلب، وكان خصوصًا أستاذًا ضليعًا في اللغة الفرنسيّة، ممتازًا بثقافته الواسعة ومربّيًا فاضلاً، حريصًا على الوقت ومعززًا للمواهب. واستمرّ في الإكليريكيّة حتّى سنة 1944، انتقل بعدها إلى المدرسة الطائفيّة في باب المصلّى في دمشق. وعلى أثر خلاف مع الرئيس العامّ إكليمنضوس بردويل ترك الرهبانيّة سنة 1948. لكنّه عاد إليها سنة 1970 وأبرز نذوره البسيطة في 9 حزيران سنة 1970 ونذوره الاحتفاليّة في 25 حزيران سنة 1973.

        في سنة 1949 طلب الأب بولس قطيني معلوف من البطريرك مكسيموس الصائغ كاهنًا مساعدًا له في رعيّة القدّيس يوسف في أركن – أوهايو، فقد أصبح شيخًا قد شبع من الأيام ومن الجهاد في سبيل تأسيس ونموّ الطائفة الملكيّة الكاثوليكيّة في الولايات المتّحدة وكندا. فاختار البطريرك لهذه المهمّة الأب تيوفانس يواكيم، فذهب للمساعدة. بعد سنة فقط عُيّن الأب يواكيم راعيًا أصيلاً في أكرن فشمّر عن ساعد الجدّ، وبذل غيرة ونشاطًا، وقام بإصلاحات جمّة في الكنيسة لتظهر كنيسة شرقيّة بيزنطيّة. وهكذا أصبح بالإمكان أن تعيّد الرعيّة اليوبيل الخمسينيّ سنة 1964، وأن يُقام فيها المؤتمر الملكيّ الكاثوليكيّ الخامس سنة 1946 أيضًا. وفي هذه المناسبات أشاد الجميع بغيرة الأب تيوفانس الذي سعى وجاهد لجمع المال اللازم لإصلاح الكنيسة ولعقد المؤتمر. وبلغت أخبار نشاط الأب تيوفانس وغيرته إلى البطريرك مكسيموس الصائغ فأنعم عليه في أيار سنة 1963 برتبة أرشمندريت نظرًا لخدمته في سبيل الكنيسة الملكيّة الكاثوليكيّة. ولم يكتفِ الأب يواكيم بما قام به من أعمال، فسعى في سنة 1973 لشراء أرض واسعة لمزيد من النشاطات الدينيّة في أكرن وجوارها. وبعد حياة قضاها الأب تيوفانس في البذل والعطاء والغيرة لتحقيق أهداف حياته الرهبانيّة والكهنوتيّة، وبعد أن سعى جاهدًا ليوثّق العلاقة بين الله والنفوس، استقال من الخدمة الرعويّة، إنّما استمر في أكرن بضع سنين يساعد قدر استطاعته، وينصح ويرشد ويدبّر. لكن على أثر انفجار في الدماغ رقد بالربّ في 9 آذار سنة 1988، فنُقل جثمانه إلى مقبرة القدّيس باسيليوس في ميثون، وهكذا انضم إلى قافلة الآباء المخلّصيّين الذين جاهدوا في سبيل النفوس في المهاجر الأميركيّة المختلفة.

الأب ميشال بطرس

هو ميشال بن عبدالله بطرس ومريم رعد. ولد في الشام في 15 كانون الثاني سنة 1914 وتعمّد في 8 آذار سنة 1914. دخل الإكليريكيّة في 2 تشرين الأوّل سنة 1928 بسعي الأب أثناسيوس نونه الذي كان يستعين بقريبة له في مدرسة وأنطش رعيّة باب المصلّى تدعى إستوكيا. ودُعي فيلبس. ثمّ دخل الابتداء في دير سيّدة النياح في 30 أيلول سنة 1932. ورغم بعض الملاحظات عن حدّة طبعه وسرعة تأثّره نذر نذوره الرهبانيّة البسيطة في 1 تشرين الأوّل سنة 1933. وبعد مدّة أُرسل إلى دير المزيرعة بسبب ضعف صحته. وعاد في 15 شباط سنة 1936 وسكن في الدير الرئاسي مواظبًا على حضور دروس اللاهوت الأدبيّ والنظريّ مع تلامذة صفّه. وفي 23 نيسان سنة 1939 أبرز نذوره الاحتفاليّة، ثمّ سيم كاهنًا في 8 أيلول سنة 1939. وبدأ منذ ذلك التاريخ خدمته للطائفة وللرهبانيّة، فكان أستاذًا في الإكليريكيّة المخلّصيّة، ومساعدًا للأب نقولا برخش الذي شهد بمساعدته له عند تأسيس الفرع الجديد للراهبات المخلّصيّات، في كتابه تاريخ تأسيس المركز الباسيليّ المخلّصيّ القانونيّ في ميثون (الولايات المتّحدة الأميركيّة). ويذكر السجل أنّه خدم في زحلة وبعلبك والاسكندريّة دون ذكر المدّة التي قضاها في كلّ من هذه المدن. وقد ذكر مرارًا أنّه خدم في رمل الإسكندريّة وعمل هناك في الرعيّة وفي إرشاد راهبات البزنسون.

عندما تسلّمت الرهبانيّة إدارة المدرسة البطريركيّة في الشام بعد انتهاء إدارة الآباء البولسييّن لها عُيّن هو مع الأبوين غريغوريوس فرحات ونقولا نصرالله لإدارتها. ثمّ انتقل إلى رعيّة القصاع في الشام مساعدًا للأب جورج غبريل. وفي سنة 1964 وَكل إليه البطريرك مكسيموس الصائغ الاهتمام بشؤون القرى المجاورة للشام، وبكنائسها وكهنتها وأوقافها ومصالح الطائفة فيها. وفي مجمع سنة 1968 عيّن رئيسًا لدير القدّيسَين سرجيوس وباخوس في معلولا. وقد ساعد الأب ميشال بطرس في اهتمامه بأراضي الدير أصدقاؤه الكثيرون الذين كانوا من تلامذته في المدرسة البطريركيّة أو تعرّف عليهم في معلولا الذي يقصده الزوّار ومنهم بعض الموظّفين الكبار الذين يهتمّون بالزراعة. وقد عُرف أثناء خدمته في دير معلولا وفي سائر الخدمات التي تسلّمها بسياسته الهادئة مع الحكّام، وبتحيّنه الفرص للبلوغ إلى أمانيه وأماني الناس. عدا أنّه كان جريئًا ومنفتحًا على الآخرين، وكثير التحفظ في كلامه وأعماله، ويميل إلى اللامبالاة والابتعاد عن الذين لا يميل إليهم قلبه. وذكر السجل الرهبانيّ "أنّه تبيّن بعد تركه دير معلولا أن هناك مآخذ لا يستهان بها على إدارته للدير".

عندما نُقل الأب يوحنّا نخّول إلى أبرشيّة الأردن ليكون نائبًا عامًّا للمطران سابا يواكيم رجع الأب ميشال إلى رعيّة القصاع واستمر في خدمتها إلى سنة 1991 حيث رُقّيَ إلى رتبة أرشمندريت وأُعفي من خدمة الرعيّة، إنّما بقي كما كان قبلاً رئيسًا في المحكمة البدائيّة الكنسيّة إلى أن تقاعد نهائيًا سنة 1992. وبقي مقيمًا في دمشق، يعتني بزوجة أخيه الذي توفي عندما كان الأب ميشال يخدم الإسكندريّة ويهتمّ بابنتها وبعائلتها. وهذا كان سبب ابتعاده عن مساعدة الرهبانيّة وعن المساهمة في مشاريعها. وقد تميّزت خدمته الطويلة في رعيّة القصّاع بالعمل الهادئ والصبور بعد أن أصبحت هذه الرعيّة رعيّة مهمّة بسبب تدفّق أهل القرى والمناطق المجاورة للعاصمة إلى السكن والعمل فيها. وفي أثناء هذه الخدمة في القصاع سعى الأب ميشال إلى بناء بيت للكاهن واسع الأرجاء وكامل التجهيزات، وإلى القيام بإصلاحات مهمّة في الكنيسة ومنها تجهيز قاعة كبيرة للاجتماعات، وتبليط الساحة المطلة على شارع القصاع، وتزيين الكنيسة، وتنظيم جوقة ترتيل وغيرها من المشاريع.

توفي في 30 آب سنة 1994 وأقيم له جنّاز في كنيسة القصّاع التي خدمها أكثر من ثلاثين سنة وأبّنه المطران فرنسوا أبو مخ الذي أشاد بخدمته للطائفة في كلّ المهمات التي قام بها في حياته الكهنوتيّة ودُفن في مقبرة الآباء المخلصييّن في باب شرقي.

الأب لوسيان معلوف

        هو عبد النور بن سعيد عبد النور المعلوف ونزهة برهوم فرحات، وُلد في تبنين في ٣٠ كانون الأوّل ١٩١٧ ودخل الدير، وبعد إبرازه النذور البسيطة في ١٥ آب ١٩٣٦ لاحت عليه سمات الذكاء والنشاط العمليّ فأُرسل إلى فرنسا للتخصّص، فقضى هناك متنقّلاً بين جامعات ستراسبورغ وكليرمون بسبب الحرب الكبرى الثانية، يعاني التشرّد والضيق، لكنّه حصل على شهادات جامعيّة منها شهادة في الآداب العربيّة وفي الفيلولوجية العربيّة وليسّانس في اللاهوت والعلوم الاجتماعيّة. وإبّان الحرب المشتعلة أبرز نذوره الرهبانيّة سنة ١٩٤٢ عن يد الأب إكليمنضوس بردويل وكيل الرهبانيّة في رومة والذي أتى خصّيصًا إلى كليرمون لهذه الغاية. ثمّ سيم كاهنًا بتفويض من المجمع الشرقيّ في كليرمون أيضًا عن يد المطران ميتز الذي فوّضه بعد سيامته ممارسة الأسرار في أبرشيّته فاستفاد من هذه الصلاحيّات وأخذ يُلقي المحاضرات ويقيم القداديس ويتحدّث في الراديو شارحًا جمال الطقوس الشرقيّة وأبعاد الوحدة المسيحيّة وعظمة التراث الشرقيّ الدينيّ. بعد الحرب عاد إلى لبنان ١٩٤٥ فكُلّف بإدارة الإكليريكيّة الكبرى فبعث روحًا جديدة وأرسى قواعد نهضة علميّة حديثة تعتمد على التنقيب والبحث الشخصيّ والاعتماد على طريقة البطاقات. وأحدث ردّة إلى محبّة الرهبانيّة واكتشاف تاريخها الناصع وأخذ يحرّر في مجلّة الرسالة المخلّصيّة ويساعد الأب قسطنطين باشا في شيخوخته وينظّم المكتبة والوثائق التي للأب باشا. سنة ١٩٤٩ أُرسل إلى دير عين الجوزة مساعدًا للرئيس ثمّ رئيسًا فعمل على مسح الأراضي وربط الدير بشبكة التلفون والبريد. ورغم عمله في الرهبانيّة سعى لبناء كنيسة في تبنين بلدته، فكتب إلى المغتربين فجمع مالاً وفيرًا تمكّن بواسطته المطران أغابيوس نعّوم أن يبني كنيسة جميلة سنة ١٩٥٣، وفي ٢١ تشرين الأوّل ١٩٥٣ أُرسل إلى الولايات المتّحدة فكان من عملة الساعة الأولى في تأسيس مركز ميثون، فقد بذل جهدًا كبيرًا لهذه الغاية وألقى محاضرات كثيرة وقام بزيارات مختلفة ليضع الأسس الثابتة لتلك الأكمة النيّرة في المهجر. وعندما كان في ميثون يعلّم ويعمل اهتمّ ببناء كنيسة في منشستر باسم سيّدة لبنان فنجح بعد تعب وجهد فقامت الكنيسة مع بيت للكاهن وتأسّست رعيّة قانونيّة في تلك المدينة سنة ١٩٦٣ ثمّ نُقل إلى بوسطن واستطاع بسياسته الرشيدة وحسن تدبيره ونشاطه أن يأخذ أرضًا من البلديّة بثمن زهيد ويبني كاتدرائيّة فخمة وجميلة باسم سيّدة البشارة وبيتًا واسعًا للكاهن كلّفا أكثر من ٧٠٠ ألف دولارًا دفع نصفها الكردينال ريتشرد كوشنغ المشهور. سنة ١٩٦٨ انتُخب رئيسًا إقليميًّا وبقي في هذه الوظيفة إلى سنة ١٩٧٩ عاملاً في كلّ هذه الفترة على تعزيز مصالح الرهبانيّة. ولمّا أتى إلى البلاد سنة ١٩٧٣ منحَته الحكومة اللبنانيّة وسام الاستحقاق اللبنانيّ برتبة ضابط تقديرًا لأعماله ومبراته وخدمته في سبيل لبنان. ورغم اهتمامه بالبناء الماديّ فقد اهتمّ بالبناء العلميّ والروحيّ في الرهبانيّة، فقد حرّر مقالات كثيرة في الرسالة المخلّصيّة وفي دائرة المعارف الكاثوليكيّة الجديدة عن الأب قسطنطين باشا وروفائيل راهبة وسينودس عين تراز وأفثيميوس الصيفيّ وأفثيميوس الاسكندريّ وأغابيوس أسقف منبج والشمّاس عبد الله زاخر، كما نشر بالطبع مؤلّفات كثيرة هي ترجمة كتاب الدلالة اللامعة للمطران أفثيميوس الصيفيّ، وكتاب Byzantine Melkite Thinking وترجمة ليتورجيّة القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم إلى الفرنسيّة مع شرح قيّم لرموزها وتاريخها، وترجمة مقالة للأب يوسف نصر الله  Did the Patriarchate of Antioche remain in Communion with Rome after 1054 ونظرة في تاريخ زحلة للأب قسطنطين باشا وصفحة من تاريخ آل خرياطي والرهبانيّة المخلّصيّة. وفي حزيران ١٩٧٦ أُصيب بنوبة قلبيّة تعافى منها بعد عمليّة جراحيّة خطيرة واستطاع بعد مشورة الطبيب أن يرعى النفوس في رعيّة لورانس ماس. لكنّ يد المنون داهمَته وهو في الاجتماع المخلّصيّ بعد عيد الفصح سنة ١٩٨٢ فتوفّي بين يدي أخوته الرهبان في ١٤ نيسان في دير القدّيس باسيليوس الذي أحبّه وعمل كثيرًا لأجله ووسط أسف حزين وبالغ على فقدان كاهن عمل طيلة حياته لخدمة الرهبانيّة والطائفة بعلمه وعمله. وكان من بناة الكنائس وبناة ملكوت الله في النفوس ومن باعثي النهضة إذ قد ربّى جيلاً من الباحثين والعملة النشيطين في الرهبانيّة. وقد كتب عنه سيادة المطران يوسف طويل، مطران الروم الكاثوليك في الولايات المتّحدة: "إنّ خسارتنا كبيرة وكذلك خسارة الرهبانيّة، فقد أظهر الأب معلوف في مختلف الوظائف التي تسلّمها جدارة وبراعة قلّ أن نجدها، ورفع اسم الطائفة والرهبانيّة عاليًا بنشاطه الذي لا يعرف الملل، والكنائس التي شيّدها والرعايا التي أحيا وأذكى روح الإيمان مع محبّة إرث الآباء والأجداد الروحيّ".

الأب ميشال صاد

        ولد في دمشق سنة 1921 من أبوين تقيّين هما جرجس صاد وخانم سليمان شطّة، وفقد والدته وهو طفل صغير، فأغدق عليه أخوته المحبّة والحنان ليعوّضوا له عن بعض ما فقده من عطف الأمّ. ثمّ سمع الربّ يدعوه إلى اتّباعه فأتى إلى دير المخلّص في 3 تشرين الأوّل سنة 1931 وانتظم في صفوف طلاّب الإكليريكيّة. وراح يتدرّج في صفوفها بنجاح علمًا وفضيلة وخلقًا. ثمّ في 15 آب سنة 1936 أبرز نذوره الرهبانيّة البسيطة، ثمّ نذوره الاحتفاليّة في 23 أيار سنة 1941. وقد بانت عليه طيلة هذه الفترة سمات التقوى الراهنة، والانصباب على الخدمة، والاتزام الكامل باتّباع المسيح عن قرب. ولا عجب فهو تلميذ للكاهن الورع والمرشد الفطن الأب يوسف بهيت الذي درّب على طريق القداسة أيضًا الأب أغناطيوس ضاهر والأب الياس سارة والأخ صفرونيوس جبرا وغيرهم، وقد وردت سيَرهم في كتب خاصة وفي كتابَي «السنكسار الرهبانيّ المخلّصيّ» و«هؤلاء هم آباؤنا المخلّصيّون» للأب الياس كويتر المخلّصيّ. وفي 1 آذار سنة 1942 رُقّي إلى درجة الكهنوت، وكانت هذه بدء انطلاقته الرسوليّة المليئة بالغيرة والنشاط.

        بدأ خدمته للرهبانيّة في الإكليريكيّة المخلّصيّة، فكان أستاذًا فيها ومرشدًا لطلاّبها ثمّ مساعدًا لمعلّم المبتدئين حتّى سنة 1946. ثمّ انتقل سنة 1969 إلى بيت ساحور ليساعد في الإكليريكيّة فيها. وأخيرًا عُيّن سنة 1975 معاونًا للراهبات المخلّصيّات المرسلات. وقد أظهر في هذه المهمّات غيرة ورصانة ووقارًا وعمقًا في التقوى فانتشر صيته عاجلاً، وعرفته النفوس كلّها، ومن كلّ الفئات، كاهنًا جسّد في حياته روحانيّة المخلّصيّين العريقة وهي الإخلاص وصفاء النيّة وبساطة القلب ومحبّة الطقوس والغيرة دون حدود في سبيل خلاص النفوس.

        وقد تخلّل هذه الحقبة من حياة الأب صاد خدمته لرعيّة الفرزل من سنة 1952 حتى سنة 1957، ثمّ لرعيّة حيفا سنة 1978، والتي استمرّ فيها حتّى سنة وفاته. وقد عرفته وشاهدت غيرته بعض المدن والقرى التي كانت في جوار دير المخلّص وبيت ساحور في فلسطين وزحلة. وفيها كلّها كان الأب صاد كاهنًا مفتّشًا عن النفوس، يسعى ليرشدها وينصحها ويساعدها روحيًّا ومادّيًّا متمّما وصيّة الرسول: «صرت كلاًّ للكلّ لأربح الكلّ». وقد ورد في السجلّ الرهبانيّ هذه الشهادة القيّمة عنه: «لقد أخلص الأب ميشال في خدمة النفوس في الفرزل ووحّد القلوب فأجمعت على محبته واعتباره وأثنت على أعمال غيرته». ولا شكّ أنّ رعيّة حيفا تشهد الشهادة ذاتها وقد ظهرت في تقدير المطران مكسيموس سلّوم الفائق واعتباره له بركة للأبرشيّة، وفي تهافت أبناء حيفا، على اختلاف مذاهبهم إلى عيادته في المستشفى والصلاة لكي لا يحرمهم الله من غيرة ومَثل ومحبّة هذا الكاهن الأبرّ. وكان هذا الالتفاف الشعبيّ الكثيف حول الأب ميشال شهادة عفويّة. وصادقة توضح خيوط بطولة خارقة هي بطولة القدّيسين وملحمة من ملاحم أبطال الروح في الرهبانيّة المخلّصيّة أمثال البطريرك إكليمنضوس بحّوث والأب بشارة أبو مراد والأب الياس سارة وغيرهم من الآباء المخلّصيّين الذين عملوا كثيرًا في سبيل خدمة النفوس خدمة ممتازة.

        هناك ميدان آخر تجلّت فيه مواهب الأب صاد وهو مجال الترنيم الطقسيّ والكنسيّ. فهو تلميذ نجيب للمعلّم الأكبر في الترنيم الكنسيّ الأب كيرلّس حدّاد الذي ضبط الألحان الكنسيّة في اللغات العربيّة والإنكليزيّة والإسبانيّة على النوطة البيزنطيّة والغربيّة، والتي لا تزال تُرّنَم عمومًا في الكنائس الملكيّة في الشرق والمهاجر الأميركيّة. والأب صاد عمل أيضًا مع الأب باسيليوس قسّيس وساعد على تطبيق ألحان الأب كيرلس على الترجمة الجديدة للسواعيّة وما يلحقها من خِدم وأهمّها خدمة أسبوع الآلام. وقد اتّسمت ألحان الأب ميشال بالسهولة والأصالة البيزنطيّة وحسن الإيقاع، وقد شهد له بذلك معلّمه بفنّ البصلتيكا، وكان لا يسمح بتغيير ألحانه إلاّ له. وكان الترنيم عند الأب ميشال نفحة من نفسه التقيّة، وتعبيرًا عما يجيش في قلبه من نجاوى الروح وهمسات النفس المتّحدة بالله.

        في كلّ هذه الخدم، وفي كلّ هذه النشاطات اشتهر الأب صاد بصفات الطفولة الروحيّة التي علّمتها القدّيسة تريزيا الصغيرة، فكان بسيط القلب، لا يعرف الشرّ والغشّ ويهرب من كلّ مخالفة ومنازعة، متجنّبًا ما استطاع بؤر الفساد ومتحاشيًا الأحاديث الخفيفة المبطّنة ومحافظًا على الحشمة والوقار إلى حدّ الوسواس في سلوكه الحياتيّ والاجتماعيّ, وكان على مثال مرشده الأب يوسف بهيت، ورفقاء الدرب الأب الياس سارة والأب جورج غبريل رجل الصلاة، وخصوصًا صلاة القلب التي تحدّث عنها الآباء الروحيّون الشرقيّون، فكان لا يشبع من الهذيذ بالله، يقضي في الكنيسة ساعات طويلة ساجدًا مناجيًا الله بنجاوى روحيّة خاشعة؛ وكان يصلّي على الدرب، وفي البيوت التي يزورها، وكان الله معه.

        أمّا الصفة الملازمة للأب صاد فهي الغيرة الوقّادة على كنيسة الحجر وكنيسة البشر. رأى الطلاب والراهبات الأب صاد يعجن ويخبز القربان للذبيحة الإلهيّة، ويحمل المكنسة والمنشفة ليحافظ على نظافة بيت الله وعلى طهارة الأواني المقدّسة، ويهيّء كلّ ما يلزم للقدّاس. إنّما غيرته اتجهت إلى النفوس المشتراة بدم الفادي الثمين، فكان يقضي الكثير من وقته يرشدها، ويطاردها للرجوع إلى الله وينصحها لتبقى في علاقة وثيقة معه، وينبّهها لضياع المحبة في حياتها. واتجه إلى مساعدة القريب، فكان يزور البيوت الفقيرة، ويسعف بالمال العائلات المستورة والمحتاجة ويفتقد المرضى ويحرّضهم على تتميم واجباتهم الروحيّة. وكان لا يكلّ من التجوال والسفر، عندما تتاح له الفرصة، ليتفقّد من هم بحاجة روحيّة أو ماديّة وليحمل السلامات والتوصيات والحاجات إلى أصحابها، حتّى تذمر البعض الذين جهلوا الغاية من أسفاره وتجواله لكثرتها ووساعة دائرتها.

        في أواسط كانون الثاني سنة 1988 شعر الأب ميشال بضعف وبآلام في جسمه اضطرّته إلى الركون إلى الراحة. وعندما اشتدّت عليه الأوجاع أُدخل إلى المستشفى في حيفا فأُجريت له الفحوصات اللازمة واكتشف الأطباء أن مرضًا خطيرًا سرى في جسمه. وصُعق الجميع لهذا الخبر خصوصًا المطران مكسيموس سلوم وكهنة أبرشيّة حيفا وأبناء الطائفة كلّهم. وعندما لم تُفد العلاجات في مستشفى حيفا نُقل إلى لبنان بواسطة الصليب الأحمر بعد أن ودّعه راعي الأبرشيّة وأبناء الرعيّة بدموع غزيرة وواكبوه إلى حدود لبنان. وأُدخل في لبنان إلى مستشفى «سان جورج» في عجلتون علّه يستعيد عافيته، فلم تنجح العناية الشديدة والمحبّة الفائقة التي أظهرها أهله الساكنون في بيروت وإخوته الرهبان فتقرّر نقله إلى دير يسوع الملك. وطيلة هذه الأيام التي قضاها الأب ميشال في المستشفيات وفي دير يسوع الملك تحمّل بصبر عجيب واستسلام كلّيّ لإرادة الله أوجاعًا شديدة وآلامًا مبرّحة. وفي دير يسوع الملك اشتدّت وطأة المرض عليه واشتّدت معها وطأة الآلام، فتحمّلها مع يسوع المتألّم في الأسبوع الذي كانت فيه الكنيسة تذكر المؤمنين بآلامه الطاهرة وبمسيرته في درب الصلّيب لفداء العالمين. وفارق الحياة عند الساعة الثالثة من بعد ظهر 3 نيسان. وهكذا بينما كانت أجراس عيد القيامة مبشرة بنهوض المسيح من القبر، دقّت الأجراس أيضًا مبشّرة بقيامة عبد المسيح، الكاهن البارّ الراهب المثاليّ الأب ميشال صاد في دار الخلود. وهكذا تتابعت وتكاملت سلسلة الآباء المخلّصيّين الأبرار والصالحين الذين أحبّوا الله والبشر والذين كانوا روّادًا للفضيلة وقوّادًا للشعب المؤمن في مسيرته نحو الله.

        أُقيم للأب صاد جنّاز خاشع في كنيسة القدّيسين قسطنطين وهيلانة في جونيه، وقد اشترك فيه إخوته الرهبان وتلاميذه القدماء وأبناء الرعايا التي خدمها والتي عرفت خبر مرضه ووفاته. وبكوا كلّهم الابن الوفي والبارّ والمخلّص للرهبانيّة، والرسول الغيور، والراعي الساهر على النفوس. وبسبب التهجير من دير المخلّص دُفن، بلفتة محبّة وكرم من قبل الآباء البولسيّين في مقبرتهم في دير القدّيس بولس في حريصا إلى جانب الأب بطرس حداد، ليستريح على رجاء القيامة معه ومع جمهرة من الآباء البولسيّين الغيارى مثله على مجد الله وخلاص النفوس.

الأب الياس سارة

        هو الياس بن غطاس ساره وملكة عبد النور، وُلد في دمشق في ١٠ حزيران ١٨٩٣ ودرس بنجاح في المدرسة البطريركيّة الدمشقيّة وأتقن اللغة الفرنسيّة ونال شهادة في التجارة. وتعاطى التجارة باكرًا في دمشق ثمّ في الولايات المتحدة وكندا وقد سافر مرارًا إليهما فوفّقه الله ونجح كثيرًا لكن أصابه ما يصيب الأغنياء عادة من غرور وطيش. إلاّ أنّه كان يحسّ دومًا بنداء داخليّ يدعوه إلى الانخراط في سلك الكهنوت. وأتى يومًا إلى دير المخلّص لزيارة قريبه الأب جبرائيل بيطار فأحسّ، كما كان يردّد دومًا، بيد الله تجذبه لترك العالم والسلوك في طريق الكمال في الرهبانيّة المخلّصيّة. وكانت القدّيسة تيريزيا الطفل يسوع مرشدته ودليله إلى هذا المسعى الحسن. أُرسل إلى دير الابتداء سنة ١٩٣٥ فقضى فيه مدّة سنة ونصف كان فيها مثالاً للصلاة والتقوى والمحبّة. ثمّ أبرز نذوره البسيطة في ٢٠ حزيران ١٩٣٧ ثمّ نذوره الاحتفاليّة في ٢٣ حزيران ١٩٤٠ وتابع دروسه اللاهوتيّة والفلسفيّة بعدها. سيم كاهنًا في ١٣ تموز ١٩٤١ فوُكل إليه في بادئ الأمر بعض الوظائف في المدرسة والدير فكان متفانيًا في الخدمة وغيورًا على النفوس. سنة ١٩٤٣ أُرسل إلى خدمة الرعيّة في دير القمر وعين زحلتا ثمّ أُعيد إلى الدير ليكون مرشدًا للمبتدئين والرهبان ومعرّفًا للراهبات ودليلاً يقود النفوس إلى الله. سنة ١٩٤٦ عُيّن كاهنًا في بنويتي وجوارها قرب دير القمر فكان الراعي الأمين والغيور وأرجع إلى الأذهان ذكرى الأب بشارة أبو مراد ولقّبه الناس بالقدّيس. شعر بالمرض الخبيث يدبّ في جسمه سنة ١٩٤٩ فصبر واحتمل الأوجاع وتابع الخدمة إلى أن اشتدّ عليه المرض فعاد إلى دير المخلّص. وفي آخر حياته أُعطي المسحة الأخيرة في الكنيسة وكان هو نفسه يشترك بالصلاة. قد قدّس آخر قدّاس في ١٠ حزيران ١٩٤٩ وما لبث أن رقد بالربّ في ١٦ تموز ١٩٤٩، تاركًا ذكرى رجل عاش بالقداسة وجدّد أمثلة الرهبان المخلّصيّين الممتازين بالفضيلة والغيرة الرسوليّة. وقد كتب سيرة حياته في الرسالة المخلّصيّة الأب يوسف بهيت.

الأب جان حداد

الأب جان حداد هو ابن وديع خليل برهوم الحدّاد، وأنيسة رزق حداد، وكلاهما من تبنين، قضاء صور. ولد في ديترويت – ميشغن، في الولايات المتّحدة في 24 تشرين الثاني سنة 1920. وبسبب التدهور الاقتصاديّ والأزمة الماليّة الخانقة التي حلّت بالولايات المتّحدة الأميركيّة، نزح ذووه إلى لبنان سنة 1928 وأتوا وسكنوا في تبنين. ودخل الصغير جان المدرسة الأسقفيّة أولا في تبنين ثمّ في صور، وسمع من أقاربه وهم أقارب بعض الكهنة المخلّصيّين الذين هم من تبنين، كالأب حنّا حدّاد ولوسيان معلوف وغيرهم والآباء الذين التقاهم في مطرانيّة وفي مدرسة صور من الآباء المخلّصيّين وغير المخلّصيّين عن دير المخلّص، فأراد الذهاب إليه والدخول في صفوف رهبانه، وكان له ما أراد. فدخل في الإكليريكيّة في سنة 1932، وتدرّج في صفوفها، إلى أن نذر نذوره الأولى في 15 آب سنة 1937 ثمّ نذوره الاحتفاليّة في 25 آذار سنة 1942، وأخيرًا سيم كاهنًا في 11 تمّوز سنة 1943. وذكر السجلّ أنّه منذ مبادئ حياته الرهبانيّة امتاز «بعمله الهادئ، والمنظّم».

        وكانت السيامة الكهنوتيّة بدء مرحلة جهاد وتعب في سبيل النفوس. لكن قبل أن ينطلق إلى الخدمة في العالم لبث سنة كاملة في الإكليريكيّة المخلّصيّة يتأمّل في سرّ الخلاص ويتعمّق في الإنجيل المقدّس. فرأى بعد الصلاة والاختلاء والبحث أنّ الكهنوت إنّما هو صعود إلى القمم، وأنّه التزام بحمل البشرى الصالحة إلى العالم ليحبّوا المسيح الذي هو وحده «الطريق والحقّ والحياة» (يوحنّا 14: 6). هكذا عاش كهنة مخلّصيّون مرّوا في تلك الحقبة أمامه وكانوا أمثلة صالحة فصمّم أن يكون مثلهم رسول المحبّة الخادمة.

        ورأى الرؤساء ما يتحلى به هذا الكاهن من صفات كهنوتيّة وإنسانيّة فأرسلوه إلى خدمة كنيسة النبيّ الياس في زحلة وفي المدرسة الملاصقة لها، فأحسن الخدمة، وكان محبوبًا من الجميع. وعندما عرف أبناء رعيتي النبيّ الياس والقدّيسة الشهيدة تقلا بخبر تعيينه للخدمة في الولايات المتّحدة إلتفّوا حوله، ويقول السجل الرهبانيّ «إنّهم بكوه من كلّ قلوبهم».

        وكان الأب بوليكربوس ورده كاهنًا مخلّصيًّا ممتازًا. خدم الرعايا في القاهرة ودمشق، واشتهر بدماثة أخلاقه وبتقواه وبغيرته الرسوليّة. واشتهر أيضًا بحسن إدارته لأوقاف الرهبانيّة التي كانت في دمشق والتي كانت تعدّ حسب دفتر كتبه هو ومحفوظ في مكتبة المخطوطات 62 مفتاحا، ولم يبق منها إلاّ بيت آل معتوق الذي يدعى عامة ببيت شلهوب، والذي أصلحه الأب ميشال زعرورة ودعي بالوكالة المخلّصيّة. وأرادت الرهبانيّة أن تلبي طلب البطريرك ديمتريوس قاضي فأرسلت الأب ورده إلى مدينة وستر سنة 1924 ليكون راعيًا لكنيستها التي اشترتها الجالية قبل وصوله إليها في سنة 1923. وعندما رأى حالتها وموقعها شمّر عن ساعد الجدّ وقام بإصلاحها، وبتزيينها، وغيّر اسمها إلى اسم كنيسة "سيّدة المعونة الدائمة". ثمّ رأى أنّه بعد أن أسّس كنيسة الحجر عليه أن يعمل على بناء كنيسة البشر فبعث الحياة المسيحيّة في قلوب أبناء رعيّته، وربطهم بالمسيح وبكنيسته بعروة وثقى، وقاد رعيّته إلى مراعي الخلاص. واستمرّ في خدمة أبنائه حتّى سنة 1948، يتعب ويجاهد، فتراكمت عليه الأمراض، وبدأ يشعر بوطأة الشيخوخة وبآلام المعدة التي كان يعاني منها منذ زمن بعيد، فوجّه النداء إلى الرهبانيّة المخلّصيّة فلبّت سريعًا طلبه وأرسلت إليه سنة 1951 الأب جان حدّاد الذي رافقه وساعده إلى حين وفاته سنة 1955 عن عمر يناهز الثمانية والسبعين.

        كانت رعيّة وستر بدأت تنمو وتكبر مع ازدياد المهاجرين إليها، وقد بلغ عدد العائلات أكثر من مئة عندما قَدِم إليها الأب جان، فكان لا بدّ من كنيسة جديدة تتّسع للعدد الكبير، وتفي بالحاجات الروحيّة العصريّة، بعد أن عتقت وشاخت الكنيسة القديمة وأصبح موقعها غير مناسب. وبعد تفتيش ومراجعات عثرت الجالية على قطعة أرض فسيحة وجميلة فاشترتها من البلديّة سنة 1958.

        نتصور الجهود والتعب الذي بذله الأب جان حداد مع الجالية لجمع المال اللازم لشراء الأرض ولبناء كنيسة وملحقاتها. كان الدرب طويلاً وشاقًّا إنّما كان الحماس عارمًا في قلوب أبناء الرعيّة، وكان التصميم عند الأب جان ثابتًا. وأخيرًا بدأ العمل في البناء في تشرين الثاني من سنة 1962، ونفّذ المهندسون تصميمًا عصريّا للكنيسة بهيئة وردة مع مراعاة كلّ أصول وتقاليد الهندسة البيزنطيّة، فجاءت الكنيسة وملحقاتها جميلة رائعة تلفت النظر إليها بهندستها وجمالها والفسحة المحيطة بها. وقد دُشّنت سنة 1963.

        ظلّ الأب جان حدّاد راعيًا للنفوس في وستر إلى أن نُقل إلى الإدارة المركزيّة في الأبرشيّة ليكون قيّمًا ماليًّا عامًّا للأبرشيّة المؤسّسة حديثًا في مبادئ عهد المطران يوسف طويل. ولم يطل عمله في المطرانيّة حتّى انتقل إلى فلوريدا، إلى ميامي حيث كان الأب نقولا ابراهيم المخلّصيّ سبقه وبدأ بتأسيس رعيّة فيها. لكن الموت فاجأه فانقل إلى رحمة ربّه سنة 1973. ورأى المطران طويل أنّ الأب جان حدّاد الذي نجح في وستر فبنى كنيسة، سينجح دون شكّ في بناء كنيسة في ميامي. واعتبر الأب جان هذه الدعوة نداءً من الله يجب أن يلبّيه، خاصّةً أنّ كاهنين مخلّصيّين هما الأبوين نقولا ابراهيم ولوسيان معلوف عملا قبله لتأسيس رعيّة وشراء أرض لبناء كنيسة في ميامي.

        عندما استقرّ المقام بالأب جان في ميامي أخذ يجّدد المساعي لجمع أبناء الرعيّة وتوحيد صفوفهم. وبدأ معهم بالتفتيش عن أرض لبناء كنيسة. وعرف صدفة أنّ إحدى جمعيّات الراهبات تسعى لبيع مؤسسة كبيرة تتألّف من مدرسة وكنيسة ودار سكن واستفسر عن الأمر، فصُعق عندما عرف مع المطران طويل أنّ الراهبات حدّدن مليوني دولار لبيع المؤسّسة. لكن أخيرًا عندما شرح المطران والأب جان حالة الأبرشيّة التي هي في حالة التأسيس خفّضن السعر، وأصرّ الأب جان على الشراء وقد تمّ ذلك في كانون الأول سنة 1976. كانت الكنيسة التي تسمى باسم القدّيس يهوذا Saint Judes . بُنيت بحجر مشهور في فلوريدا يدعى Bedford وعلى مدخلها تمثال للعذراء مريم، وتمثال للبابا بيوس الثاني عشر الذي حدّد عقيدة انتقال العذراء مريم بالجسد إلى السماء. وفي الكنيسة عقود بُنيت حسب الفنّ الرومانيّ (Romance)، ويتسرّب النور إلى داخل الكنيسة من خلال صور زجاجيّة عن أسرار الورديّة، كما أنّ هناك نوافذ زجاجيّة تذكّر بالقدّيسين. أمّا الهياكل فهي من الرخام وقد قدّمتها عائلة البابا بيوس الثاني عشر. وقد دشّنت الكنيسة في 19 شباط سنة 1978 بعد أن قام الأب جان بعمل رائع فيها لتأخذ طابعًا شرقيًّا بيزنطيًّا صرفًا.

        قضى الأب جان أكثر أيّام حياته في خدمة الرعايا. وقد نجح في الخدمة واشتهر بغيرته، ودماثة أخلاقه، ولطفه الجذاب، وإخلاصه لإخوته الكهنة والرهبان، وبمحبّته للرهبانيّة التي كان يمدّها دومًا بالمساعدة ويدعم مشاريعها، وقد ترك كنزًا كبيرًا لها بعد وفاته.

        وكانت حياته هنيئة، هادئة، خالية من المشاكل والتعقيدات، وعندما شعر بالشيخوخة طلب من الرهبانيّة المساعدة فلبت طلبه، وأرسلت له كاهنًا هو الأب كابي غنوم المخلّصيّ، وكان له نِعم المعين والنصير، فسُرّ به وتعاون معه، وبحثَ معه عن مشاريع مستقبليّة لكلّ منطقة فلوريدا. لكنّ الله أحبّ أن يأخذه إلى أخداره السماويّة ويريحه من تعب وشقاء هذه الحياة فتوفي الأب جان في 27 كانون الثاني سنة 1998 فجأة. وهكذا غاب بهدوء ودون أن يدري به أحد، ودون أن يزعج أحد، هذا الكاهن الصالح والفاضل الذي عاش بهدوء وسكينة ووداعة. وأقيم له جناز حافل، في ميامي ترأّسه رئيس أساقفة ميامي المطران John C. Favalora  الذي أصرّ على ذلك والأحبار الملكيّون فرنسوا أبو مخ وجان عادل إيليّا ونيقولاوس سمرا ولفيف من الكهنة والراهبات وجمهور غفير من الشعب. وقد أسف الجميع لذهاب هذا الكاهن سريعًا، وكلّهم صلّوا حتّى يكون ذكره مؤبدًا. وفيما بعد نُقل جثمانه إلى مدفن الآباء المخلّصيّين في دير ميثون، لينضمّ إلى إخوته الذين أحبّهم وخدم الكنيسة والرهبانيّة معهم.

الأب نقولا كناكري

        هو نقولا ابن حنّا كناكري ونبيهة كاتب، وُلد في دمشق في ١٥ أيار ١٩١٩، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٢ أيار ١٩٤٣ وسيم كاهنًا في ١١ تموز ١٩٤٣، قضى سنتين في المدرسة البطريركية في بيروت معلّمًا ومناظرًا، في سنة ١٩٤٥ نُقل إلى صور وبقي فيها اثنتي عشرة سنة يدرّب كثيرين على الترنيم الكنسيّ ويساعد في المدرسة الأسقفيّة ويهتمّ بالنفوس في القرى، في دردغيا والنفاخية والبص. وطيلة هذه الخدمة كان الكاهن المسالم الطيّب القلب، الرضيّ الأخلاق، المحبّ للجميع. في صيف ١٩٥٨ نُقل إلى زحلة فقضى فيها أيضًا اثنتي عشرة سنة حتّى سنة ١٩٧٠ ومنها ثلاث سنين خدم النفوس في أبلح. في سنة ١٩٧٥ نُقل إلى الشام فكان الكاهن الساعي وراء النفوس المريضة والبائسة والمحتاجة. وفي صيف ١٩٨٠ ذهب لزيارة الأهل في أميركا فتوفّي في ٢٦ تموز ١٩٨٠ على الطريق في نواحي نيورك على أثر نوبة قلبيّة حادّة ودُفن في دير القدّيس باسيليوس في ميثون، إنّما أُقيم له قدّاس وجناز حافل في دمشق ترأسّه البطريرك مكسيموس حكيم فأشاد بصفاته الكهنوتيّة وعبّر عن أسفه وأسف الجميع لغياب كاهن غيور ونشيط وبشوش ما زال في أوجّ عطائه وخدمته.

المطران يوحنّا بسّول الخوري

        هو ابن الياس بسول ومرتا الخوري. وُلد في مغدوشة في ٧ أيار ١٩٢٠، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٢٥ آذار ١٩٤٢ وارتقى إلى درجة الكهنوت في ١١ تموز ١٩٤٣، قضى فترة طويلة في الإكليريكيّة المخلّصيّة أستاذًا ونائبًا للرئيس ورئيسًا لها في سنة ١٩٥٢، كان غيورًا ونشيطًا في التعليم، محبوبًا للطف معشره وحسن سياسته. إشتهر بتدريس اللغة العربيّة لأجيال كثيرة، وقد كان ملمًّا بها وبآدابها، متعمّقًا في أساليب بلاغتها، فصيح اللسان في الخطابة بها. أثناء رئاسته على المدرسة تمّ بناء جناح الداخليّين وملحقاته، وقد دشّنه رئيس جمهوريّة لبنان الرئيس كميل شمعون سنة ١٩٥٥، ورغم اهتمامه بالتدريس وإدارة المدرسة كان يتجوّل لإلقاء المواعظ والمحاضرات، فعرفته أكثر كنائس سوريا ولبنان والأردن واعظًا ساحرًا يجذب النفوس إلى الله. في سنة ١٩٥٥ عُيّن نائبًا عامًّا لأبرشيّة زحلة فعمل على إصدار مجلّة الرسول وتشييد تمثال للعذراء سيّدة البقاع. وبفضل غيرته ونشاطه وحسن تدبيره جمع مبلغًا كبيرًا من المال لقيام هذا المشروع العظيم. ومن زحلة انتقل الأب يوحنّا إلى رعيّة بوسطن ماس سنة ١٩٥٩ فجمع القلوب ووحّد الآراء بعد خلاف مرير. ولم يطل العهد به في بوسطن حتّى انتخب في كانون الأوّل سنة ١٩٦٢ أسقفًا على أبرشيّة حمص ويبرود، فاحتجّ أهالي بوسطن الذين تعلّقوا به كثيرًا وأحبّوه لجميل صفاته الإنسانيّة المثلى. وفي أبرشيّة حمص باشر العمل بجدّ وغيرة فبنى في حمص كاتدرائيّة جميلة الهندسة ومطرانيّة واسعة الأرجاء وكذلك بنى في يبرود مطرانيّة تليق بالطائفة وعزّز الأوقاف واستثمر الأملاك المهملة وجلب الراهبات للخدمة في مدارس الأبرشيّة. وفي سينودس سنة ١٩٧١ في شهر آب نُقل إلى أبرشيّة زحلة والفرزل خلفًا للمطران أفثيميوس يواكيم فعمل على تنظيم الأبرشيّة والاستفادة ممّا تركه السلف الصالح، وأصلح الدار الأسقفيّة ونظّم إدارة مستشفى تل شيحا. وإذ كان في أوجّ نشاطه وعطائه ألمّ به مرض عضال فعمل كثيرًا للتخلّص منه إلى أن صرعه في ٩ آب ١٩٧٧، فمات مأسوفًا عليه كثيرًا فقد كان رجل تطلّعات واسعة وطموحات كثيرة ومحطّ آمال كثيرين. وبكاه البطريرك حكيم وأساقفة الطائفة والشعب في جنّاز حافل آسفين على غياب أمير للبيان ورجل جرأة عرف كيف يصارع الملمّات والصعوبات بعناد وشراسة ويتغلّب عليها بسداد رأيه وشجاعته وصبره.

الأخ صفرونيوس جبرا

        هو رشيد بن خليل جبرا وكوكب حنّا، وُلد في ٢٥ نيسان ١٩١٧ في الفرزل وأبرز نذوره البسيطة في ١٥ آب ١٩٣٦، كان منذ صغره نجيبًا، ذكيّ الفؤاد، طيّب القلب، اشتهر بين أخوته بغيرته التي لا تعرف الملل، والتفاني في الخدمة والتقوى الراهنة. أصابَته حمّى دماغيّة احتمل آلامها بصبر وتوفّي بسببها في بيروت سنة ١٩٤٠ مأسوفًا على شبابه وعلى فضائله. وقد أظهرت يوميّاته المحفوظة في مكتبة دير المخلّص والتي كتبها بالفرنسيّة، عمق الروحانيّة التي كان يمتاز بها. كتب سيرة حياته الأب جورج داغر، باللغة الفرنسيّة، في كتاب عنوانهVers les Cîmes :.

الأب يوسف داغر

هو ابن إبراهيم أيوب داغر وأنيسة داغر من بلدة الجميليّة (الشوف) لبنان. ولد في 24 كانون الأوّل سنة 1922، وكان والده من طائفة البروتستانت لذلك اقتبل سرّ المعموديّة تحت شرط. دخل الرهبانيّة المخلّصيّة في 26 أيلول سنة 1934، وأبرز نذوره الرهبانيّة البسيطة في 15 آب سنة 1939، والاحتفاليّة في الأوّل من كانون الثاني سنة 1944، ثمّ درس في الإكليريكيّة المخلّصيّة العلوم الفلسفيّة واللاهوتيّة وكمّلها في الجامعة اليسوعيّة ببيروت مدّة سنتين، ثمّ سيم كاهنًا في 7 من تموز سنة 1946.

        بعد سيامته الكهنوتيّة علّم اللاهوت الأدبيّ في الإكليريكيّة المخلّصيّة الكبرى، ثمّ أُرسل إلى روما سنة 1948 وبقي فيها حتّى سنة 1952 ليتخصّص في الكتاب المقدّس، فدرس اللاهوت في الجامعة الغريغوريّة وأتمّ دروسه في الكتاب المقدّس في المعهد البابويّ، وقد حمل شهادة الليسانس في اللاهوت والكتاب المقدّس. وعندما رجع إلى لبنان أخذ يعلّم في الإكليريكيّة المخلّصيّة العلوم اللاهوتيّة والكتاب المقدّس.

        إنتقل إلى خدمة النفوس في بيت ساحور، فكان المساعد النشيط للمطران جبرائيل أبي سعدى في تأسيس الإكليريكيّة الصغرى فيها سنة 1958، وفي سنة 1962 انتقل إلى دير القدّيس باسيليوس في ميثون (في الولايات المتّحدة) ليكون معلّمًا للمبتدئين، وفي سنة 1970 استلم بيت الرياضات في ميثون، وظلّ مديرًا له من سنة 1967 إلى سنة 1987. وطيلة هذه الفترة من حياته، عكف الأب يوسف على إلقاء المواعظ والمحاضرات والإرشاد الروحيّ لجماهير غفيرة من الشعب والكهنة والرهبان والكهنة، حتّى اشتهر في كلّ أنحاء الولايات المتّحدة وكندا. وكان للبنان نصيب من هذا الدفق الروحيّ المميّز عندما كان فيه، وعندما كان يأتي إليه. وقد تخلّل هذه الحقبة خدمة رعيّة سيّدة الأرز في مدينة مانشستر (1964 – 1966)، ثمّ (1987 – 1997). وفي أوائل سنة 1997 عاد إلى دير القدّيس باسيليوس في ميثون ليستريح من التعب والعناء وليتفرّغ للاختلاء وللصلاة وللتأليف بعد أن بلغ سنّ التقاعد. لكنّ الله دبّر غير ما كان يفكّر به البشر فنقله إلى دار الخلود في 18 أيّار من السنة عينها، تاركًا حسرة كبيرة في نفوس كثيرين، وتاركًا فراغا كبيرًا في الرهبانيّة المخلّصيّة.

        فاجأت وفاة الأب يوسف داغر المخلّصيّ الكثيرين. فالكلّ كان ينتظر الكثير من هذا الجنديّ الشاكي السلاح الذي استراح من العمل ليتفرغ للصلاة والتأمل والتأليف بعد بلوغه سنّ التقاعد، وبعد مغادرته رعيّة منشستر في نيوهمشر. وقد عزّ على كثيرين، وخاصّة على الرهبانيّة المخلّصيّة، وعلى أبناء منطقة نيوهمشر وماسوشيتس أن يغيب هكذا سريعًا هذا الكوكب الذي طالما أضاء النفوس بقلمه وفضيلته، في الآفاق البعيدة والقريبة ناشرًا نور الإنجيل ومحبّة المسيح. ونشير إلى أنه نشر كتابين هما «العزوبيّة حريّة في الحبّ»، و«تجديد الحياة الرهبانيّة». كما كان مستعدًّا لأن ينشر في سني تقاعده كتاب «مواعظ للأحد في الكنيسة البيزنطيّة» وكتاب «التأسيس الثاني للحياة الرهبانيّة». وكانت كلماته بالحقيقة فيضًا من امتلاء قلب أحبّ الله كثيرًا وأحبّ أن يتعزّز ملكه في جميع القلوب، «ومن فضلة القلب يتكلّم اللسان» قال المعلّم الإلهيّ.

        مرّ الأب يوسف داغر في أرضنا هذه دون أن يحدث ضجّة إعلاميّة ودون أن يشتهر عند كثير من الناس وفي الصحف والمجلاّت، إنّما اشتهر كثيرًا في ملكوت النفوس، إذ «ملكوت الله هو في الداخل» (لوقا 17: 21). كم من أشخاص عرفوا المسيح بواسطة هذا الكاهن. كان كلامه بسيطًا  لكنّه عميقا، ويؤثّر كثيرًا، وينقل من النفوس جبال اللاّمبالاة والكسل وأكداس الفتور والبعد عن الله. حقيقة قال بعض الشهود، إنّ هذا الكاهن سخّر لسانه للكلام عن الله، ويده للكتابة عنه، وقلبه لعطاء محبّة الله للجميع. شهدت الجموع الغفيرة التي توافدت إلى دير ميثون يوم وفاة الأب يوسف، وشهد المطران جان عادل إيليّا رئيس أساقفة الملكيّين في الولايات المتّحدة أن دير ميثون كان حقًّا أكمة نيّرة، أضاء بنوره نفوس كثيرين، وانتشر منه نور المسيح في أصقاع قريبة وبعيدة بفضل هذا الكاهن الورع والعالم. وحقيقة كانت مواعظه وكتاباته تنمّ عن علم غزير في الكتاب المقدّس واللاهوت وفي علم النفس وتنمّ كما قال السجلّ الرهبانيّ «عن آراء واقتراحات نبويّة». وقد شهدت الجموع التي سمعته وكلّ من عرفه أنّه كان كاهنًا أتقن سرّ التقوى، وجسّدها في حياة تميّزت بالتقشّف والزهد والصلاة. إنّه رجل بحث طويلاً، وتأمّل بعمق وصبر، فعرف كوامن تعليم الإنجيل. لذا لا نعجب من عظيم تأثيره على النفوس فالمسيح كان حيًّا فيه «أنا حيّ لا أنا بل المسيح حيّ فيّ» (غلاطية 2: 20).

        اشتهر كثيرًا الأب يوسف داغر بأنّه كان المحرّك النشيط للقاءات دعيت «بالكورسيّو» في دير القدّيس باسيليوس في ميثون، وللقاءات أخرى تدعو كلّها إلى التعمّق في محبّة المسيح. قال هو نفسه: «خلال هذه السنوات وافانا عشرات المئات من الناس من مختلف الولايات المتّحدة... ومن مختلف الأجناس والطبقات... لم يأتوا عن رغبة في الاستفسار عن ظاهرة جديدة، ولم يأتوا للقاء الأصدقاء بل أتوا مصمّمين على تلبية نداء الروح القدس الذي يلحّ في طلب التوبة إلى الله، وفي الاستمرار على الصلاة، وفي العمل لشدّ العروة الوثقى مع الله بمحبّة جميع الناس». إنّ هذه الخبرة الدينيّة في لقاءات كان داعيتها ومنظّمها ومحرّكها في بيت الرياضة في ميثون الأب يوسف داغر. وقد دعاه كثيرون «نبيّ» تلك المنطقة. وقد أقام  الأب يوسف أكثر من 150 لقاء «كورسيو»، حتّى سنة 1987، وتابع عمله وهو خادم في رعيّة منشستر وأيضًا في أثناء تقاعده في دير ميثون. فمحبّة المسيح كانت تحثّه دومًا حتّى يستجيب لنداء كثيرين كانوا يريدون أن يروا المسيح، من خلاله «نريد أن نرى يسوع» (لوقا 9: 1) قالت الجموع للرسل.

        تعب الأب يوسف داغر من العمل في خدمة النفوس، لكنّه لم يتعب من العطاء، فعزم على متابعة مسيرة خدمته للنفوس. فطلب الاستراحة والسكنى في دير ميثون عازمًا على متابعة عمله الروحيّ الذي شُغفت به النفوس. ولهذا كانت وفاته صاعقة نزلت على كثيرين أرادوا أن يكمّلوا مسيرتهم الروحيّة مع هذا الكاهن.

        إختصر المطران عادل إيليّا حياة الأب يوسف داغر بقوله في تأبينه إنّ هذا الكاهن «عاش في الحبّ». وهذا الحبّ أخذ صورًا كثيرة في حياته. فقد عاش حقًّا وبكلّ معنى الكلمة نذوره الرهبانيّة، وكهنوته. وقد شاهد كثيرون تقشّفه وتقواه وطاعته وعفّته المتميزة. وقد أثّر في النفوس من عاش معه عكوفه على صلاة القلب، فقد كان يقضي ساعات طويلة في الكنيسة أو في البرّيّة يصلّي ويتأمّل ويتضرّع، ويتأمّل في الحبّ الذي تجلّى في الربّ يسوع. ولا نريد أن نذكر كيف تجلّى الحبّ في مساعدته الماليّة للفقراء والمساكين. إنّ لائحة الفقراء الذين ساعدهم في أثناء الحرب اللبنانيّة وبعدها هي سجل حافل بالأسماء عند ابن أخيه الأستاذ عادل داغر. ولا نقول شيئًا عن سخائه نحو أمّه الرهبانيّة فهو لم ينسها قطّ، فكلّ سنة كما تشهد السجلاّت، كان يرسل معونة لسدّ الحاجات الملحّة التي كثرت بعد الحرب اللبنانيّة الطويلة.

        عندما بلغ نبأ وفاة الأب يوسف داغر هرع كثيرون إلى دير ميثون، من كلّ حدب صوب: الأساقفة جان عادل إيليّا، وميشال حكيم، ونقولا سمرا والرهبان المخلّصيّون الخادمون في الولايات المتّحدة الأميريكيّة وكندا وجمهور كبير من الكهنة والعلمانيّين. وقد أبّنه بكلمة بليغة المطران جان عادل إيليّا. وأقيمت أيضًا صلاة جنائزيّة في دير المخلّص اشترك فيها آل داغر الذي توافدوا إلى الدير الأمّ لوداع كاهن مخلّصيّ فاضل. وقد أبّنه سيادة الرئيس العام الأرشمندريت سليم غزال بكلمة عبّر فيها عن الخسارة الكبرى التي حلّت بالرهبانيّة بسبب غياب الأب يوسف داغر السريع. بالحقيقة كان هذا الكاهن أحد أعلام الرهبانيّة الممتازين وأحد مفكّريها اللامعين وأحد رهبانها الصالحين. وقد ترك فراغًا وحسرة في نفس كلّ راهب مخلّصيّ وفي قلب كلّ من عرفه وعاش معه من الأهل والأقارب والأصدقاء. الجميع كانوا يتمنّون أن يبقى هذا السراج مضيئًا لتستفيد منه الرهبانيّة والنفوس في تجدّدها الروحيّ وهي على أبواب العبور إلى الألف الثالث.

        إنّنا نمجّدك يا ربّ لأجل هؤلاء الكهنة والقُسس والراهبات والعلمانيّين الذين عاشوا في بيتك الذي بنَتهُ يدك، والذين اشتركوا في خبرة محبّتك مع الأب يوسف داغر، ونطلب إليك أن تستمرّ بركتك على الجميع، وأن تذكر برحمتك الواسعة من كان محرّك وباعث ومنشّط هذه اللقاءات التي كنت أنت "حجر الزاوية فيها".

        في الصلاة الجنائزيّة التي أقيمت في دير المخلّص لراحة نفس الأب يوسف داغر ألقى الأستاذ حليم داغر هذه القصيدة:

        يا راهب الدير بعد الهجرة ملقانــــــا               دير المخلّص في الأحداث ملجانــــــــــــــا

        خضت البحر بعون الله مبتغيًــــــــــــــــــا                ترسيخ دينك في الإنسان أركانــــــــــــــــــــــــــا

        عايشت كفّارًا ومرضى ذوي ضرر              أصحاب عاهات وسكر شلّ أذهانــا

        قد عيّروك وقالوا من يعاشـــــــــــــــــرهـــم                قلتَ المسيح انتقى للبرّ إنســـــــــــــــــــــــــــــانـــا

        إن لم تكن أنت سميّك يوســـــــــــــــف                قد صرتما في صفحة التاريخ صنوانـــــــــا

        يا دير يا باب القداسة والســــــــــــخا               كم لائذ لقى الصفا للذود آذانــــــــــــــــــــا

        فارقد بحضرة مخلّص شاء القضــــــــــــا                أن يمسي مثواك بغير حمانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

المطران أغناطيوس غطّاس

ولد في قرية معلول من بلاد فلسطين في 25 كانون الأوّل سنة 1920، وتربّى في جوّ مسيحيّ عابق برائحة المسيح الطيّبة. ولحق بكثيرين من مواطنيه الفلسطينيّين الذين سبقوه إلى دير المخلّص. فدخل السلك الرهبانيّ في 5 تشرين الثاني سنة 1933، ثمّ نذر النذور الأولى في 15 آب سنة 1939 ثمّ الاحتفاليّة في 13 حزيران سنة 1943. ثمّ ارتقى درجة الكهنوت في كنيسة دير المخلّص في 7 تموز سنة 1946. وفي السنين الأولى من كهنوته مارس التعليم في الإكليريكيّة، ودرّب النشء الرهبانيّ على التقوى والصلاح في دير الابتداء، وأسهم في تأسيس الفرع الجديد للراهبات المخلّصيّات بما كان يلقي على الطالبات والمبتدئات من دروس في اللغات والترنيم. وشارك في تحرير مجلّة الرسالة المخلّصيّة والنحلة. ولنا منه بعض المؤلّفات: قناة السويس (1952) وملاك الميلاد (1946) والعائلة والحياة (1953) "وهنري"، وهي قصة معرّبة. وعُيِّن كاتمًا لأسرار الرئاسة العامّة في الرهبانيّة. وهكذا تدرّب الكاهن الجديد على تحمّل المسؤوليّة فأُرسل في آخر سنة 1952 لتسلّم رعيّة النبيّ الياس في كليفلند أوهايو، كمساعدٍ للأب ملاتيوس مفلح المخلّصّي.

حين تسلّم رعيّة كليفلند في عيد الميلاد من سنة 1952 حدث ميلاد جديد للرعيّة. فالأب أغناطيوس "ذو القلب الملتهب" كشفيعه القدّيس أغناطيوس الإنطاكيّ بدأ خدمة صالحة. فأسّس أوّلاً جوقة للترنيم، ثمّ أسّس جمعيّة الفادي (1953) ثمّ جمعيّة العامل المسيحيّ (1955). وهكذا اكتشف رئيس أساقفة كليفلند صفات الكاهن الجديد فعيّنه راعيًا أصيلاً لطائفة الروم الكاثوليك في 19 شباط 1955. وظهر نشاط هذا الراعي الغيور بأجلى بيان عندما استقبل البطريرك مكسيموس الصائغ أحسن استقبال عند مروره في كليفلند في 7 تشرين الأوّل سنة 1955؛ ثمّ عندما عُقِد في رعيّته أوّل مؤتمر ملكيّ، في 13، 14، 15 حزيران سنة 1958 بغية أن يكون فرصةً للتعارف والتآخي وسبيلاً لجمع صفوف أبناء الطائفة المتفرّقين في الأنحاء الأميركيّة الواسعة الأرجاء. وكان نجم هذا المؤتمر داني Thomas الذي أعلن في المؤتمر تصميمه على بناء مستشفى للأطفال المشلولين في كاليفورنيا. وهذا المؤتمر نجح أعظم نجاح. وكان أحد أسباب تأسيس أبرشيّة ملكيّة كاثوليكيّة في الولايات المتّحدة. وعقبه مؤتمرات تُعقد كلّ سنة في إحدى الرعايا الملكيّة الكاثوليكيّة في الولايات المتّحدة.

وتابع الأب غطّاس نشاطه فعمل على تشييد كنيسة بيزنطيّة متقنة الهندسة، جميلة الإيقونات، وكلّها من صنع المهندس Perotti الإيطالي. وقد تمّ انجازها وتدشينها في 30 آب سنة 1964. وفيها احتفل في 6 أيار سنة 1978 بمرور سبعين سنة على تأسيس رعيّة النبيّ الياس في كليفلند، وعلى مرور خمس وعشرين سنة على بدء خدمته لرعيّة كليفلند. وتابع العمل فبنى مجمّعًا راعويًّا ليلبّي الطلبات والحاجات الراعويّة الكثيرة. وقد ضمّ هذا المركز قاعة كبيرة تتسع لأكثر من 500 شخص، وقاعات صغيرة تلبّي وتستوعب خدمة الشعب وخاصة الشباب. وكان هذا الإنجاز الضخم سببًا لشهرة الأب غطّاس. فسمع الرؤساء صوت القدّيس بولس: "إن الكهنة الذين أحسنوا التدبير فليُحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة ولا سيَّما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم". (1 تيموتاوس 5/17). وعندما استقال المطران يوسف طويل عند بلوغه السنّ القانونيّة، وهي خمس وسبعون سنة رشّح السينودس الملتئم في الربوة في تموز سنة 1989 الأرشمندريت أغناطيوس غطّاس رئيس أساقفة في الولايات المتّحدة، وأُعلنت موافقة الكرسيّ الرسوليّ في 11 من كانون الأوّل سنة 1989، وتمّت حفلة رسامته الأسقفيّة في الكنيسة التي شيّدها في رعيّته في كليفلند أوهايو في 23 شباط سنة 1990 بوضع يد صاحب الغبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم الذي حضر خصّيصًا لأجل هذه الغاية. وكانت الحفلة غاية في الإتقان والروعة حضرها كرادلة وأساقفة وكهنة ورهبان وراهبات وحشد كبير من الشعب. ولشدّة وقعها على نفوس الجمهور الأميركيّ أُعيد عرضها على شاشات محطّات التلفزيون أكثر من مرّة.

لا بدّ من الإشارة إلى مساعدة المطران أغناطيوس غطّاس لأمه الرهبانيّة المخلّصيّة. فقد كان يصغي دومًا لهتاف النبيّ: "إن أنا نسيتك، يا أورشليم، فلتنسي يميني... إن لم أذكرك، إن لم أرفع أورشليم إلى أوج فرحي". (مزمور 136/5و6). وفي الحقيقة كان المطران غطّاس يستجيب دومًا ومنذ كان كاهنًا لرعيّة كليفلند لكلّ نداء استغاثة. إنّه كان السند الحصين والينبوع المتدفّق بالسخاء، وهكذا عزّى قلبها الوالديّ في كلّ يوم وعند كلّ حاجة وخصوصًا في محنتها ونكبتها وتهجيرها سنة 1985 وبعدها.

سارع المطران الجديد إلى العمل في رعاية القطيع الذي تسلّمه بعد رسامته الأسقفيّة، فبدأ ورشة عمل لإصلاح الصرح الأسقفيّ في نيوتن بعد أن احترق، وأخذ في تركيز أوضاع الأبرشيّة الماليّة، ورعى أبرشيّته بالأسفار الكثيرة ليتفقّد الإكليروس والشعب. وشارك في سينودس 1990 و 1991. لكن الموت كان يتربّص له فزحف إليه المرض الخبيث. وفي 11 من شهر تشرين الأوّل سنة 1992 توفي المطران أغناطيوس المخلّصيّ بعد مضي 961 يومًا على سيامته الأسقفيّة عن عمر يناهز 72 سنة. وهكذا غاب أسقف ذهب سريعًا، ومرّ كالبرق الساطع في سماء الأبرشيّة الملكيّة في الولايات المتّحدة. وقد خسرت به الطائفة ركنًا متينًا والرهبانيّة ابنًا بارًّا لها.

الأب جبرائيل راشد

        ولد إدمون في مدينة مرجعيون في 10 كانون الأوّل سنة 1922. ووالده هو إسكندر راشد ووالدته هي روز حوراني. وعاش الصغير في كنف عائلتين كريمتين اشتهرتا كثيرًا في مرجعيون وفي دنيا الاغتراب أيضًا بسبب هجرة كثير من آل راشد وحوراني إلى تلك الديار البعيدة، حيث نجحوا في مجالات التجارة والصناعة والثقافة. وكان بينهم رجال روّاد. ونشير إلى أنّ الأواصر العائليّة والوطنيّة ظلّت راسخة في نفوس المغتربين ومن آل راشد وحوراني بفضل مؤتمر لا تزال تقيمه هذه العائلات كلّ سنة في مدينة من مدن الولايات المتّحدة. ومرّات كثيرة كان الأب جبرائيل راشد المخلّصيّ يحضر هذه المؤتمرات ويساهم في نجاحها.

        وكان البيت الوالديّ لإدمون قريبًا جدًّا إلى مطرانيّة الروم الكاثوليك في مرجعيون. فعاشت عائلة اسكندر راشد في علاقة حسنة مع سكّانها من أساقفة وكهنة وكان أكثرهم من المخلّصيّين. ونذكر منهم المطران التقيّ والبارّ إكليمنضوس معلوف، والأب العلاّمة إكليمنضوس بردويل الذي اشتهر بتضلّعه بالقانون، وجرأته في الدفاع عن الحقّ، وشجاعته في مقاومة الباطل وأنواعه من ظلم وغبنٍ وتعدٍّ على حقوق الشعب والمؤسّسات. وهكذا عاش إدمون في تلك الظلال الوارفة، فنشأ على التقوى ومحبّة الضعيف، وعلى طواعيّة الخدمة دون تمييز ودون هوادة، بفضل تأثير أهلٍ صالحين وكهنة مخلّصيّين وغير مخلّصيّين امتازوا بالتقوى والغيرة.

        في أثناء تردّد الأب العلاّمة بردويل على بيت اسكندر راشد، أشار مرّة إلى فرز إدمون لخدمة الربّ، لأنّه اكتشف فيه علامات الذكاء والتقوى التي تؤهّله ليكون كاهنًا صالحًا في المستقبل. وحالاً لبّى الأهل نداء الأب الذي أعلنه لهم كاهن العليّ فسار إدمون إلى دير المخلّص، وفيه تدرّج على الحياة الرهبانيّة والكهنوتيّة على يد آباء أفاضل وأماثل كالأب يوسف بهيت وجورج غبريل وبطرس حدّاد ويوسف نخلة وغيرهم. ولمّا أتمّ شوطه الدراسيّ وتدرّب في مراقي العمل والمعرفة نذر نذوره البسيطة في 20 تشرين الأوّل سنة 1940. ودعي أثناسيوس، ثمّ عقبتها النذور الاحتفاليّة في 6 شباط سنة 1944. وأخيرًا رأى الرؤساء أن الإكليريكيّ إدمون نجح في دروسه الفلسفيّة واللاهوتيّة، وأتقن التقوى فرُشّح لنيل درجة الكهنوت، ونال الوسم عن يد غبطة البطريرك مكسيموس الصائغ، في 9 تشرين الثاني سنة 1947، في أثناء أوّل زيارة له لدير المخلّص بعد تسلّمه زمام البطريركيّة. وطيلة هذه السنوات الدراسيّة والاستعداديّة للكهنوت عُرف الإكليريكيّ أثناسيوس بحماسه واندفاعه للخدمة، ومحبّته للجميع، وغيرته على المصلحة العامّة.

        وصدف أن انتُخب الأب إكليمنضوس بردويل رئيسًا عامًّا على الرهبانيّة المخلّصيّة في سنة 1947، فضمّ إلى العمل معه الأب أثناسيوس راشد الذي أصبح اسمه جبرائيل، وجعله أمينًا عامًّا للسرّ في الرهبانيّة المخلّصيّة. واكتشف الأب العامّ ببصيرته النافذة، وذكائه النادر أنّ الأب جبرائيل يملك المؤهّلات الضروريّة لمهنة المحاماة فأرسله إلى روما سنة 1948 ليتخصّص في الحقّ القانونيّ. ولبث فيها إلى سنة 1953. ونال شهادة الدكتوراه في الحقّ الكنسيّ والمدنيّ في الجامعة الغريغوريّة. ويذكر كثير من الرهبان الخدمات الكثيرة التي أدّاها الأب راشد للرهبانيّة ولإخوته الكهنة ولكثير من العلمانيّين في أثناء دراسته في روما. ونذكر أهمّها إرساله صورة التجلّي وصورة مريم العذراء الزجاجيّتين إلى كنيسة الدير الكبرى.

        ولمـّا عاد الأب راشد إلى لبنان بدأ خدمته النشيطة والطويلة للطائفة وللرهبانيّة. فكان أستاذًا في المدرسة المخلّصيّة في فرعيها الإكليريكيّ والعلمانيّ، ومديرًا للفرع الداخليّ في سنة 1953. وبقي في هذه المهمّة حتّى سنة 1955. وعاد مديرًا للمدرسة الداخليّة سنة 1956- 1957، بعد خدمة قصيرة في زحلة. ولمـّا سافر الأب ألفونس صباغ رئيس دير المخلّص، ووكيل الدعاوى في الرهبانيّة للخدمة في البرازيل، كُلّف الأب راشد بمهمّة المحاماة والدفاع عن دعاوى الدير بدلاً منه، وكان أهمّها دعوى «الجليليّة» المشهورة في تاريخ الرهبانيّة. وكانت خدمته في المدرسة وفي ممارسة المحاماة، مرحلة تمرّس فيها على خدمة النفوس في كلّ مرتجياتها وحاجاتها، وتمرّس أيضًا في مهنة القضاء لإحقاق الحقّ وخصوصًا في دعاوى الزواج التي تكاثرت في عصرنا هذا بسبب ضعف الالتزام بالقيم الإنجيليّة والفوضى التي سبّبها ضياعها. ولم يلبث الأب راشد حتّى عُيّن رئيسًا للمحكمة الكنسيّة في بيروت ودمشق، ثمّ محاميًا وقاضيًا في المحكمة بيروت البدائيّة الكنسيّة. وأخيرًا عُيّن في سنة 1992 رئيسًا لمحكمة الاستئناف في طائفة الروم الكاثوليك. ورغم مرضه الطويل استمر في خدمة محكمة الاستئناف مؤمنًا دومًا أنّ المحبّة هي ميزان العدل.

        بدأت خدمة الأب راشد للنفوس في سنة 1956- 1957 كمساعد لكاهن رعيّة مار الياس «الضيعة» في زحلة. ثمّ عُيّن نائبًا أسقفيًّا في دير القمر، سنة 1958، فنشط في الخدمة، وبذل جهودًا كثيرة، وقام بإصلاح كنيسة مار الياس، وكنيسة «سيدة الفقيرة»، وأنطش كنيسة مار الياس. فأحبّه الشعب، وقدّروا غيرته وتعلّقوا به. ولما أرادت السلطة نقله رئيسًا لدير عين الجوزة في سنة 1956 استاؤوا وثاروا واحتجّوا. وفي سنة 1971 عاد إلى دير القمر نائبًا أسقفيًّا، بعد أن أُعفي من رئاسة دير عين الجوزة. وفي هذه السنين من الخدمة في دير القمر بنى كنيسة عينبال، وعانى تعبًا كبيرًا وبذل جهودًا مشكورة، وساعده أهالي البلدة بكرمهم ومحبّتهم في هذا المسعى الحسن وأحبّوه ولا يزالون أوفياء له.

        نختصر الكلام عن صفاته الراعويّة والاجتماعيّة بما كتبه الأب سمعان نصر الرئيس العامّ السابق الذي تعاون معه في أثناء رئاسته العامّة التي امتدت من سنة 1979 إلى سنة 1989، قال: «إنّ محور كلّ صفات الأب راشد الراعويّة والاجتماعيّة هي الغيرة: الغيرة على النفوس ومساعدتها بشتّى الوسائل لتبقى عناصر فعّالة في جسم الكنيسة، والغيرة على بيوت الله، والعمل على ترتيبها وتزيينها وتأثيثها بكلّ ما يلزم لتكون لائقة، والحماس لتلبية جميع الطلبات فأشتهر بلقب «رجل الخدمات»، يكرّس لها الشطر الكبير من اهتماماته: الاهتمام بالفَعَلة والفقراء بحيث كان هؤلاء يتعلّقون به في كلّ مركز خدم فيه... كما كان أمينًا، يقدّر الخدمة، وفيًّا لأصدقائه الكثر. وكان سخيًّا في العطاء، كريمًا جدًّا، يهتمّ في أن يكون مَن يعملون معه في بحبوحة، بحيث كانت الأديار والكنائس التي خدمها مقصدًا لكلّ عابر سبيل، أبوابها مشرّعة، وموائدها ممدودة، ولقمتها مغموسة بالفرح. أمّا الصفة الغالبة في شخصيّته، والتي تجلّت خصوصًا في مرضه الأخير الذي دام حوالي اثنتي عشرة سنة، فهي قوّة الشكيمة وصلابة الإرادة، ومغالبة الصعوبات، ومقاومة المرض والآلام، حتّى يمكننا تشبيهه بأيوب الصدّيق. وكلّ من رآه يغالب المرض والآلام كان يقدّر فيه هذه الهمّة الجبّارة، وهذا العزم على الحياة والعمل الدائب. ونقول بعد هذا إنّه سقط في ميدان الجهاد كالجنديّ الشجاع، وهو يصارع الموت، ويتحدّى القدر المحتوم».

        ظهرت هذه الصفات في خدمة الأب راشد للرهبانيّة المخلّصيّة التي بدأها في الإكليريكيّة المخلّصيّة. وهي التي شهرته وأعلنت عن صفات الإدراة المميزة، والغيرة على المصلحة العامّة، والحماس لتحقيق المشاريع في كلّ المرافق التي تسلّمها، وقد قدّرت الرهبانيّة هذه الصفات فأسندت إليه رئاسة دير القدّيسة تقلا في عين الجوزة من سنة 1965 إلى سنة 1974؛ ثمّ انتُخب في مجمع سنة 1968 مدبّرًا أولّ ونائبًا عامًّا، واستمر في رئاسة دير عين الجوزة حتّى سنة 1971؛ وفي مجمع 1978 انتُخب مدبّرًا رابعًا ورئيسًا لدير المخلّص؛ وفي مجمع 1983 انتُخب رئيسًا لدير القدّيس جاورجيوس في المزيرعة مع تسلّمه النيابة الأسقفيّة والمدبريّة البطريركيّة لأبرشيّة مرجعيون عند استقالة المطران أثناسيوس شاعر. واستمرّ في هذه المهمّة مع المطرانين نيقولاوس الحاج ويوسف ريّا المدبّرَين البطريركيّين إلى أن تسلّم زمام الأبرشيّة المطران أنطوان الحايك.

        إمتاز الأب راشد في كلّ هذه المهمّات بصفات رهبانيّة وكهنوتيّة كثيرة. نذكر غيرته على مصلحة أمّه الرهبانيّة والدفاع عنها في كثير من المواقف والأحداث؛ ونذكر محبّته للصلاة الفرضيّة الكنسيّة وكان يهتمّ بإقامتها على أحسن وجه، ويشترك بحماس بإقامتها؛ ونذكر أيضًا احترامه للرؤساء ومحبّته لإخوته والعمل على إشاعه روح الفرح بينهم بما كان يملك من قدرة على النكتة وسرد القصص المسلّية.

        لكن الأب راشد اشتهر بأنّه كان رجل إنجازات ومحقّق مشاريع... ففي جميع الميادين والمراكز التي عمل فيها ترك بصمات واضحة جليّة تشهد أنّه كان يحبّ التجديد والترميم والتأسيس والإصلاح. ففي دير المخلّص تأمّنت للدير بهمّته وسعيه معصرة حديثة أوتوماتيكيّة للزيت اشتراها هو نفسه من معمل Verace في إيطاليا؛ كما جهّز الدير بمولّد كهربائيّ ضخم مع تابلو أوتوماتيك ممتاز؛ وأصلح مكاتب رئاسة الدير والوكالة فيه والغرف المجاورة وقلشها وجهّزها تجهيزًا بديعًا. إنّما عمله الرائع كان سعيه لتمليك أجزاءٍ من أملاك الرهبانيّة في مزرعة خربة بسري لسكّانها الذي أغلبهم من شركاء الدير. وتعود كلّ سنة، حين عصر الزيتون، وقطف الثمر من بساتين بسري ذكرى هذا الكاهن العامل والنشيط.

        ولا ننسى أنّه حسّن كثيرًا أرزاق الدير بإعادة تنصيب البساتين، ولا يزال أحد بساتين خربة بسري يسمّى باسمه. وفي دير عين الجوزة اهتمّ بترميم الغرف، وإعادة تقطيعها وتجهيزيها، وتجديد الكنيسة، كما أنّه اهتم بمدرسة المخلّص في صغبين، وجعلها ثانويّة، كذلك سافر إلى أميركا وجمع أموالاً لإعادة بناء كنيسة صغبين. لذلك لا نعجب أنّ ذكر هذا الكاهن لا يزال على كلّ الأفواه، وفي كلّ القلوب.

        ولا ننسى أتعابه في أبرشيّة مرجعيون، فقد حسّن أملاكها، وجمع مالاً من المؤسّسات ومن المحسنين ومن أهله لتزيين الكاتدرائيّة، وأصلح كنائس الأبرشيّة وأناطيشها. ولا يظنّ أحد أنّ اهتماماته كانت مقتصرة فقط على المادّيات، فنسارع إلى القول إنّه في كلّ المراكز التي مرّ فيها، كان يسعى لخدمة أكبر عدد ممكن من القرى المجاورة، ويهتمّ بأن يؤمّن القداديس فيها. وكان همّه إلباس الحجر الذي بناه بحرارة إيمان المؤمنين.

        هذا غيض من فيض بما حفلت به حياة الأب راشد، فقد عمل كثيرًا، وتعب بيقظة وخدم بغيرة، وجاهد بدأب... ويمكن اختصار حياته بما قاله السجلّ الرهبانيّ عنه «بأنّه كان حركة دائمة، وعملاً دائمًا، وهمّة فوّارة، واندفاعًا شديدًا نحو الخدمة، ونحو بثّ روح الحياة في محيطه».

        أخيرًا دقّت ساعة الخلاص من مرض طال أمده وثقلت وطأته فتوفي الأب راشد في دير يسوع الملك حيث قضى آخر أيامه على الأرض، في 8 نيسان سنة 1994، محاطًا برعاية أمّه الرهبانيّة التي لم تبخل عليه بشيء طيلة مرضه الطويل، ورعاية شقيقته التي لم تتركه منذ تفاقم المرض عليه. فنقل إلى دير المخلّص حيث أقيم له جنّاز حافل ترأّسه باسم غبطة البطريرك المطران يوحنّا حدّاد وشارك فيه أصحاب السيادة الأساقفة سابا يواكيم مطران عمان سابقًا، ومارون صادر رئيس أساقفة صور والأراضي المقدّسة للموارنة وأنطون حايك رئيس أساقفة بانياس ومرجعيون على رأس وفد من أبرشيّته وكثير من الآباء والرهبان والراهبات. وقال كلمة التأبين باسم الرهبانيّة الأب سمعان نصر المدبّر الأوّل ورئيس الإكليريكيّة الصغرى، مشيرًا إلى أنّ «الرهبانيّة افتقدت رجلاً مبدعًا وخلاّقا؛ وأنّ إخوته الرهبان افتقدوا أخًا محبًّا خدومًا ومضحيًّا ورائدًا للعمل بفرح واندفاع؛ كما أنّ جميع الأبرشيّات والأديار والرعايا التي خدم فيها تحفظ له ذكرًا جميلا محفورًا على ألواح القلوب والحجارة».

الأب أنطوان نصر

هو يوسف بن جريس نصر وهيلانة خرياطي من جون الشوف. ولد في 27 تموز سنة 1921 وتعمّد في 26 شباط سنة 1922. وما لبث أن لبّى دعوة الربّ فدخل مدرسة دير المخلّص في 29 تشرين الأوّل سنة 1934، وتدرّج في العلم والفضيلة، ثمّ نذر نذوره الأولى في 20 تشرين الأوّل سنة  1940 والنذور الاحتفاليّة في 1 كانون الثاني سنة 1944 ودُعي أنطوان. ثمّ ارتقى إلى درجة الكهنوت عن يد البطريرك مكسيموس الصائغ في دير المخلّص في 9 تشرين الثاني سنة 1947.

بدأ حياة الخدمة في الرهبانيّة في دير السيّدة إذ عُيّن مناظرًا على المبتدئين، ثمّ وُكِل إليه مع الراهبات المخلّصيّات سنة 1948 الاهتمام بالأولاد الفلسطينيّين اللاجئين الذين خَصصّت الرهبانيّة لإيوائهم دير السيّدة. ثمّ في سنة 1951–1952 بقي مناظرًا للتلاميذ الداخليّين في الإكليريكيّة المخلّصيّة، وسنة 1955 عيّن وكيلاً في دير المخلّص أثناء رئاسة الأب ألفونس صبّاغ. وفي أوائل سنة 1959 أُرسل إلى حيفا لمساعدة الأب بطرس فاخوري في خدمة الرعيّة وفي إدارة الأملاك، فتدرّب على يد هذا الكاهن الغيور على مصالح الرهبانيّة، والذي بفضل بقائه سنة 1948 في فلسطين حُفظت الأملاك والأوقاف الطائفيّة كلّها. وعندما توفي الأب فاخوري استلم المهمّة مكانه. في سنة 1971 انتُخب رئيسًا لدير المخلّص وبقي في هذه الوظيفة حتّى آب سنة 1974 ثمّ انتقل بعدها إلى عمّان نائبًا عامًّا للمطران سابا يواكيم ووكيلاً للمدارس والأوقاف، وخادمًا لرعيّة جبل عمّان الواسعة الأرجاء. واستمرّ يعمل بصمت وهدوء إلى ان استُدعي إلى دير المخلّص ليكون أمين السرّ العامّ في الرهبانيّة. لكنّه سقط على درج الدير ممّا سبّب له أوجاعًا في ظهره فأعفي من وظيفته وكُلّف بنيابة الرئاسة في دير المخلّص وبتأمين الخدمات الروحيّة للراهبات المخلّصيّات.

في كلّ هذه المهمات المختلفة اشتهر الأب أنطوان نصر بدقّته في العمل، والغيرة والتضحية في سبيل المصلحة العامّة. ففي الإكليريكيّة سهر على نفوس التلاميذ وراقب سلوكهم وساعد على تنشئتهم وتربيتهم تربية صالحة، وفي خدمته للنفوس كان الكاهن الذي يعمل لربطها مع الله؛ وفي خدمة الرهبانيّة سلك سبيل كهنة أقارب له من آل نصر وخرياطي وخاصة الأب بطرس فاخوري الذي تدرّب على يده في خدمة الرهبانيّة في حيفا، وكانوا كلّهم من الكهنة الغيارى على مصالح الرهبانيّة وأرزاقها وأملاكها، وفي خدمة الراهبات المخلّصيّات المرسلات عمل معهنّ كأخ وكأب للجميع فوثقن به كلّ الثقة وقدّرن فيه الوداعة والحشمة ومحبّة الخدمة. وفي أوائل حزيران سنة 1983 شعر الأب أنطوان بتوعّك في صحّته وبتعب عامّ، فعالجه الدكتور اسكندر الحاج الذي نصحه بإجراء فحوصات تبيّن بعدها أن معه مرضًا خطيرًا أصبح في آخر مراحله. وبالفعل لم يمهله هذا المرض سوى أسبوعين إذ توفي من جرّائه في 18 حزيران 1983 في مستشفى الدكتور اسكندر الحاج في صيدا. فأسف الجميع على كاهن ذهب سريعًا وهو في قمّة العطاء، وهو "يتحلّى، كما قال السجل الرهبانيّ بدماثة الأخلاق وطيب المعشر ووداعة مسيحيّة وحسن ضيافة واستقبال، ممّا جعل مكتبه كقلبه مفتوحًا للجميع وملتقى لإخوته الرهبان".

الأب نيلس صعوب

هو مطاوع بن مفضّي الصعوب ورشدة الصعوب من بلدة تبنة في حوران. دخل دير المخلّص في 21 أيلول سنة 1936 وتدّرج في مراقي الفضيلة والمعرفة، وامتاز منذ مبادئ حياته في الدير بالطبع الهادئ والذكاء الفطري والرزانة والتقوى. وعرفه كثيرون بعد نذوره الأولى في 20 تشرين الأوّل سنة 1940 وبعد نذوره الإحتفاليّة في 6 شباط سنة 1944 راهبًا ملتزمًا بحياة رهبانيّة أصيلة امتاز بها بعض رهبان وكهنة منطقة حوران المخلّصييّن وغير المخلّصييّن، الذين كانوا أئمّة في الزهد والنسك والصلاة والتجرّد والإماتة. وفي 9 تشرين الثاني سنة 1947 سامه البطريرك مكسيموس الصائغ كاهنًا في دير المخلّص في أول زيارة له بعد تسلّمه زمام البطريركيّة مع رفاقه الآباء أغناطيوس رعد وميشال حكيم، وجبرائيل راشد، وغريغوريوس عبود، وأنطون نصر.

وبدأ حياة الجهاد والعمل في الإكليريكيّة المخلّصيّة، فكان فيها أستاذًا ومناظرًا ومديرًا، سهر على تربية كهنة المستقبل وكان لهم مثلاً صالحًا، غرس في نفوسهم القِيَم الإنسانيّة والرهبانيّة. وفي سنة 1959 عُيِّن كاهن رعيّة في باب المصلّى في ميدان الشام وظلّ فيها حتّى سنة 1975، ثمّ انتقل منها إلى خدمة رعيّة إرساليّة الزرقاء في شهر آب سنة 1975 واستمر فيها حتى سنة 1979. وفي سنة 1980 عاد من جديد إلى رعيّة باب المصلّى فظلّ فيها حتّى تمّوز سنة 1991.

خدمة الرعيّة كانت العمل الذي قام به مدّة طويلة من الزمن، فهو لم يتسلّم مهمّة إداريّة ولا عمِل في مجال آخر، لكنّه أتقن العمل الرعويّ وامتاز به. فقد صال وجال في الرعيّتين المذكورتين، وخصوصًا في رعيّة باب المصلّى وأحسن الخدمة واشتهر بها محقّقًا بالعمل قول الأب Chevrier "إن الكاهن هو شخص يؤكل كلّ ساعة" : Le prêtre est un homme mangé. ولا عجب فقد تدرّب على التضحية والسخاء في البذل في مدرسة الروحانيّة المخلّصيّة التي إحدى مقوّماتها الغيرة والعطاء دون حساب. وقد شهد له السجلّ الرهبانيّ والناس كلّهم بأنّه كان كاهنًا غيورًا نشيطًا، خدم النفوس أحسن خدمة، دون ملل ودون نقصان. فلم يترك مريضًا إلاّ وعاده، ولا محبوسًا إلا وعزّاه، ولا فقيرًا إلا وأعانه على قدر استطاعته، وعلى الأقلّ بكلمة العزاء والأمل. كان حقًا "كلاًّ للكلّ، فربح الكلّ" (1 كورنتس 9: 22) فربح محبّة الجميع وتقديرهم واحترامهم، واشتهر بسبب ذلك باسم "كاهن المستشفيات وخادم الفقراء والمعذّبين". ونسجّل للذكرى والتاريخ برنامجه اليوميّ: يترك الأنطش في الساعة العاشرة صباحًا، ويذهب لزيارة المرضى والمحرومين والسجناء ولا يعود إلا مساءً وقد أنهكه التعب والعناء والتنقل من مكان إلى آخر، ومن مستشفى إلى مستشفى آخر مشيًا على الأقدام أو في الحافلات العامّة.

لبث هذا الكاهن مدّة طويلة في خدمة رعيّة باب المصلّى، فشهد له جميع سكّان هذا الحيّ بأنّه كان حقًّا راهبًا متقشّفًا في حياته، زاهدًا بالمال والمجد والبحبوحة، صابرًا على مكاره الزمان، ومحتملاً المشقّات. لم يختلف مع أحد، ولم يطالب بأجرة، ولم يسعَ إلى المراتب. عجب كثيرون من هذا الزهد فظنّوا أنّه وراثي أخذه عن آبائه وأجداده الذين عانوا في بلاد حوران الأمرّين بسبب أنّهم قلّة بين جماعات نبذتهم واضطهدتهم فانزوا وعاشوا في قرى صغيرة، مكتفين بما تنتجه أيديهم من أرض تمحل في سنين عديدة. أمّا في الحقيقة فقد كان هذا الكاهن من تلامذة الإنجيل، تَمثّل بالمسيح الفقير الذي "لم يكن له مكان يُسند إليه رأسه" (لوقا 58:9)، ومارس الفقر الاختياريّ والزهد والنسك ورضيَ بعذاب الحرمان وصبر على امتهان الناس له وعدم تقديرهم لعمله المتواضع والصبور والخفيّ. إنّه لم يكن رجلاً لامعًا إنّما كان رجلاً عاملاً بالوزنات التي وهبها الله له لخدمة الإنسان حتّى يتمجّد فقط يسوع المخلّص، وعاملاً بوحيٍ من نذوره وواجباته الكهنوتيّة.

أنهكت الأمراض جسم الأب نيلس وتراكمت عليه الأوجاع فعاش بعد سنة 1991 في بيت الرهبانيّة في دمشق، متزهّدًا، متوحّدًا، صامتًا، إنّما كان دائمًا فرحًا، يستقبل الجميع بسرور، ويبتهج بمعاينة إخوته والأقرباء والأصدقاء. وأراد الله أن يكمّل في جسده ما نقص من الآم المسيح فحمّل الأب نيلس صليب مرض السكّري مدّة طويلة من حياته ثمّ تفاقم فاضطرّ الأطباء على قطع رجليه من تحت الركبة بسبب التآكل الذي أصابها. وقد أبدى شجاعة أثناء العمليّة الجراحيّة مشجّعًا الأطباء على قطع رجليه، وراضيًا وفرحًا بالعذاب، فالمسيح قبْلَه قُطّعت أوصالُه، وجُرح جسمُه بالحربة، وعُلِّق على خشبة العار بالمسامير. وهكذا كما مات المسيح مات الأب نيلس على صليب العذاب في 13 كانون الأوّل سنة 1996، ومات مثل "إبراهيم أبي الآباء وقد شبع من الأيّام" (تكوين 8:25)، أما هو فقد شبع من الأيّام، ومن البلايا ومن الآلام.

وأقيم له جنّاز حافل ترأّسه غبطة البطريرك مكسيموس الخامس حكيم والمطرانان فرنسوا أبو مخ وإيزيدور بطيخة و27 كاهنًا وجمهور غفير امتلأت بهم كنيسة القدّيس كيرلس في القصاع في دمشق وساحتها، وقد أتوا كلّهم لوداع كاهن رأوا فيه صورة حقيقيّة لراعي النفوس الأوّل. وقد دُفن في مقبرة الآباء المخلّصييّن في باب شرقي، وهكذا انضمّ إلى رعيل المخلّصييّن الذين خدموا الطائفة بإخلاص ومحبّة وغيرة فنمت وكبرت مؤسّساتها وانتشرت وأثمرت مئة ضعف.

الأخ سليمان الطويل

        هو ابن سمعان الطويل ومرتا غنطوس، وُلد في الكفير (قرب مرجعيون) سنة ١٩١٩ وعائلته كانت من طائفة الروم الأرثوذكس. قصد الدير للترهّب سنة ١٩٣٨ فلم يُقبل لعدم مناسبة درجة علومه مع سنّه، لكنّه أعاد الكرّة بعد بضع سنوات لأنّه كان يشعر بنداء الربّ ملحًّا في داخله يدعوه إلى الحياة الرهبانيّة. فقُبل في الابتداء وتقرّر أن يكون أخًا عاملاً، ثمّ أبرز نذوره البسيطة سنة ١٩٤٣ وصعد إلى الدير العامر يخدم بمحبّة وتفانٍ وصبر عجيب. ووكل إليه أيضًا الاهتمام ببيت المؤونة وقد لبث في هذه الخدمة إلى حين توفّي شهيد الواجب عصر خميس الأسرار سنة ١٩٦٥. امتاز هذا الأخ ببساطته الإنجيليّة وتجرّده الكامل عن حطام الدنيا وبتدقيقه في القيام بواجباته كلّها. كان صابرًا في كلّ حال، مطيعًا للأوامر ببساطة وتقوى، جميل الفكاهة يجيد قول الزجل. وكان رغم أشغاله مثابرًا على قراءة الكتاب المقدّس، عارفًا لآياته مدركًا لأسراره. وقد كتب سيرة حياته الأب سابا داغر.

الأب إسكندر نمر

        هو سليم بن شكري نمر وحليمة علوان، وُلد في رشميّا في ٢٦ أيلول ١٩٢٣، أبرز نذوره الرهبانيّة في ٣ حزيران ١٩٤٥ وسيم كاهنًا في ١١ تموز ١٩٤٨، كان نجيبًا وغيورًا وجريئًا. نشط في خدمة المدرسة مدّة طويلة معلّمًا ومناظرًا، وفي أثنائها اهتمّ بخدمة النفوس في جون، فأصلح كنيستها وزيّنها بالهياكل الرخاميّة وأسّس أخويّات للسيّدات، وكان محبوبًا لنشاطه وغيرته المتوقّدة. سنة ١٩٥٥ عُيّن كاهن رعيّة في مشغرة فكان الراعي الغيور والساهر والسند الحصين في أوان المحن، خصوصًا سنة ١٩٥٨ لمّا عصفت الثورة في لبنان. انتقل من مشغرة إلى أبلح ثمّ إلى دير مار سركيس في معلولا، ولم يلبث هناك إلاّ مدّة وجيزة. رجع إلى المدرسة المخلّصيّة ليعلّم فيها وليهتمّ بخدمة أبرشيّة صور، وكان يتنقّل في البرد والمطر والحرّ من دير المخلّص إلى يارون في جنوب لبنان على دراجة ناريّة ليخدم النفوس فيها ويقوم بواجباته الراعويّة. في ١٥ آب ١٩٦٤ أُرسل لمساعدة كاهن أبلح الأب مكسيموس عجيمي في عيد كنيسة البلدة، ولمّا كان راجعًا وهو على درّاجته الناريّة صدمته سيارة فتوفّي على أثرها وكانت وفاته خسارة جسيمة للرهبانيّة التي فقدت به ابنًا مخلصًا وغيورًا، فصيح اللسان، جريئًا في قول الحقّ ومتفانيًا في الخدمة. وقد بيّنت نشرة خاصّة بعنوان "جذوة تنطفئ" حياته وما قام به من أعمال مبرورة وهي للأب الياس كويتر. وله كتاب مطبوع بعنوان: "زنابق بين الشوك"، ممّا يدلّ على تضلّعه باللغة العربيّة.

الأب فيكتور نبعة

ولد جان ابن اندراوس نبعة وماري نبعة في 20 كانون الثاني 1924 في بلدة جون جارة الدير العزيزة ومهد التأسيس المخلّصيّ، ومنبت رجال عظام من الأساقفة والآباء المخلّصيّين وغير المخلّصيّين. نذكر منهم الأسقفين الأخوين نيقولاوس نبعة مطران صيدا ودير القمر، والمطران فيلبّس نبعة مطران بيروت، ونذكر خصوصًا الأب جبرائيل نبعة وهو من الرؤساء العامّين العظام في الرهبنة المخلّصيّة. والأب فيكتور ليس فقط ينتمي إلى عائلته، بل كان يشبهه بأنّه كان قصير القامة وشهم النفس وكبير القلب مثله. دخل دير المخلّص في 25 أيلول سنة 1936 بعد حادثة مؤسفة ألمّت بعائلته. فقد توفي المطران أثناسيوس خرياطي مطران صيدا ودير القمر في 24 كانون الثاني سنة 1931 وهو يؤبّن أخته أوجيني، وعاش في الإكليريكيّة المخلّصيّة، ونذر نذوره البسيطة في 7 شباط سنة 1943 ونذر نذوره الاحتفاليّة في 31 آذار سنة 1946 وسيم كاهنًا في 24 تموز سنة 1949. وطيلة حياته في الإكليريكيّة المخلّصيّة كان مجتهدًا في دروسه، هادئ الطبع، مرهف الإحساس، يخاف أن يجرح أحد الأشخاص بتصرّفه أو بكلامه. وبعد سيامته الكهنوتيّة مكث في المدرسة يعلم ويرشد. لكن الآلام لاحقته فتوفي أخوه الشاب جوزف بعد أخت له، ثمّ والده ثمّ والدته فطبعته كلّ هذه الحوادث بمسحة من الآلام كانت تظهر في حياته وفي سلوكه وفي حديثه.

بدأ خدمة الرعايا سنة 1954 في معاصر الشوف فعاش فيها سنتين أثّر تأثيرًا صالحًا في نفوس أبناء رعيّته بسبب حبّه للسلام وسعيه إلى خدمة الجميع وتوافقه مع كلّ التيارات الحزبيّة والدينيّة، وخصوصًا أثَّر فيهم بتقواه وفضيلته ووداعته. ثمّ انتقل إلى بيروت سنة 1956 للخدمة في الرعايا بسبب قرابته للمطران فيلبّس نبعة ميتروبوليت بيروت الذي أراد أن يمدّ يد المساعدة بواسطته إلى أهله. أخيرًا انتقل إلى مشغرة في سنة 1960 وعاش فيها مدّة طويلة خادمًا للنفوس بإخلاص وتقوى. وقد ترك ذكرًا طيّبًا يتردّد على لسان كلّ سكّان مشغرة حتّى الآن. فقد كان الكاهنَ الحقيقيّ، يهتمّ بواجباته الراعويّة، ويعيش بسلام مع الجميع، ويشارك في المناسبات مع المسلمين. وكان يعيش بزهد وبتقشّف ويعاني من الوحدة ومن آلام دفينة في قلبه. وتفاقم عذابه كثيرًا بعد وفاة أخيه بولس وهو الوحيد الباقي من عائلته، ثمّ بعد وفاة زوجة أخيه بولس وولدها الوحيد واللذين كان يعطف عليهما كثيرًا خصوصًا لأنّ الولد هو الذي سيخلّد اسم العائلة. وكان ذلك في محنة تهجير الجبل وفي حوادث بلدة معاصر الشوف المؤلمة.

في سنة 1975 أراد أهل مشغرة عمومًا وأبناء الرعيّة فيها أن يقيموا حفلة للأب فيكتور بمناسبة يوبيله الفضيّ الكهنوتيّ. وحينئذٍ تجلّت محبّة أهالي مشغرة وتعلّقهم براعيهم المحبوب والفاضل بأجلى بيان. وقد أشاد بهذه المناسبة المطران يوحنّا بسّول الخوري، مطران زحلة والفرزل والبقاع وسائر الخطباء بالكاهن التقيّ والورع والمسالم، كاهن المسيحيّين والأرثوذكس والمتاولة. وهذا كان لسان حال المؤمنين الذين عرفوا الأب فكتور راعيًا أو مرشدًا أو واعظًا لنفوسهم في كلّ مكان مرّ فيه.

إنّ الأحزان التي رافقت الأب نبعة منذ صغره أنهكت جسمه، وتوالت عليه الأمراض فسقط تحت وطأتها إذ أصابته نوبة قلبيّة حادّة في مشغرة. وقد شُفي منها، وتعافى بسبب عناية رعيّة مشغرة والرهبانيّة به. بعدها أخذ يتنقّل في الخدم الرهبانيّة التي تتوافق وحالته الصحيّة. عُيّن معلمًا للمبتدئين سنة واحدة 1971-1972. ثمّ استمر يرشد ويخدم في الإكليريكيّة المخلّصيّة ثمّ في الإكليريكيّة الكبرى في دير القدّيس يوحنّا الحبيب في جعيتا. وأخيرًا سكن في دير سيّدة البشارة لخدمة الراهبات المخلّصيّات بعد عودتهنّ إليه سنة 1990. هذا الكاهن عمل خيرًا كبيرًا بوعظه وبإرشاده الحيّ، وخصوصًا بمثله الصالح. فالجميع كهنة ورهبان وراهبات وإكليريكيّون وعلمانيّون رأوا فيه الكاهنَ البشوش، والمحبّ، المسالم، الوديع، والكاهن الطيّب القلب الذي يقوم بكلّ خدمة تُطلب منه قدر ما تسمح له حالته الصحيّة. وفي عزلته وانقطاعه عن الخدمة في الرعايا عكف الأب فيكتور على القراءة الرصينة، وأخذ يكتب، وهو الذي قام بترجمة رسائل القدّيسة تريزيا الصغيرة وكمّلها معه الأب سمعان نصر، ثمّ طبعها. وسقط أخيرًا في ليلة 20 كانون الثاني 1994 إثر نوبة قلبيّة حادّة، وهو في بدء سنة السبعين من عمره، ومات كما عاش، دون أن يحسّ به أحد، ودون أن يثقّل على أحد، فبكاه كثيرون، لأنّه مرّ نسمة هادئة لم يحرّك النفوس بالتهويل والوعيد وبالإعلان، إنّما حركّها بالوداعة، ومحبّة الإخوة، والمسالمة، والكلمة المفيدة.

وأُقيم له جنّاز حافل حضره راعي الأبرشيّة المطران جورج كويتر مع المطارنة: سابا يواكيم رئيس أساقفة عمّان المتقاعد، ويوحنّا حداد متروبوليت صور، وإبراهيم الحلو مطران صيدا للموارنة، وعدد غفير من الكهنة والرهبان والراهبات وحشد من المؤمنين، وقد أبّنه بكلام مؤثّر الأب الياس كويتر.

الأب بطرس حجّار

        هو كريم ابن إبراهيم نقولا حجّار وأدال عبود نوفل من جزّين. ولد في 28 حزيران 1925، وتعمّد في 18 أيلول من السنة نفسها، دخل المدرسة المخلصيّة في 22 تشرين الأوّل 1938، وتدرّج سنة بعد سنة في العلم والفضيلة في الإكليركيّة المخلّصيّة، إلى أن أبرز نذوره الأولى في 15 آب سنة 1945 ثمّ النذور الاحتفاليّة في 14 آب سنة 1949. سيم شماسًا إنجيليًّا في 2 حزيران 1953، وكاهنًا في 28 حزيران 1953، وبقي في المدرسة يناظر ويعطي دروسًا ثمّ عيّن وكيلاً لها وأستاذًا فيها.

سنة 1959 – 1960 عُيّن مديرًا للمدرسة الداخليّة وأمينًا لصندوقها. وفي صيف 1960 أُرسل إلى إكليريكيّة بيت ساحور ليؤمّن الخدمة فيها لمدّة قصيرة، ولمّا عاد منها إلى العامر عُيّن مساعدًا لرئيس دير معلولا، الأب غريغوريوس حوراني، لكنّه اُعيد إلى المدرسة في بدء العام الدراسيّ 1964 واستلم إدارة المدرسة الداخليّة. وفي صيف 1965 عُيّن رئيسًا قانونيًّا لدير معلولا فعمل على إصلاح الأراضي وغرس البستان بالأشجار المثمرة. وقد شهره بسبب نشاطه ودأبه وكدّه، وفتح أبواب الدير للمصطافين. يُذكر أنّه هو الذي ربط الدير ببلدة معلولا بواسطة طريق معبّده مزفّتة، صعب شقّها في "الفجّ الصخريّ" الكاثوليكيّ وسط نتوأت صخريّة لا تلين ولا تُحطّم. لكن كلّ شيء تحطّم أمام عزيمة الأب حجّار. ولم يأل جهدًا في سبيل ازدهار الدير، فحسّنه وجمّله، ونظّم غرفه وقاعاته فأصبح في عهده وعهد خلفه الأب ميشال زعرورة محجّة أثريّة يقصدها الزوّار من كلّ البلدان القريبة والبعيدة فيشاهدون الترتيب والتنظيم، ويشاهدون أيضًا بقعة حافلة بالأماكن الأثريّة. وهكذا أصبح دير معلولا قبلة أنظار السيّاح لا ينقطع عنه تدفّق الزوّار طوال أيّام السنة. وقد أحصى الأب فايز فريجات، رئيس الدير، عدد السياح الأجانب الذين زاروا الدير فبلغ سبعين ألفًا في عام 1995، وهذا العدد ازداد كثيرًا مع تكرار السنين ومع تعزيز السياحة إلى سوريا.

بقي الأب بطرس في دير معلولا إلى مجمع 1968. وبسبب نجاحه في دير معلولا اختاره الرؤساء كاهنًا للخدمة في دير ميثون. وحالما وصل إلى تلك البلاد في 23 تشرين الأوّل سنة 1968 أكبّ للحال مدّة سنة على تعلّم اللغة الإنكليزيّة حتّى أتقنها فهمًا ومحادثة. ثمّ تسلّم دير القدّيس باسيليوس وتعهّد رعايته كقيّم عامّ سنة 1971، ثمّ كرئيس قانونيّ له في سنة 1972، فقام بمهمّته خير قيام حتّى حاز في وقت قصير على رضى الجميع. ولمّا زارت المطربة اللبنانيّة الشهيرة فيروز مع فرقتها أميركا الشماليّة سنة 1972 دعاها إلى الدير وأقام لها حفلة غداء فاخر اشترك فيها حشد من الشخصيّات اللبنانيّة، وجُددت له رئاسة دير ميثون في 5 نيسان 1975 وانتخب مرارًا مستشارًا للرئيس الإقليميّ في الولايات المتّحدة.

وفي 30 نيسان 1978 رقّاه المطران يوسف طويل إلى رتبة أرشمندريت تقديرًا لفضائله وتضحياته الجمّة في سبيل الطائفة الملكيّة في الولايات المتّحدة. ونورد هنا بعض كلمات المديح التي فاه بها راعي الأبرشيّة للمناسبة، فقال: "إعترافًا بتقوى وخبرة وغيرة ولدنا الأب المحترم بطرس حجّار المخلّصيّ، وإقرارًا بخدماته الجليلة لإخوته الرهبان والتلاميذ في إكليريكيّة القدّيس باسيليوس في ميثون–ماس، وللمؤمنين في مختلف الرعايا، وخاصّة في كاتدرائيّة سيّدة البشارة في بوسطن، وتعبيرًا لمّا نكنّ له من المودّة والتقدير والاعتبار بمناسبة يوبيله الفضيّ لسيامته الكهنوتيّة نمنحه بكلّ سرور رتبة أرشمندريت لأبرشيّتنا الملكيّة في الولايات المتّحدة مع كلّ الحقوق والواجبات الخاصّة بهذه المهمّة المقدّسة". وهذا كان لسان حال الرهبانيّة المخلّصيّة أيضًا.

وفي عام 1979 جرى احتفال كبير بمناسبة اليوبيل الفضيّ لدير القدّيس باسيليوس بميثون وكان ذلك في عهد رئاسة الأب بطرس حجّار. ويعتبر هذا الكاهن بين "الحجّارين" الكبار الممتازين في تاريخ الرهبانيّة المخلّصيّة والكنيسة الملكيّة كالمطران باسيليوس حجّار والمطران غريغوريوس حجّار والأب العام الياس حجّار. هؤلاء كلّهم بنوا للرهبانيّة وللطائفة فثبّتوا أسسها، وأعلَوا شأنها، وشهروها في الشرق والغرب، والأب بطرس حجّار بالحقيقة هو من هذا الرعيل الأصيل.

وفي عام 1987 انتُخب معلّمًا للمبتدئين مع بقائه قيّمًا عامًّا للأقليم الأميركيّ، وكان يساعد في مختلف الرياضات الروحيّة التي تقام في المركز (Centre) كسماع الاعترافات وإلقاء المواعظ، والاهتمام بجمعيّة تُعنى بتثقيف الشباب والشابّات، وتقوم بنشاطاتها في المركز المخلّصيّ.

وفي اجتماع الآباء المخلصييّن السنويّ سنة 1990، انتُخب مستشارًا أوّل للرئيس الإقليميّ ومعلّمًا للمبتدئين. يُذكر أنّ الأب حجّار أثناء عمله في ميثون كقيّم عامّ تمكّن من وفاء ديون الإكليريكيّة التي بلغت (335.000) ثلاثماية وخمسة وثلاثين ألف دولار. هذه الديون تراكمت بسبب بناء بيت للرياضات الروحيّة، في عهد سلفه الأب ريمون شاشاتي المخلّصيّ. وقد استطاع ذلك بسهره المتواصل، وأمانته، وعلاقاته المميّزة مع أصدقاء كثيرين، وبمساعدة بعض المحسنين، وتمكّن بمعونة الآباء المخلّصييّن المتواجدين في أميركا وكندا وغيرهم من أصدقائه الكثيرين أن يجعل دير القدّيس باسيليوس في ميثون مستقلاًّ ماليًّا إذ أمّن له مدخولاً ثابتًا لأنّه بعد جهاد وكفاح مرير، وصعوبات جمّة أقنع بلديّة ميثون–ماس بشراء قطعة أرض كبيرة من أملاك الدير الواسعة وحصل على مالٍ وفير، هو ذخيرة قيّمة تحفظ دير ميثون من الزول وتساعد على نشر ملكوت المسيح في الولايات المتحّدة.

أقرّ الرؤساء الذين تعاقبوا على إدارة الرهبانيّة العليا وجميع الذين تتبّعوا عن كثب تاريخ دير ميثون على أن وجود الأب بطرس حجّار مدة طويلة من الزمن كرئيس لدير القدّيس باسيليوس، وكمعلّم للمبتدئين فيه، وكقيّم عامّ للأقليم الأميركيّ ساعد كثيرًا على نموّ الدير وازدهاره. فقد سافر وتعب، وبذل جهودًا جبّارة حتّى أضنكه التعب فأصابه مرض القلب، وقد نجا بنعمة خاصة من الله من نوبات خطيرة توالت عليه في السنين الأخيرة من حياته.

كان الأب حجّار بالرغم من كلّ أشغاله الإداريّة ومرضه الطويل مواظبًا على الاحتفالات الدينيّة، محييًا الطقوس البيزنطيّة بتعليمه الترانيم الكنسيّة الشرقيّة للمبتدئين وللإكليريكيّين، وبممارستها بكلّ إتقان أمامهم في الذبيحة الإلهيّة والفرض الكنسيّ. وقد اعتُبر قدوة ومثالاً حيًّا لكلّ الساكنين في دير ميثون، معيدًا إلى الأذهان صُوَرًا من الرهبان المخلّصييّن الصالحين بما تحلّى به من صفاء القصد، وإخلاص النيّة، والغيرة التي لا تقف عند حدود.

وقد صرّح مرارًا أنّ الله أمدّ بعمره، ونجّاه من الموت مرارًا، مع عودة النوبات القلبيّة الشديدة عليه، لكي يُفسح المجال له ليتوب أكثر وليكفّر عن خطاياه وخطايا العالم. وقد شهد كثير من الزوّار أنّه لم يكن يتخلّف عن الصلاة وعن القدّاس، وأنّه كان يحيي الصلاة الفرضيّة مرنّمًا بصوته الشجيّ ويتلوها بكلّ إتقان وحرارة.

وظلّ الأب حجّار يُعطي من وقته ويبذل من صحّته في سبيل أن يستمرّ دير القدّيس باسيليوس في ميثون "الأكمة النيّرة" كالعامر في بلاد الاغتراب. ولكنّ الأب حجّار أخذ يذوب رويدًا رويدًا وشعر باقتراب الرحيل إلى البيت الأبويّ، فكان يتردّد غالبًا إلى كنيسة الدير لمناجاة ربّه في سرّ القربان المقدّس.

وقبل موعد ذكرى ميلاده على هذه الأرض بأسبوعين فقط نقله الربّ إلى أخداره السماويّة وذلك في 15 حزيران سنة 1996 وكان له من العمر سبعون سنة.

جرت مراسم الدفن في كنيسة دير ميثون، حيث قضى الأب بطرس حجار أكثر من ربع قرن في الخدمة الإداريّة والروحيّة والاجتماعيّة. وقد توافد الأساقفة ميشال حكيم مطران كندا، وجان عادل إيليّا ونيقلاوس سمرا مطراني الملكيّين في الولايات المتّحدة، مع كلّ الكهنة المخلّصييّن العاملين في الولايات المتّحدة وكندا، وجمهور غفير من الشعب، عرفوا كلّهم الأب بطرس حجّار، وشاهدوا خدمته للدير وللرهبانيّة. وكان الجناز حافلاً خاشعًا. أبّنَ المطران جان عادل إيليا الأب حجّار بكلام بليغ، ذاكرًا أنّه كان حقًّا راهبًا فاضلاً وغيورًا وصالحًا، عمل قدر استطاعته وبكلّ مواهبه لخدمة أمّه الرهبانيّة. ثمّ حمله إخوته الرهبان بخشوع وتقوى إلى مدافن الآباء المخلّصييّن حيث يرقد إلى جانب من سبقوه في خدمة الربّ على رجاء القيامة السعيدة التي أعدّها الله لكلّ الذين يحبّونه ويخدمونه بإخلاص على هذه الأرض.

الأب استفانوس حدّاد

        هو وديع بن يوسف إبراهيم الحدّاد وهنا داود الحدّاد، وُلد في بطمة الشوف في شهر شباط ١٩٢٦، أبرز نذوره الاحتفاليّة في ١٤ آب ١٩٤٩ وسيم كاهنًا في ٢٨ حزيران ١٩٥٣، علّم في مبادئ حياته الكهنوتيّة في الإكليريكيّة المخلّصيّة ونشط في خدمة مصالحها المختلفة حتّى سنة ١٩٥٧، بعدها أُرسل إلى إرساليّة الزرقاء ليساعد في العمل هناك وكانت آنئذٍ في ورشة بناء بيت للكهنة ومدرسة قرب الكنيسة في الحيّ الجنوبيّ. ثمّ انتقل إلى رام الله فعزّز المدرسة فيها وبذل نشاطًا وغيرة في خدمة النفوس التي تعلّقت به وأحبَّته لخدمته التي لا تعرف حدودًا ولا تمييزًا في الحاجات. نُقل من ثمّ إلى المعاصر فسعى لإصلاح الكنيسة فيها ولذلك جمع مالاً من المعاصريّين في لبنان وسافر إلى الديار الأمريكيّة للغاية نفسها، وأصبحت بفضله كنيسة المعاصر لؤلؤة جميلة. ولمّا عيّنَته الرهبانيّة رئيسًا لدير المزيرعة سنة ١٩٧٤ احتجّ أهل المعاصر وثاروا لذهاب كاهن رأوا فيه التضحية المثلى والبشاشة واللطف. وفي دير المزيرعة ركّز قلبه وفكره ساعيًا لجعله منارة مضيئة. ولذلك جمّل الكنيسة وأصلح غرف الدير وبنى ملحقًا أوّلاً لقاعة الاستقبال، ثمّ بمساعدة المطران سابا يواكيم بنى جناحًا عصريًّا جديدًا، وهكذا أصبح دير المزيرعة نقطة انطلاق لعمل راعويّ شمل أيضًا جزّين وكفرحونة الرعيّتَين اللتَين كان الأب استفانوس راعيًا لهما. وفي الفترة الأخيرة امتدّ نشاطه إلى الأقطار البعيدة، إذ أخذ يعمل للترويج والدعاية لحياة المسيح وآلامه بواسطة الأفلام والصور. وقد أتقن فنّ التصوير ولنا منه كتاب حافل بالصور الجميلة عن البريئة من الدنس طبعه هو نفسه في إيطالية. ورغبة منه للمساعدة في خدمة النفوس في أبرشيّة عمان سافر إلى الأردنّ وهناك قصفَته يد المنون في ١٦ نيسان ١٩٨٢ في حادث سيّارة وهو على الطريق بين الزرقاء وعمان، كما قصفت أخوة له بالجسد فمات ثلاثة منهم في ريعان الشباب وعلى إثر حوادث مفجعة. نُقل جثمانه إلى دير المخلّص وأُقيم له جنّاز حافل وخاشع ذرفت فيه دموع الحسرة والحزن العميق على كاهن لم تفارق البسمة وجهه ولم يملّ من طواعية الخدمة.

الأب سعيد عبّود

        هو ابن ابراهيم عبّود ومريم سليمان عبّود من كفرنبرخ (الشوف). وُلد في 23 كانون الثاني سنة 1937 واعتمد في 21 تشرين الثاني سنة 1937. ثمّ دخل الإكليريكيّة المخلصيّة في 29 أيلول سنة 1948، لينضمّ إلى صفوف آباء مخلّصيّين وُلدوا في بلدة كفرنبرخ. وتابع دروسه فيها إلى أن أبرز نذوره في 29 نيسان سنة 1956. وبعدها انتقل الى روما لمتابعة دروسه الفلسفيّة واللاهوتيّة فيها على أثر زلزال سنة 1956. وفي 22 تشرين الثاني سنة 1964 سيم كاهنًا عن يد المطران أفتيميوس يواكيم بسبب وجوده في روما لحضور المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني. وفي سنة 1965 عاد الى دير المخلص.

        وبدأ خدمة نشيطة للرهبانيّة وللنفوس. فنراه في دير السيّدة مساعدًا لمعلّم الابتداء ثم في الإكليريكيّة المخلصيّة. وسنة 1967 ذهب الى مدينة الزرقاء في الأردن لخدمة النفوس فأحسن الخدمة وتعلّق الناس به خاصة الصغار. وبعد سنتين فقط عاد الى دير المخلص ليكون رسولاً متجوّلاً في أبرشيّة صيدا وفي القرى المجاورة لدير المخلص. وفي آخر سنة 1970 عاد الى الزرقاء ثم تركها سنة 1971 ليخدم في زحلة ويهتم «بمنظمة الفرسان». وفي أوائل سنة 1973 عاد الى الزرقاء فلبث فيها الى سنة 1975، ثم انتقل الى رعيّة أبلح حيث خدم بنشاط وغيرة وقّادة، وعاش عيشة تجرّد وفقر كاملين، كما شهد الناس بذلك.

        آخر خدمة قام بها الأب سعيد كانت رئاسة دير عمّيق. فأصبح هذا الدير بعمله وغيرته مركزًا رسوليًّا لكلّ المنطقة، فكانت الوفود تتوافد إليه، خاصّة من البقاع حيث كان الناس لا يزالون يذكرون خدمته وغيرته. واستعان بإخوته لإصلاح الأرض واستثمار الأرزاق فنجح حيث أخفق غيره، وأصبح دير عمّيق ديرًا منتجًا وزراعيًّا. ومع رئاسة دير عمّيق اهتمّ الأب سعيد برعيّة كفرقطرة فخدمها بإخلاص وغيرة.

        وعندما التهبت نار الفتنة في لبنان، وهُجّر المسيحيّون من بيوتهم وقراهم في الجبل في أيلول سنة 1983، انتقل الأب سعيد مع سكّان المنطقة الى كفرقطرة ودير القمر حيث تجمّع المسيحيّون، وعاش هناك. أمّا أهله فكانوا في كفرقطرة وقد حصلوا على الأمان من الدروز، الذين ما لبثوا أن نصحوا المسيحيّين بالذهاب الى دير القمر حيث إخوانهم مكدّسون كالغنم للذبح، فذهب مع عائلة أخيه. وبينما هو على الطريق في مفرق معاصر بيت الدين هجم عليه الدروز وسلبوا أمواله وأموال أخيه التي حملوها من دير عمّيق، وسلبوا السيّارة ثمّ أردوا الجميع قتلى على حافة الطريق. وصدف أن مرّ من هناك بعض المزارعين الدروز الذين تعاونوا مع الأب سعيد عبّود في استصلاح أرض دير عمّيق فعملوا على دفن الجثث في مكان ما قريب من الحادث.

        وهكذا ذهب شهيد آخر من الآباء المخلصيّين ذبيحة وقربانة على مذبح لبنان والرهبانيّة.

الأب مرسيل ميلون

        ولد في مدينةRennes  في فرنسا من أبوين هما Pierre Ange Milon وJeanne Marie Lerage في 26 نيسان سنة 1905. وليس في سجلاّت الرهبانيّة معلومات كاملة عن المراحل التي سبقت دخوله الرهبانيّة. إلاّ أنّه كما أخبر هو نفسه كان راهبًا ترابيستيًّا، قضى مدّة طويلة في دير لرهبنته في فرنسا. لكنّه شعر برغبة ملحّة للعمل في حقل الرسالة في الشرق. وأتى إلى الشرق وانضمّ أوّلاً إلى دير لرهبنته في اللطرون، في فلسطين، ثمّ انتقل بعد سنة إلى دير الآباء الكرمليّين في طرابلس بغية أن يعمل في صفوفهم في الرسالة. لكنّ مسيرته تعثّرت فلجأ إلى الرهبانيّة المخلّصيّة فقبلته في صفوفها في تشرين الأوّل سنة 1956. ثمّ دخل الابتداء وعاش سنة كاملة يعمل في الخدم الديريّة بكلّ دقّة وأمانة. بعدها أُعفي من نذوره البسيطة لأنّه نذر عند البندكتيّين فنذر النذور الاحتفاليّة في 15 آب سنة 1958 وعاش في دير المخلّص. وعندما توفي الأب جبرائيل بيطار المخلّصيّ الذي كان يهتمّ بخدمة الراهبات الألمانيّات في دير سان شارل في بلدة عيناب ذهب الأب مرسيل للخدمة هناك. واستمرّ سنين طويلة. ثمّ عاد إلى دير المخلّص وكان عاجزًا عن العمل، إنّما مواظبًا على تلاوة الصلاة الفرضيّة بكامل أجزائها. أثناء حياته في الدير، في عزلة قبلها صاغرًا، عكف على تعلّم اللغة العربيّة والتأليف فطبع كتابين شعريّين Poèmes باللغة الفرنسيّة وملحقًا له في مطبعة Faghali سنة 1969، ثمّ كتاب La Trappe في المطبعة نفسها سنة 1972، وله في مكتبة المخطوطات درسًا مستفيضًا عن الرسالة (Missiologie). وأيضًا نذكر أنّه كتب في مجلة Ami du clergé الفرنسيّة وهو في دير المخلّص مقالاً ضافيًا عن الملكيّين: Les Grecs Melkites, ces inconnus. وكانت حياة الراهب مرسيل قلقة، لأنّه لم يستطع تحقيق رغبته كما يحبّ حينما أتى إلى الشرق. إنّما في حياته في الدير وعند الراهبات في دير عيناب امتاز بمحبّته للصلاة، وبانكبابه عليها طيلة النهار، وقراءة ما لا يجده في اللغة الفرنسيّة باللغة اليونانيّة والعربيّة. وامتاز أيضًا بتقشّف كبير لا يختلف عن تقشّف حياة الآباء الترابيست الذين عاش في أديارهم، وبعكوفه على الصمت والاختلاء، إذ كان لا يفارق غرفته إلاّ قليلاً. وعندما هجر الرهبان من دير المخلّص هجر هو معهم وعاش في دار العناية، ثمّ في دير الرسول يوحنّا الحبيب في جعيتا ثمّ عاد مع العائدين إلى دير المخلّص. وعاش السنين الأخيرة من حياته في الألم والعذاب بسبب أمراض كثيرة ألمّت به، وبسبب المعاناة من الحرب التّي لم يفهم أسبابها ولا نتائجها، إلاّ أنّه كان مستسلمًا لإرادة الله وخاضعًا لمشيئته. وانتهت حياته في دير المخلّص بعد مرض قصير، ودفن في كمنتير دير المخلّص في 11 شباط سنة 1992.

الأخ جوزيف أبو رجيلي

هو جوزيف بن أنيس سعيد أبو رجيلي وسلمى أبو صعب من سرجبال، وُلد في ١٠ تموز ١٩٤٨، أبرز نذوره البسيطة في ١٥ آب ١٩٦٦ ثمّ أبرز نذوره الاحتفاليّة في ٢٠ كانون الثاني ١٩٧١، درس الفلسفة واللاهوت في جامعة الروح القدس في الكسليك، وبرز فيها لذكائه الخارق وقدرته على الاستيعاب واجتهاده. كان إكليريكيًّا ممتازًا أحبّ الخدمة والرسالة ولذلك كان يرغب قبل وفاته لو يعجل برسامته ليستطيع أن يقود النفوس إلى الملكوت. وقد توسّم الجميع فيه خيرًا وعقدوا عليه الآمال الكبيرة. لكنّ الله أراد أن يفتقد الرهبانيّة كعادته من وقت إلى آخر إذ يحرمها من أبناء شباب فتوفّي الأخ جوزيف في حادث سيارة طائش مساء ٢٢ كانون الأوّل ١٩٧١، وعمّ البكاء وخيّم الحزن لوفاة إكليريكيّ في ريعان الشباب كان محطّ الآمال، ممتازًا بصفات إنسانيّة مثلى وبطواعيّة للخدمة. وقد نشر سيرة حياته الأب الياس كويتر ولا تزال يومياته محفوظة وهي تنمّ عن تقوى عميقة.

الأب أنطوان توما

        ولد الأب انطون في 1 آذار سنة 1952 في بلدة برتي، التي تدعى «ضيعة ربّنا» لمركزها التاريخيّ المسيحيّ القديم في تلك المنطقة، من أبوين هما جرجي توما وماري سليمان طحشي. ودخل دير المخلّص في 5 تشرين الأوّل سنة 1965 بعد أن سمع نداء الربّ يدعوه إلى اتّباعه وبعد أن سمع كثيرين من أهالي بلدته يتحدّثون عن تاريخ بلدتهم العريقة في المسيحيّة وعن كهنة ممتازين اشتهروا فيها ومنهم الأبوين ألكسيوس شتوي ومكسيموس شتوي وغيرهما. ولم يلبث طويلاً في الدير فعاد إلى العالم على إثر وفاة والدته في ظروف غامضة أزعجته كثيرًا، وأثّرت على نفسه وجسده وذلك للاهتمام بإخوته الصغار. لكنّ صوت الربّ ناداه من جديد إلى خدمته فعاد إلى الدير ودخل الابتداء ثمّ نذر نذوره البسيطة في 6 آب سنة 1974 ثمّ نذوره الاحتفاليّة في 20 كانون الثاني سنة 1978. وقد تابع دروسه في الإكليريكيّة المخلّصيّة ثمّ في جامعة الروح القدس في الكسليك. وعندما انتهى من التحصيل ارتقى إلى درجة الكهنوت في برتي في عيد شفيع كنيستها الرسول توما في 6 تشرين الأوّل سنة 1979. وكان طيلة مدّة دراسته متواضع الجانب، محبًّا للوحدة، خدومًا. إنّما عُرف بانطوائه على نفسه كأنّه يحمل سرًّا خفيًّا داخليًّا.

        بدأ خدمته للرهبانيّة وللنفوس في حوش الأمراء بزحلة وفي برّ الياس. وكانت الرهبانيّة قد بدأت بتأسيس دار الصداقة هناك. فعهدت إليه الاهتمام بهذه النواة الاجتماعيّة المخلّصيّة الجديدة فقام بهذه المهمّة أحسن قيام. وعُرف، بمحبته وحنانه وتضحيته. وكان يسهر على الأيتام ليعوض لهم عما نقصهم من عطف الأب والأم فهو قد ذاق مثلهم مرارة اليُتم وحسرة فقدان الوالدة في الطفولة. وقد ترك ذكرًا وتأثيرًا طيّبين في حوش الأمراء، وانطبعت حتّى يومنا هذا عنه في قلوب كثيرين صورة الكاهن الغيور اللطيف القريب إلى الشعب والساعي دومًا إلى التخفيف من آلامه وعذابه.

        ثمّ انتقل إلى مدينة الزرقاء الأردنيّة في سنة 1981 ليكون كاهنًا للرعيّة وليساعد في أعمال الإرساليّة. وقد بقي في هذا المركز ستّ سنوات عُرف أثنائها باندفاعه وغيرته وتضحيته في هذه الرعيّة المترامية الأطراف. واشتهر خصوصًا لمحبّته للشعب الفقير وللعمال الكادحين، الذين ساعدهم بخدماته الكثيرة، وبتعاطفه معهم لحلّ مشاكلهم اليوميّة. وقد تعلّق به الشعب كثيرًا للطفه ووداعته وتواضعه، ممّا حمل المطران سابا يواكيم راعي أبرشيّة فيلادلفيا والبتراء وسائر شرقيّ الأردن، على تسجيل هذا المديح: "يلزمنا كهنة مثل هذا الكاهن الغيور الذي لا ملامة عليه، والذي له عندي وعند الجميع كلّ تقدير واحترام".

        وفي صيف 1986 سعى لدى أحد أصدقائه الكهنة الفرنسيّين لقضاء سنة كاملة في دير جمعيّة الروح القدس في باريس في دورة تخصّص مجانيّة في اللغة الفرنسيّة وفي العلوم الاجتماعيّة والدينيّة، فسمحت له السلطة الرهبانيّة. وهذا كان حلمه منذ زمن بعيد، وقد استعذب تحقيق هذه الأمنيّة، وسرّ بها كثيرًا. واستفاد من هذا الوجود في فرنسا ليعالج أيضًا مرضًا عصبيًا ألمّ به منذ فقد والدته، والذي تفاقم واستعصى أثناء حوادث زحلة المؤلمة إذ اضطرّ إلى البقاء مختبئًا مدة ثلاثة أشهر في مخبأ صغير معرض للقصف والقنص. إنّما هذا المرض ظلّ دفينًا لا يظهر إلاّ من خلال بعض ملامح الهمّ الداخليّ على وجه الأب أنطوان وبعض الانطواء على الذات.

        وبعد سنة ونصف قضاها في باريس دارسًا وخادمًا للنفوس عند الحاجة، مسرورًا وفرحًا كما كان يكتب ويحكي لإخوته الآباء المخلّصيّين في الزرقاء، ألحّت عليه السلطة الرهبانيّة للرجوع إلى لبنان للعمل فيه. فهذا أحرجه وسبّب له من جديد توتّرًا عصبيًّا أُدخل على أثره إلى المستشفى لإجراء الفحوصات اللازمة. وقد بقي فيه مدّة ثلاثة أسابيع خرج بعدها سالمًا. لكن في أوّل شباط سنة 1988 إنتابته نوبة عصبيّة شديدة فقضت عليه وعلى شبابه في ظروف غامضة ووسط حيرة وذهول رفاقه والمسؤولين عنه في 1 آذار سنة 1988. وقد أقيم له جنّاز خاشع في كنيسة القدّيس يوليانوس الفقير أبّنه فيه الإكسرخوس يوسف نصرالله قائلا: «نودّع أخًا وصديقًا، وكاهنًا تقيًّا وفاضلاً ووديعًا، لطيف المعشر ومتحلّيًا بإرادة طيّبة. إنّه ترك حيثما خدم النفوس ذكرى كاهن غيور. وقد عرفته منذ بضعة أشهر وقدّرت فيه تلك الصفات المثلى وأخصها تواضعه العميق، فقد كان في الاحتفالات الليتورجيّة يفضّل أن يبقى في إحدى زوايا الكنيسة يسمع اعترافات المؤمنين». وكذلك قال المطران سابا يواكيم راعي أبرشيّة الأردن في القدّاس الجنائزي الذي أقيم للأب أنطوان توما بعد وفاته بأسبوع في كنيسة قلب يسوع في مدينة الزرقاء. وقد بكى الأسقف الحزين والملتاع على كاهن عرفه وقدّره كثيرًا، وبكاه أيضًا الشعب الغفير الذي توافد من عمان ومن كلّ رعايا أبرشيّة الأردنّ كاهنًا امتاز بمحبّته للفقراء، وخدم المعذّبين على الأرض، وبالغيرة على النفوس المشتراة بالدم الثمن الكريم.

        كتب الأب أنطوان عبارة صغيرة، وُجدت في الكتاب المقدّس الذي كان يقرأه دومًا: (إنّي أضأت قنديلي لكنّه انطفأ؛ فعدت لأضيئه من جديد فلم أنجح». وهذا الشعار يلخّص حياة هذا الكاهن الذي ذهب في ظروف غامضة، وبسبب مرض خفيّ ألمّ به منذ شبابه، وهو في ريعان العمر. ولصعوبة نقل الجثمان إلى لبنان، بسبب الأحوال الأمنيّة المتردّية دُفن في باريس مأسوفًا على كاهن مرّ نسمة هادئة في خدمة النفوس والرهبانيّة خدمة مثاليّة وصادقة. وقد أبّنه في هذه المناسبة الأب الياس كويتر رئيس مركز الزرقاء ومعلّم المبتدئين فيها.

الأب ريمون كاستونون

ولد جان كاستونون في 26 نيسان سنة 1934 من أبوين فاضلين هما Fernando Castonon و Catalina Chavez في مدينة San Luis Patori في مكسيكو. وتدرّج في المدارس الابتدائيّة والثانويّة فيها بين سنة 1942 و 1958. ثمّ دخل في College Instituto Durango وانتقل بعدها إلى معهد عالٍ في Duranys في مكسيكو. في مبادئ حياته مارس التعليم في مدينته بين سنة 1966 و 1968 ويقول السجلّ الرهبانيّ عنه إنّه كان "موهوبًا في الفنّ والصنايع، وهو مصوّر ماهر وخيّاط بارع، ويحمل شهادات من الصنايع والفنون". ثمّ انتقل إلى الولايات المتّحدة في 8 أيلول سنة 1968. ودخل الابتداء في دير القدّيس باسيليوس في ميثون في تشرين الأوّل سنة 1968. ثمّ بدأ يتدرّج في المراحل الرهبانيّة المختلفة، فنذر نذوره البسيطة في 12 تشرين الأوّل سنة 1969 ونذوره الاحتفاليّة في 31 كانون الأوّل سنة 1972. وسيم شمّاسًا إنجيليًّا في 6 كانون الثاني سنة 1972 وكاهنًا في 4 نيسان سنة 1972، عن يد المطران يوسف طويل مطران الولايات المتّحدة للروم الكاثوليك. وعاش بعد سيامته الكهنوتيّة في دير القدّيس باسيليوس في ميثون يعمل ويساعد الإخوة ويؤدّي خدمات متعدّدة راعويّة واجتماعيّة ويزور أهله مرّة في السنة. وفي 25 آذار سنة 1976 عُيّن للخدمة في المكسيك في إحدى الرعايا اللاتينيّة، وكان يهتمّ بوالدته المترمّلة. ولا يذكر السجل الرهبانيّ شيئًا عن خدمته في المكسيك.

توفّي في تشرين الأوّل سنة 1991 في مستشفى Escander وهو في السنة السابعة والخمسين من عمره في مدينة مكسيكو على أثر مرض السكّري الطويل والخطير. ودُفن في مكسيكو.

الأب سميح حداد

هو ابن جرجس وخزما حداد. ولد في عانا البقاع في 9 أيلول سنة 1956 وأخذ من تلك التربة شدّة المراس، وقوة الشكيمة. دخل دير المخلّص سنة 1969 ثمّ نذر نذوره الرهبانيّة الأولى في 6 آب سنة 1975، ونذوره المؤبّدة في 15 آب سنة 1978. وتدرّج في العلوم الإنسانيّة في إكليريكيّة دير المخلّص، والعلوم اللاهوتيّة في جامعة الروح القدس في الكسليك. وعُرف بذكائه الفطريّ، وسرعة خاطره، وطلاقة لسانه، وضلوعه بالأدب العربيّ، فكان ينشر البهجة والمتعة بين سامعيه ومجالسيه. وله مجموعة جميلة من القصائد الزجليّة والمقالات الأدبيّة والروحيّة تشهد عن شاعريّته وذكائه وبداهة خاطره. وفي سنة 1982 ارتقى إلى درجة الكهنوت في بلدته عانا.

ثمّ بدأ مرحلة الخدمة التي لم تطل مدّتها، فعمل أستاذًا ومناظرًا في مدرسة دير المخلّص مدّة سنتين، كان يقوم خلالها أيضًا بمهمّة مرشد عامّ للشبيبة وللقوّات اللبنانيّة في البقاع الغربيّ. وهذا ما لفت الأنظار عليه، ووسمه بسِمة أدّت إلى فقدان حياته. وفي سنة 1984 انتقل إلى أبرشيّة زحلة ليساعد أسقفها المطران أندره حداد في الإشراف على أملاك وأوقاف الأبرشيّة وعلى مستشفى تل شيحا وللمساعدة في الخدم الرعويّة. فكان نشيطًا في الخدمة، حازمًا في التدبير، سريع الخاطر، مرحًا في العيش، شهمًا، إنّما استخفّ هو والمسؤولون الأعلون عنه بأمورٍ كانت تسترعي الانتباه والحذر وتثير الخواطر، وتستلزم التقرير السريع والمناسب بسبب الوجود السوري في البقاع.

وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 15 أيلول سنة 1987 حدثت جريمة مروّعة في زحلة إذ فُجّرت مطرانيّة زحلة للملكيّين الكاثوليك في أثناء اجتماع ضمّ بعض المسؤولين الأمنيّين والدينيّين الأعلين. وأصابت الأسقف وبعض الكهنة والعمّال بعض شظايا هذا الانفجار الهائل واستلزمت دخول المطران أندره إلى مستشفى تل شيحا. ولولا لطف الله ورحمته لكان الموت أصاب الكثيرين. وتسارعت الأنباء وكثرت الإشاعات فرأت السلطة اللبنانيّة والسوريّة آنئذ أن يوقف في السجن موقّتًا جميع الساكنين في المطرانيّة ريثما تُكتشف اليد المجرمة. وهكذا أوقف الأب سميح حدّاد مع الأب جورج حدّاد البولسي وكلّ الموظفين في المطرانيّة من نساء ورجال، رغم أنّ التدبير هو مخالف للأعراف والقوانين اللبنانيّة التي تراعي، في مثل هذه الحالة، رجال الدين. وأُجري تحقيق سريع مع الأب سميح، ومُنع الاتّصال به حتّى من قبل رئيسه الدينيّ. وبعد يومين فقط أشارت المعلومات الحكوميّة الرسميّة، وقد نُشرت في الجرائد، إلى أنّ كلّ الدلائل تشير إلى أن مرتكب الجريمة هو الأب سميح حدّاد، وأنّه انتحر عند اطلاعه على الدلائل الواضحة في نظر المسؤولين اللبنانيّين والسوريين. وهكذا اعتُقل الأب سميح حيًّا، وسُلّم بعد يومين ميتًا. وقد جرى دفنه سرًّا في بلدته عانا وسط تدابير وتحفّظات أمنيّة مشدّدة في 17 أيلول سنة 1987.

الله وحده يعرف أسرار هذا الانفجار وهذا الموت الغامض للأب سميح حدّاد. لكنّ جريمة انفجار المطرانيّة، وملابساتها وتخطيطها الذكيّ وتوقيتها يقتضي تدرّجًا واستعدادًا ومراسًا طويلاً لارتكابها. ويمكن القول أنّ هذا كلّه غاب عن الأب سميح. كما لا يمكن تصديق مقولة بأنّ طويّة مثل طويّة الأب سميح طُبعت على الشمم والصدق والإباء يمكنها أن تتورّط بالشرّ والأذى، وتصل بصاحبها إلى القتل والتدمير والتفجير. ويمكنها أيضًا القفز فجأة إلى ارتكاب جريمة مثل هذه الجريمة البشعة التّي أدّت إلى دكّ بناء المطرانيّة وهدمها وإلى محاولة قتل المطران أندره حداد وبعض المسؤولين الأعلين في البقاع. ونشير إلى أن المطران أندره كان يقدّر الأب سميح. ويدرّبه ويثق به، فمن المستحيل للأب سميح أن يقتل وليّ نعمته. لكنّ ما يعلمه الله هو ربّما غير ما يعلمه البشر.

اعتُبر الأب سميح شهيدًا، واعتُبر موته استشهادًا في سبيل الحقّ والخير والحريّة، وقد بكى الجميع السنين لفقدان هذا الكاهن الذي مات في ظروف غامضة وهو في ريعان الشباب، وكان يُرجى منه خير كبير.

الأب دومنيك لدبتر

ولد الأب دومنيك في كانون الأوّل عام 1923 في مدينة هاميلتون (أوهايو) في الولايات المتّحدة الأميركيّة، من والدين فاضلين هما: Oscar Paul Ledbetter  أوسكار بول لدبيتر، وماري مغدلين لافيلين Mary Magdelen Leveline وكان اسمه يوم ميلاده Walter. وعاش في بيت مسيحيّ تميّز بالتقوى والمحبّة الخادمة.

ثمّ قصد دومنيك دير القدّيس باسيليوس في ميثون في أوّل نيسان سنة 1975، وكان له من العمر 52 سنة، في عهد رئيس الدير الأب بطرس حجّار. وبعد ستّة أشهر (في 4 تشرين الأوّل) لبس ثوب الابتداء. وأبرز نذوره الرهبانيّة البسيطة في 6 تشرين الأوّل سنة 1976، والمؤبّدة في 10 تشرين الأوّل سنة 1979.

سيم شماسًا رسائليًّا ثمّ شمّاسًا إنجيليًّا في 9 كانون الأوّل سنة 1979، وبعد سنة واحدة سيم كاهنًا في 9 كانون الأوّل 1980 عن يد صاحب السيّادة المطران يوسف طويل، الإكسرخس الرسوليّ للروم الكاثوليك في الولايات المتّحدة.

في أوائل العام 1981 عُيّن مديرًا للدعوات الرهبانيّة والكهنوتيّة. وكان يقوم في الوقت نفسه، بمساعدة الوكيل في دير القدّيس باسيليوس، فكان مدّة خمس سنوات ونيّف مثالاً في العطاء، يؤدّي جميع الخدمات التي تُطلب منه بكلّ تواضع وإتقان. عدا ذلك استلم رعيّة سيّدة الأرز في مدينة مانشستر ما بين كانون الأوّل 1985 وتشرين الثاني 1986.

واشتهر هذا الكاهن بمحبته الشديدة للرهبانيّة. ففي اليوبيل الفضيّ الذي أُقيم سنة 1979، بمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على تأسيس دير القدّيس باسيليوس في ميثون، نشط الأب دومنيك للاحتفال بهذه المناسبة ليُعرّف ويعلن عن خدمة الرهبانيّة للنفوس في رعايا كثيرة في أميركا وكندا والبرازيل والمكسيك. وبين اهتماماته الكثيرة كان إقامة معرض مخلّصيّ في دير ميثون، وسمح له الرؤساء بأخذ بعض آثار قيّمة من دير المخلّص كتاج قديم للرئاسة العامّة وكؤوس للقدّاس، وكتب، ومنها كتاب الدلالة اللامعة، وبدلات قدّاس، فعرضها ولا تزال معروضة في رواق الدير المذكور. وبهذا العمل وغيره من النشاطات الروحيّة، عبّر الأب دومنيك عن محبّته الخالصة والشديدة للرهبانيّة، التي كان يتحدّث عنها وعن مآثرها باستمرار ويعمل كلّ ما بوسعه للمساعدة في تنميتها وتعزيزها. واشتهر أيضًا هذا الراهب بمحبّته للأب بشارة أبي مراد، وهو الذي ألحّ على الأب كيرلس حداد لكتابة كرّاس صغير عنه وعن الرهبانيّة باللغة الإنكليزيّة. ويا للأسف لا تزال هذه المخطوطة في رفوف خزائن دير ميثون.

لكنّ الربّ كان قد أعدّ للأب دومنيك صليبًا ليحمله ويسير وراءه في طريق الجلجلة. ففي أوائل سنة 1989 أصابه فالج أقعده عن العمل كلّيًّا، فنُقل إلى المستشفى حيث بُذلت له كلّ عناية ممكنة لكنّه اضطرّ أن يلازم كرسيًّا متحرّكًا، إنّما بقي قادرًا على الكلام بصعوبة. وطيلة المدّة التي قضاها في المستشفى القريب من الدير كان يهتمّ بالمرضى رفاقه فيحثّهم على التوبة، ويرشدهم إلى محبّة الله والخضوع لإرادته القدّوسة، ويُقيم الصلوات، وينظّم القدّاس، ويوزع أوراقًا روحيّة مطبوعة لكلّ المرضى، وخصوصًا للمقعدين في المستشفى الذي كان فيه. وقد ترك أثرًا طيّبًا في نفوس كثيرين، إذ إنّه بالرغم من عاهته ومرضه كان رسولاً غيورًا، يعلن دومًا البشارة الصالحة، ويُعلّم الناس بمواعظ مؤثّرة عن ضرورة قبول إرادة الربّ والعمل للاستفادة من المرض للتوبة والصلاة من أجل العالم.

للتعبير عن محبّته لإخوته الرهبان وعن شوقه لدير ميثون، طلب سيّارة خاصّة بالمعاقين لتنقله كلّ يوم أربعاء من المستشفى إلى دير القدّيس باسيليوس في ميثون وهو جالس في كرسيّه المتحرّك، فيدخل إلى كنيسة الدير ويحتفل بالليتورجيا الإلهيّة مع إخوته الرهبان المخلّصييّن على طاولة توضع له في وسط الكنيسة. وبعد نهاية الصلاة كان يُقام لقاء في قاعة الاجتماعات لتناول الغذاء مع الآباء والإخوة في جوّ عابق بالمحبّة والروح المرحة.

بقي الأب دومنيك على هذه الحالة مدّة تزيد على تسع سنوات احتمل فيها صليبه بكلّ صبر وخضوع بنويّ لمشيئة الربّ. فكان وجهه يطفح نورًا ولطفًا مع بسمة لا تفارق شفتيه.

حضر لآخر مرة وهو على كرسيّه الاجتماع السنويّ الذي عقده الآباء المخلّصيّون في دير ميثون في أواسط شهر نيسان 1996 وأُخذت له صورة تذكاريّة مع باقي إخوته الرهبان، وكانت الصورة الأخيرة له على هذه الأرض. ولمّا عاد إلى المستشفى لم يعد جسم الأب دومنيك النحيل يلبّي نبضات قلبه، فأخذ يذوب ذوبان الشمع إلى أن وافته المنيّة وهو في كامل وعيه، يوم الأحد في 19 أيار 1996.

اكتفى الربّ بما تحمّله عبده الأمين من عذابات أليمة بروح فائقة الطبيعة، لذلك نقله إلى ملكوته السماويّ، وله من العمر 72 سنة.

نُقل جثمانه من المستشفى وسجّي في كنيسة الدير حتّى يوم الأربعاء 22 أيار حتّى يتسنّى للرئيس الإقليمي أن يُعلِمَ الآباء المخلّصييّن في مختلف المراكز، ويتمكّن الأقارب والأصدقاء من الوصول إلى الدير لوداعه والاشتراك بالصلاة لراحة نفسه. رئس صلاة الجناز صاحبا السيادة المطرانان جان عادل إيليّا وميشال حكيم، وشارك فيها آباء الرهبانيّة المخلّصيّة مع عدد من كهنة الأبرشيّة. وألقى سيادة المطران إيليّا عظة بليغة عدّد فيها مآثر الأب دومنيك الذي أحبّه الجميع حيثما عمل وخدم، واحترموه ورأوا فيه "رجل الله".

وفي ختام الجناز، تقدّم الكهنة المخلّصيّون وحملوه بخشوع إلى المدفن القريب من الدير حيث أودع الأب الوديع دومنيك، على رجاء القيامة، إلى جانب مَن سبقه من الآباء المخلّصييّن المتوفّين في الولايات المتّحدة وكندا.